أفق جميل رحلة نجاح أم فشل.. واحتمالات أخرى

أفق جميل
©2013 tellfilm GmbH & Blue Nile Film and Television Academy

قد تُشكّل العودة لنقطة الصفر بعد التحليق بالحلم بعيدا نوعا من الإحباط, وربما يدعو ذلك صاحب الحلم للتخلّي عنه, فيذهب أدراج الرياح. غالباً ما يرى هذا الشخص أن النجاح يمكث في الخارج ، خارج نفسه, فيظل يلاحقه لاهثاً, دون العلم أن النجاح يأتي باكتشاف الذات في المقام الأول, وأن نقطة الصفر هي نقطة الإنطلاق.

"أفق جميل" فيلم من إخراج السويسري ستيفان جاجر ( (Stefan Jägerتم تصويره  في إثيوبيا, أديس أبابا, وأُصدر عام ٢٠١٣. الفيلم حائز على ١٥ جائزة من مهرجانات تنوعت ما بين أجنبية وعربية, كما أنه شارك في العديد من المهرجانات العالمية, وتم عرضه مؤخراً خلال أسبوع أفلام جوته ٢٠١٦.
إن لم تكن لديك فكرة مسبقة عن الأجواء التي تم من خلالها تصوير الفيلم فستجده بسيط، غير متكلف في التقنيات المستخدمة, لكن هناك عددا من الملابسات التي جعلت الفيلم أهل بحصد كل تلك الجوائز.

تم دعوة ستيفان جاجر عام ٢٠١٢ من خلال السفارة السويسرية في إثيوبيا ومعهد جوته للتدريس في أكاديمية (Blue Nile Film and Television Academy) في أديس أبابا, وهي الأكاديمية الأولى من نوعها في إثيوبيا, وقد تم إنشاؤها عام ٢٠١٠ بواسطة مدير التصوير ابراهام هايلي ((Abraham Haile. رأى القائمون على التدريس أن المادة الأكاديمية وحدها لن تكون ذات جدوى, فكان التفكير في صناعة فيلم يتمكن الدارسون من خلاله التجربة العملية لما تمت دراسته.
الفيلم يعتمد في بنائه على مجموعة من الهواة, بالإضافة إلى مجموعة قليلة من المحترفين, بينما تم إسناد دور البطولة لطفل من أطفال الشوارع, وشاركه البطولة الممثل السويسري الشهير ستيفان جوبستر (Stefan Gubser)

محاولة اقتناص فرصة زائفة


أدماسو( (Henok Tadeleذو ال ١٢ عاما, طفل يتيم يحلم بأن يكون لاعب كرة قدم مشهور, ويتطلع للسفر لأوروبا والالتحاق بمدرسة برشلونة  لتحقيق حلمه. يوطّد الطفل صلته بالحلم بمقارنة ظروفه بظروف كثير من لاعبي الكرة في بداياتهم, ويتخذ من النجم الأرجنتيني (ليونيل ميسي) مثالاً يضعه نصب عينيه, وتيمّناً به دائما ما يعرّف نفسه  ب (أدماسو ميسي).

حدث مهم يبث الأمل في نفس الطفل, وهو وصول فرانز أرنولد (Stefan Gubser) نجم  كرة القدم السويسري  الذي يسافر إلى إثيوبيا لاكتشاف مواهب جديدة, ظاهرياً, لكنه في الواقع يسعى للدعاية لنفسه. يجد أدماسو تلك هي فرصة العمر, فيحاول بكل الطرق الوصول لفرانز, وعندما يتهرب فرانز منه يفكر الطفل في خطة لاختطافه ليزعم أنه منقذه ويكسب ثقته.

يُظهر لنا المُخرج طموح أدماسو ومدى تمسّكه بحلمه من خلال الأدوات التي يستخدمها: كرة مصنوعة يدوياً تم حشوها ببعض النفايات وأكياس بلاستيكية  وقطعة من الجلد, الذي قام بسرقته, ليكون الإطار الخارجي لها. لا يتخلى أدماسو عن تلك الكرة حتى وسط سخرية زملاؤه الذين لا يشاركونه نفس الطموح, فهي بشكل أو بآخر تمثِّل حلمه, بالإضافة لكتاب لتعلم اللغة الانجليزية يدسّه في بنطاله الممزق.
 

رحلة لاكتشاف الذات وتصحيح المسار


تفشل خطة أدماسو في اختطاف فرانز مما يؤدي لهروبهما سويا خارج المدينة. خلال هذه الرحلة يحاول أدماسو إقناع فرانز بمهاراته ويبرم معه عددا من الصفقات التي تؤول إلى لا شيء, ويخبره فرانز صراحةً " كرة القدم هي تجارة وليست نوع من أنواع الصدقة".

يصيب هذا الكلام أدماسو بالإحباط والخوف من ضيا ع الحلم وهو ما يبرع المخرج في نقله لنا عبر عدد من لقطات كلوز-آب والتي تبرز تعبيرات وجهه التي تملؤها خيبة الأمل, فقد كانت عينا الطفل منذ البداية لا تعكس فقره بل تفضح طموحه, لكن نظراته بدأت تختلف باختلاف المشاعر التي يختبرها.

 يتعرض فرانز لأزمة قلبية فيطلب أدماسو المساعدة من سكان قرية قريبة. رغم ترحيب أهل القرية والاهتمام بصحة فرانز إلا أنه يحاول الهروب, دون جدوى.

أولى خطوات تصحيح مسار أدماسو وجعل حلمه أكثر واقعية كانت عندما أخبرهم باسمه الحقيقي (أدماسو أماري) فأخبرتهم إحدى الفتيات أن اسم (أماري) يعني أن الأفق سيصبح جميلاً, فأخبره فرانز أن عليه التمسك باسمه الحقيقي, والتخلي عن (ميسي).

يعرض أهل القرية على أدماسو اللعب في فريق الكرة ضد سكان القرية المجاورة, ويشجعه فرانز على ذلك, فقد تكون هذه هي البداية. يفرض أدماسو على فرانز أن يعده بأن يتبناه, فيضطر, عن غير اقتناع, قبول هذا الوعد.

يظل من أهم عناصر الفيلم الإنسجام بين البطلين, فلن يتبادر لذهن المُشاهد أن هذا التناغم قد تواّد خلال فترة  التصوير أو أن هذا الطفل لم يسبق له التمثيل من قبل, فاتقانه للدور ونظراته التي تتأرجح ما بين طموح ويأس لا يمكن أن يقدمها بهذا الشكل سوى الممثلين المحترفين. كذلك تعلّمه للغة الإنجليزية خلال فترة قصيرة جداً, بالطبع ليس بإتقان, وهو ما ولّد بعض المواقف الكوميدية عند حدوث سوء فهم بسبب اختلاط معاني الكلمات.

نجاح أم فشل واحتمالات أخرى


من البداية قد يكون السؤال البديهي.. هل سينجح أدماسو في الوصول لحلمه والسفر لأوروبا  أم لا؟ فدائماً ما يسعى العقل لمطاردة إجابات خلال الفيلم حتى يؤكد لنفسه صحة أو خطأ توقعاته بنزول تتر النهاية, ولكن السيناريو يلفت انتباه المُشاهد لنقطة أهم وهي: هل السفر لأوروبا واللعب لنادي أجنبي هو الحلم الحقيقي أم اكتشاف الذات والنجاح في أي مكان كان هو ما يمثّل النجاح؟

قام الفيلم بتسليط الضوء على حياة أطفال الشوارع ودور رعاية الأيتام, وكان لذلك أثرًا إيجابياً, فبعد انتهاء الفيلم استطاع  أدماسو (Henoke Tadele)  أن يعيش في منزل والتحق بالمدرسة مرة أخرى, ذلك أيضا ما حدث في نهاية الفيلم حيث يعود الحماس والطموح لقلب أدماسو والذي يبدو جلياً في عينيه, رغم تبدد الفرصة, فيعود للالتحاق بالمدرسة وممارسة تدريباته وسط أقرانه, بعد عودته من رحلة لاكتشاف الذات وتصحيح المسار.
تكمن متعة الفيلم وأهميته في بساطته, فهو لا يطلب منك أن تتوقع شيئا خيالياً, لكنه يعرض حلم طفل يستطيع أحدهم بخبرته أن يضعه على الطريق الصحيح, فقط مع بعض المطاردات التي توهمك بأن الحلم قد يصبح سرابا.