العنف ضد الأطفال في مصر "الأطفال كالطين الرطب"

العنف ضد الأطفال
الصورة: رين ريبادوميا عبر فيلكر flickr.com, CC BY 2.0

"الأطفال كالطين الرطب، يمكن تشكيلهم حسب المذاق" – عبارة اعتدت سماع جدتي ترددها باستمرار. ولكن دائماً ما يجرى هذا "التشكيل" بصورة غير سلمية. نجد العنف ضد الأطفال في جميع  أنحاء العالم. فمصر لاتُشكل استثنائاً فيما يتعلق بذلك.

ينقسم العنف ضد الأطفال بشكل عام ومُختصر إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول هو العنف الجسدي ويندرج تحته العنف الجسدي من الدرجة الأولى، (ويعني بذلك الدفع والقرص وشد الأذن). وهناك أيضاً العنف الجسدي من الدرجة الثانية (الركل والضرب)، وأخيراً العنف الجسدي من الدرجة الثالثة ويجري باستخدام شيء ما مثل (الضرب بالحزام أو الكرباج أو العصا إلخ). هناك أيضاً العنف النفسي أو المعنوي وهو الشكل الثاني من أشكال العنف ضد الأطفال ويتضمن العديد من الأشياء اللفظية وغير اللفظية مثل الصياح والسب والتهديد والإهانة وتوجيه الاتهامات والرفض والإهمال وغيرها من الأشياء الأخرى مثل مشاهدة العنف المُمارس بين أفراد الأسرة الآخرين. وأخيراً العنف الجنسي لتُغلق به دائرة العنف ضد الأطفال. والعنف الجنسي قد يكون جسدي أو لفظي. صنفت منظمة اليونسيف كل من عملية تشويه الأعضاء التناسلية للإناث/الختان وكذلك زواج الأطفال ضمن العنف الجنسي.

انطلق عام ٢٠١٥ مشروع كبير في مصر باسم "ViolenceAgainstChildren In Egypt"، (العنف ضد الأطفال في مصر)، بالتعاون مع منظمة اليونسيف والمجلس القومي للأمومة والطفولة (مصر). أجري في الفترة ما بين شهري مارس ومايو عام ٢٠١٣ اختبار وفحص لللأطفال الذين تترواح أعمارهم ما بين ١٣ إلى ١٧ سنة ومن ٢٤٠٠ أسرة و١١٠ مدرسة في ثلاثة مدن كبرى وهم القاهرة والأسكندرية وأسيوط. وكانت النتائج صادمة. فالعنف يكاد يكون مُنتظر الأطفال حرفياً في كل مكان يتواجدون به.  يتعرض الأطفال في المدرسة إلى المضايقة والضرب من قبل زملائهم كما يقوم المدرسون بسبهم وضربهم بالعصا والمساطر على أيديهم. أما في الشارع فتتعرضن الفتيات على وجه الخصوص إلى التحرش الجنسي. وفي الأسرة يتعرض الأطفال إلى صور مختلفة من العنف منها الضرب والسب والإهمال.

يُمارس العنف في المقام الأول داخل الأسرة نفسها

في يوم عاد صبي يعيش في حي بالأسكندرية  في الساعة السادسة صباحاً إلى بيته بعد قضاء الليل مع أصدقائه خارج المنزل ليستقبله والده وعمه ويكتفونه على كرسي ويقومون بضربه بالحزام. وصرحت فتاة من أسيوط أنها تفضل أن تضربها أمها لأن الأم تندم بعد ذلك على فعلتها وتتحدث إليها. أما إذا عاقبها والدها فيفعل ذلك في الشارع أمام أعين الأطفال الأخرى مما يتسبب في جرح مشاعرها للغاية. كما روى صَبيان من القاهرة أنهما قد تعرضا للضرب بالعصا من قبل مدرس، الأول لأنه شرب من الزجاجة أثناء الدرس والآخر لأنه طلب الذهاب إلى الحمام. "الإهمال يجعلني أشعر وكأنهم يكرهونني" – هذه كلمات جاءت على لسان صبي من الأسكندرية.

هذه كانت فقط بعض الأمثلة للقصص المفزعة التي رواها الأطفال لموظفي منظمة اليونيسف عند سؤالهم. وكأن التصريحات والأقوال المذكورة أعلاه ليست مفزعة بدرجة كافية، فقد أسفرت الدراسة عن شيء مفزع وصادم بدرجة أكبر، حيث أظهرت الإحصائيات أن كل من العنف الجسدي والنفسي الممارس ضد الأطفال في المدن الثلاثة يحدث في الغالب داخل الأسرة نفسها. وخلاصة القول فإن الأباء والأمهات (بالاشتراك مع الأقارب المقربين) هما الذيه يتسببون في الأذى والضرر بأبنائهم في فترة طفولتهم والتي في الغالب تصاحبهم مدى الحياة.

تعكس نتائج الاستطلاعات التي أجريت مع الآباء والأمهات بخصوص العنف الجسدي المُمارس ضد الأبناء - بلا أدنى شك - القصص التي رواها الأطفال ذاتهم. يرى من  ٢٧ إلى  ٣٢ بالمئة من الآباء والأمهات أن العنف أمر غير مقبول، ومن  ٣٩ إلى  ٤٧ بالمئة رأوا أنه في بعض الحالات المعينة لا مانع من استخدام العنف. و ٩من  إلى  ١٠ بالمئة يرونه أمراً ضرورياً ومن  ٤ إلى  ٨ بالمئة يرون أنه لا مانع من العنف مادام لايوجد أثر لكدمات واضحة. ومن  ٨ إلى  ١٦ بالمئة يدركون أنه شيء خاطئ ولكنهم يفقدون السيطرة على أنفسهم  في بعض الأحيان. أما فيما يخص العنف النفسي فاعترف من  ٦٣ إلى ٧٢ بالمئة من الآباء والأمهات أنهم قد سبق ومارسوا العنف النفسي ضد أطفالهم.

حلقة مفرغة لابد التخلص منها

بكل بساطة لايُمكن تحت أي ظرف من الظروف أن يتعرض الطفل لتعذيب نفسي وخاصة من قبل الوالدان الذان من واجبهما توفير الأمان لطفلهما. ولكن كيف نقول ذلك لموظف بسيط في هيئة حكومية لايتعدى دخله الشهري بضع مئات الجنيهات وعليه رغم ذلك إعالة أسرته. وكذلك الأم التي تعمل في منزلها وأيضاً في العالم المهني وعليها يومياً تحضير الطعام بغض النظر عن المضايقة التي تتعرض لها والمدة التي تقضيها في المواصلات العامة المزدحمة. يسبب الضغط النفسي ردود أفعال عنيفة. فبالطبع ضرب الطفل بحزام أو التهديد بطرده من المنزل يعد أمراً مرفوضاً بغض النظر عن التصرف الذي صدر منه. ولكن الضغوط  اليومية التي يواجهها ويعيشها المواطن المصري الذي لاينتمي للطبقة العليا تعد هي الأخرى أمراً غير مقبول. ومن هنا يتحول الأطفال إلى وسادة حية تتعرض للضرب بشكل مستمر من أجل تفريغ شحنة من الإرهاق والإجهاد الداخلي. تصنع الحياة غير الإنسانية آباء وأمهات فاقدي الإنسانية وبالتالي يصبح الأطفال مرضى نفسيين يعيشون بذكرى طفولتهم المأسوية ويعيشون فيما بعد نفس الحياة التي عاشاها آبائهم وأمهاتهم، ويسيئون معاملة أبنائهم مثلما فعل والديهم من قبل وتستمر الحلقة المفرغة.

قد يكون هناك حل لهذه المشكلة  أو حل جزئي  يكمن في تأجيل قرار الإنجاب حتى يصبح كل من الأم والأب مستعد نفسياً لهذه الخطوة وأن يكونا كل منهما واثقاً من أنه سوف يكون أباً صالحاً وأُماً صالحة وألا يكون الغرض من إنجاب الأطفال فقط لكونهم متزوجين. أو من البداية يجب اختيار الشريك المناسب الذي يعتبر تعذيب وسوء معاملة الأبناء أمراً ليس وارداً على الإطلاق. وبغض النظر عن الحل فلابد أن ينص القانون المصري على أكثر من مادة فيما يخص ذلك. لأنه من المؤكد أن الأمر لن يُحسم إلا بالقانون.

أريد في النهاية أن أؤكد على ماقالته جدتي، فهي كانت على حق. الأطفال فعلاً مثل الطين الرطب، يتأثرون ببيئتهم  وبكل ما يحيط بهم حتى تتكون شخصيتهم المُستقلة، مثل الطين تماماً. ولكن الفرق الوحيد أن الطين يظل رطباً لفترة قصيرة ثم يتجمد ليتحول إما إلى قطعة فنية جميلة أو إلى كتلة قبيحة.