محمد رشاد نحن أبناء ماضينا والسينما لغة إنسانية متجاوزة للحدود وللزمن

محمد رشاد
محمد رشاد | ©Goethe-Institut Kairo/Hasan Amin


في فيلمه التسجيلي الأول "النسور الصغيرة" يخوض المخرج  محمد رشاد رحلة تجمع ما بين الحاضر والماضي، ويتنقل عبرها بين مدينتي القاهرة والإسكندرية طارحًا العديد من الأسئلة عن علاقة الفرد بمجتمعه ومدينته وتاريخه وعائلته، أسئلة  تنطلق من مساحة خاصة جدًا لتفتح أُفق واسع وتتحول لمساحة مجتمعية كبيرة تضعنا أمام سردية تاريخية مغايرة ترصد التغيرات الكبيرة التي عاشها المجتمع المصري في النصف قرن الماضية.

 
تدور قصة الفيلم حول شخصية محمد؛ ابن العامل البسيط، المقيم في الإسكندرية، والحالم بالإنتقال والعيش في القاهرة، ليصبح صانع أفلام. يتعرّف محمد بعد وصوله للقاهرة على سلمى وبسام، وأسرتهم  التي تنتمي للتيار اليساري ولديهم تاريخ طويل من النضال، ومن هنا  يبدأ البحث في حياة والده لعله يجد في تاريخه شيئاً مثيراً يستطيع أن يحكيه، مقارناً حياة والده التي قضاها في العمل، من أجل كسب قوته، وتربية أبنائه، مع حياة والدي صديقيه.
 
عن رحلته مع فيلم "النسور الصغيرة" حاورنا المخرج محمد رشاد وإلى نص الحوار.
 
 
"النسور الصغيرة" عنوان يحمل قدر من الخيال ويطرح تساؤلات وتوقعات عديدة ومتنوعة كيف تم اختيار هذا العنوان ولماذا قررت أن يكون الفيلم تسجليًا وليس روائيًا؟
 
النسور الصغيرة جاء بالأساس من إسم الجمعية التي كانت فكرة الفيلم في البداية تتمحور حولها، وهي جمعية تأسست في مصر في بداية الثمانينات من القرن الماضي، تُعد فرع لجمعية أخرى مقرها في السويد، وكانت هذه الجمعية ملتقى لأولاد جيل يسار السبعينات، الذين بحكم التربية وعلاقاتهم مع أهاليهم ورثوا الأفكار اليسارية عنهم،  ورغم أن الجمعية ليست هى المحور الرئيسي للفيلم إلا أن إختيار إسم "النسور الصغيرة" كعنوان للفيلم جاء كرمز لحياة وتاريخ هذا الجيل.
 
وقرار أن يكون الفيلم تسجيليًا أو روائيًا يأتي من خلال الموضوع والشخصيات؛ ففي فيلم النسور الصغيرة كنت أحكي عن شخصيات حقيقية، تحمل دراما واقعية وحقيقية، وهم بالفعل شخصيات حولي في الحياة ولذلك؛ فالاختيار المنطقي كان أن أقوم بالتعامل مع تلك لشخصيات في الواقع، وبالمناسبة هي أول تحربة إخراجية أتعامل فيها  مع فيلم التسجيلي.
 

السفر والترحال محور رئيسي في فيلمك برأيك إلى أي مدى يمنحنا السفر والانتقال لمكان مغاير فرصة لرؤية الحياة بشكل مغاير وإعادة إكتشاف ذواتنا والعالم؟  

السفر تجربة حياتية، يمكن تستفيد منها أو تستمتع، ولكن بشكل خاص في الفيلم السفر كان حلم خاص وتجربة فريدة؛ فالانتقال من الإسكندرية للقاهرة، كان بمثابة الحلم الذي كنت أظن أنه بمجرد تحققه سوف تحل كل مشاكلي وأزماتي، عبر الهروب من الضيق وندرة الفرص في مدينة صغيرة نسبيًا كالإسكندرية، وبالفعل سفري إلى  القاهرة غير شخصيتي وجعلني أكثر ثقة في نفسي، وهذا ما أعبر عنه بشكل ما في أحداث الفيلم، ولكن بعد فترة تبدأ في اكتشاف الحنين لكل ما كنت تضيق به في مكانك الأصلي وهو الاسكندرية؛ فتجد نفسك تعود محملًأ بتجربة السفر وآثارها في نفسك سواء إيجابيًا أو سلبيًا.
 

الزمن وتغيراته والتداخل بين الماضي والحاضر حاضران بقوة في فيلمك كيف تتعامل مع سؤال الزمن والتاريخ الشخصي والجماعي؟
 
هذا هو المحور الأساسي الذي يتعامل معه الفيلم؛ فالعلاقة بين الماضي والحاضر، كانت أكثر هاجس يشغلني أثناء إعداد الفيلم، لأننا نعيش حاضرًا معقدَا جدًا، وقد يكون الحل هو أن نقوم بتحليل الماضي لنجد إجابات أو على الأقل لنطرح أسئلة مختلفة، هذا على نطاق الوضع العام، أما على نطاق الشأن الشخصي وهو ما يتلامس أيضًا مع الوضع العام، أردت أن أؤكد على فكرة أننا من الممكن أن نلوم عائلتنا، ونتهم بالفشل أو بأي شكل، ولكن هل نحن مستعدين لمواجهة فشلنا نحن أو على الأقل هل مستعدين لليوم الذي يأتي جيل آخر ويتهمنا بالفشل.

وبالنسبة للتعامل مع التاريخ الشخصي والجماعي فأنا أراهما متقاربين للغاية؛ فالشخص هو نتاج لما يدور حوله، من أحداث سياسية واجتماعية، وبالتالي؛ فالشخصي غير مفصول أبدا عن الجماعي.
 





هناك مخرجون يعملون بدقة مطلقة ويخططون كل شىء قبل التصوير وهناك مخرجون آخرون يفضلون أن يتركوا مساحة "للصدفة" وما يمكن أن تمنحه من مشاهد وأحداث غير متوقعة، ما الطريقة التي تفضلها؟
 
في الأفلام الروائية أفضل التخطيط الجيد والدقيق، أما في التعامل مع  الأفلام التسجيلية فليس أمامك إختيار إلا أن تترك مساحة لما تحمله لك الصدفة، فالتخطيط أيضا مطلوب ومهم ولكن في التسجيلي صعب للغاية، أن تسيطر على الوضع، فدائما هناك عوامل غير متحكم بها وفي رأيي هذا أجمل ما في التسجيلي.
 

 شارك فيلمك في العديد من المهرجانات من ضمنها مهرجان برلين للفيلم العربي ومهرجان دبي كيف وجدت ردود أفعال جمهور من ثقافات متنوعة على عملك ؟
 
لكل جمهور نظرته الخاصة للفيلم على حسب معرفته بالجزء السياسي والاجتماعي في مصر، وهذا شيء نسبي، ولكن الجميل أن الجمهور على مختلف ثقافاته أوجنسياته تعامل مع الجزء الشخصي وهي علاقة الابن بالأب بحساسية شديدة، لأنها علاقة إنسانية لا تستطيع حصرها في ثقافة معينة، هي شيء مشترك بين البشر بشكل عام، ولهذا انا منحاز للأفكار الإنسانية في الافلام، وأعتقد أن أي فيلم مهما كان نوعه أو تصنيفه، ضروري أن يحمل شيئًا إنسانيًا يستطيع أن يلمس الناس على اختلافهم.
 

 
 
محمد رشاد  من مواليد مدينة الإسكندرية عام ١٩٨٠، درس الإخراج السنيمائي في مدرسة السينما  بمركز الجزويت الثقافي بالتعاون مع جماعة سيمات, قام بكتابة وإخراج فيلمين روائيين قصيرين "من بعيد" و"مكسيم"، عمل كمساعد مخرج في العديد من الأفلام القصيرة والطويلة من ضمنهم فيلم  "الخروج للنهار" للمخرجة هالة لطفي،  وهو واحد من مؤسسي شركة حصالة  للإنتاج السينمائي، و يقوم حاليًا بتطوير فيلمه الروائي الطويل الأول.