نظام التعليم المصري المرحلة الثانوية قد انتهت – فماذا بعد؟

CollegeDegrees360 via flickr.com, CC BY-SA 2.0
©CollegeDegrees360 via flickr.com, CC BY-SA 2.0

الثانوية العامة، الثانوية الألمانية - أبيتور (Abitur)، الثانوية الإنجليزية (IGSCE)، الدبلومة الأمريكية (SAT) جميعها شهدات تختلف مُسمياتها ولكن يجمعها عنصر واحد وهو القلق.  وما لم نكن نعرفه كخريجين جدد هو أن نهاية المرحلة المدرسية ما هي إلا بداية للمرحلة الجامعية التي تتبعها مراحل أخرى في الحياة.
 

"ماذا تريد أن تصبح حينما تكبر؟" سؤال يعرفه جيداً كل طفل في العالم. ولكن تتغير الإجابة على السؤال نفسه في كل مرحلة من مراحل الحياة. في حالتي كانت الإجابة "قطة" (وذلك حينما كنت في السابعة من عمري، أرجو عدم الحكم على هذه الإجابة) ثم توالت إجابات مختلفة: جيولوجية – طبيبة أطفال – صحفية – مُترجمة – كاتبة حرة - وأخيراً سعيدة.

على كل حال مازال يُشكل اختيار المهنة أو الوظيفة المستقبلية وقبلها اختيار الدراسة المناسبة جُهدا كبيراً للكثيرين حتى الآن. وقد يقول شخصاً متفائلاً بعض الشيء أنه يريد أي شيء، أو كل شيء، فليست هناك حدود ولا من مستحيل. فهل يمكن تصديق هذا الكلام؟

العقبة الأولى: مُجرد التعرف والكشف عن الأشياء المفضلة والأهواء ليس بالأمر السهل. فالكثير من طلبة المدارس لايريدون الذهاب إلى المدرسة ولايعرفون المواد التي تجذبهم والتي يهتمون بها. وكذلك فهو من الصعب أيضاً اختيار مجال اهتمام واحد من بين مجالات كثيرة مختلفة علماً بأن هذا المجال سوف يكون في المستقبل مصدر دخل كاف ومقبول. وإذا وقع الاختيار على مجال ما بناءً على الرغبات والأهواء فقط دون أخذ إمكانات فرص العمل بعين الاعتبار فيكون ذلك من ناحية أخرى أمراً مُعقداً. وإذا لجأ الطالب للمشورة بخصوص قراراته الذاتية التي اتخذها فغالباً ما تجعله في حيرة. 
العقبة الثانية: المجموع – كثيراً ما تقف درجات امتحان التخرج من المدرسة غير الجيدة بالقدر الكاف عقبة في طريق الطالب لتحرمه من الالتحاق بالجامعة والدراسة التي كان يحلم بها. ومن المخيب للآمال للغاية أن اختبار واحد – وهو في الواقع مجرد قطعة من الورق – قد يعرقل مسار الحياة المرغوب فيه.

العقبة الثالثة: اختيار مكان الدراسة – في أغلب الأحيان لا يكون للجامعة المرغوب فيها  فرعاً في مسقط رأس الطالب أو أن القسم الدراسي الذي يرغب الطالب في الالتحاق به ليس متاح بالجامعة الموجودة في مسقط رأسه. في هذه الحالة ينسى الطالب لفترة غرضه الأساسي وينشغل فقط بـ "البحث عن مسكن"!

العقبة الرابعة: الجنسية المصرية! يمكن تجاهل كل ما قد ذكرته للتو لأن "الطالب المصري" و"اختيار الدراسة" معاً ينتج عنهما سيناريوهان لا ثالث لهما:
 
السيناريو الأول: يلتحق الطالب بمدرسة حكومية فتتحول حياته بأكملها – بدون مبالغة – لتصبح امتحانات الثانوية العامة هي محورها. ففي أنثاء النهار يذهب الطالب إلى الدروس الخصوصية (ليس إلى المدرسة) وبالليل يذاكر كُتباً كاملة ويحفظها عن ظهر قلب. لماذا؟ يريد الطالب الالتحاق بكلية الطب، على الرغم من أن الطب ليست وظيفة أحلامه. كان يتمنى  الطالب في الحقيقة أن يدرس الفنون ولكن والديه الكرام وكذلك اخوته وأقاربه وأشخاص آخرون غير معروفين بالنسبة له قد أقنعوه بدراسة الطب. "لن تتقدم شيئاً لو درست الفن، علماً بأن الطب سيوفر لك وظيفة مضمونة. حتى وإن لم تجد وظيفة فلقب "دكتور" يكفي تماماً!" كلمات كثيراً ما تتردد لتجعل الطالب يشعر بأن لم يعد له حق الاختيار. بعد مرور سنة (بالإضافة إلى إجازة الصيف للصف الدراسي الحادي عشر بالمدرسة، الثانية ثانوي) من ليالٍ بلا نوم وغياب الحياة الاجتماعية والشخصية، والمئات إن لم تكن الآلاف من الجنيهات المصروفة على المدرسين الخصوصيين يمكن أخيراً بمجموع ٩٨,٢٩ بالمئة (لعام ٢٠١٥) الالتحاق بكلية الطب. "أخيراً يمكنني الجلوس على الدكك شبه المكسورة إذا وجدت مكاناً، وكذلك الجلوس في قاعات المحاضرات غير المكيفة التي يجلس فيها ٥٠٠ طالب وطالبة. والانتظار طويلاً بعد بدء المحاضرة حتى يحضر الأستاذ الجامعي إذا لم يلغي المحاضرة، كما يمكنني أخيراً الذهاب مجدداً إلى الدورات الخاصة لأنني لاأفهم  إلى القليل وغالباً طرح الأسئلة غير مسموح به أثناء المحاضرة، كل ذلك بالرغم من أنه من المفترض  أنني سوف أؤتمن على أرواح البشر فيما بعد!"، هذه هي شكوى نورهان أحمد الطالبة بكلية الطب جامعة الاسكندرية.

السيناريو الثاني:

يلتحق الطالب بمدرسة أجنبية خاصة، مما يشير إلى المستوى المادي الميسر لأسرته فيبقى أمامه خيارين إضافيين بعد التخرج من المدرسة: الالتحاق بجامعة خاصة أو الدراسة بالخارج. إليكم بمثال حي: تَكوَن فصلي في مدرسة ألمانية خاصة بالأسكندرية من ٢٦ فتاة، ١٥ يدرسن حالياً في الخارج ( تكون في الغالب بلد المقصد الرئيسي ألمانيا)، و٧ يدرسن في جامعات خاصة أو في أقسام خاصة (في الجامعات الحكومية) و٤ في الجامعات الحكومية. أكثر من نصف الفصل أراد الابتعاد تماماً عن النظام التعليمي المصري وفضل في المقابل عدم الدراسة في مصر وفي المقابل مواجهة مشاكل وصعوبات كثيرة مثل الحنين إلى الوطن والضغوط المرتبطة بفترة التكيف في البلد الجديد مع الناس والأماكن والثقافة والتكاليف الباهظة وانخفاض قيمة الجنيه المصري. وهذا واقع يعكس أشياء وأمور كثيرة. أوضحت نور عمرو وهي تدرس العلاقات الدولية في جامعة دريسدن التقنية (ألمانيا) قائلة: "اضطررت مغادرة بلدي من أجل الدراسة التي أحبها والتي تتسناسب مع اهتماماتي والتي أنوي العمل بها وكسب المال منها فيما بعد. في الغالب يُستهان في مصر بدراسة علم الإنسانيات." والجدير بالذكر أيضاً أنه في السابق عندما كانت الجامعات الخاصة وكذلك الأقسام الخاصة في بدايتها كانت أغلبية من يلتحق بها الطلبة الضعاف دراسياً (أصحاب الدرجات السيئة في المدرسة) فكانوا مضطرون لسلك هذا الطريق الدراسي  المُكلِف، فلم يكن أمامهم خيارات أخرى لأن مجموعهم الضعيف لم يسمح لهم بالالتحاق بالجامعات الحكومية. ولكن اليوم الوضع مختلف. فيختار الطلبة
أصحاب المجموع العال في امتحانات التخرج من المدرسة الالتحاق بالجامعات الخاصة. وتستغل إدارة الجامعات الخاصة هذا الوضع لصالحها وتقوم بزيادة المصاريف بشكل مستمر. تروي سارا نادر، طالبة العلوم الاقتصادية بالجامعة الأمريكية في القاهرة الآتي:

"بالرغم من المصاريف الباهظة (التي تبلغ حالياً ٦٠ ألف جيهاً مصرياً للفصل الدراسي الواحد) إلا أن اختياري وقع على الجامعة الأمريكية لاتباعها المنهج التعليمي المعروف باسم "الفنون المتحررة" ("liberal arts education"). لطالب الجامعة الأمريكية حرية الجمع بين المواد الأساسية والمواد الفرعية في المجالات المختلفة مادام التزم الطالب بالحد الأدنى للدورات في الفصل الدراسي الواحد. مادتي الأساسية هي العلوم المالية والمادتان الفرعيتان هما علم النفس والاقتصاد. اعتبر هذه المرونة المُميزة في الجمع بين المواد أمراً ضرورياً للإثراء الفكري."

لقد بات من الواضح أن الجهد المُعتاد والمعروف في اختيار الدراسة الجامعية ووضع التعليم في مصر أمران منفصلان تماماً. وفي النهاية يجب علينا نحن الشباب أن نقدم التضحيات. لم يعد الأمر بالنسبة لنا اختيار الدراسة الجامعية فحسب بل علينا الاختيار بين ثلاثة عوامل لم يعد من الممكن الجمع بينهما وهم: "الوطن"، و"التعليم (الجيد)" و"المادة".