علم الاجتماع وإحياء الذكرى التَذكر دائماً ما يعني أيضاً النسيان

وُضِع حجر العثرة في التراب ليكون بمثابة لوحات تذكارية تُذكرنا بالذين قُتلوا في العهد النازي
وُضِع حجر العثرة في التراب ليكون بمثابة لوحات تذكارية تُذكرنا بالذين قُتلوا في العهد النازي | الصورة: حقوق النشر/هنيدريك شميت

عن "دراسات الذاكرة" وحدود الذاكرة – نهجٌ جديد لأبحاث التذكر في مجال علم الاجتماع.
 

كيف نتذكر؟ كيف تتكون الذاكرة الجمعية؟ ما الدور الذي يلعبه النسيان؟ لم يعطي علم الاجتماع حول موضوع الذاكرة إلا دفعة بسيطة مستدامة على الرغم من أنه يضم في صفوفه العالم الفرنسي موريس هالبواكس الذي عاش وعمل في برلين والذي يعد من الكلاسيكيين في أبحاث الذاكرة في مجال العلوم الاجتماعية والثقافية. و مع وفاة هالبواكس في معسكر الاعتقال في المدينة الألمانية بوخنفالد عام 1954 توقف التفكير في مجال علم الاجتماع في العلاقة بالماضي من الناحية الاجتماعية.

 ربما يرجع ذلك إلى الموقف الأساسي لعالمي الاجتماع في نهاية القرن التاسع عشر والذي اعتمد على أن النظريات الاجتماعية الحديثة كما نجدها لدى ماكس فيبر وكارل ماركس تعكس بالظبط تركيزهم على الحاضر والمستقبل المحتمل. التذكر والذاكرة كلاهما يظهران في صورة الماضي المتوارث والتقليد مما يعد أمراً مُدهشاً في الوقت الذي تمارس فيه دول القومية الحديثة عمليات مكثفة بغرض رعاية التذكر وإحياء الذكرى. ومع ذلك فإن التفكير في التذكر الجمعي والسياسي كان في المقام الأول من اختصاص علم التاريخ، وهو أمر لابد من تغييره. 

دقيقة الحداد كمكان للذاكرة

ومع نهاية القرن العشرين انتهت مرحلة الزهد
في مجال علم الاجتماع والدراسات الثقافية. وقد  تطور مجال البحث في "دراسات الذاكرة" نتيجة لاحتضار جيلاً من شهود عيان الحرب العالمية الثانية وأيضاً التغلغل المُتزايد لوسائل الإعلام في مجال التذكرالفردي والمشترك وكذلك في ظل وجود وسائل جديدة للتخزين الرقمي للمعلومات. التقط منهج البحث متعدد المجالات هذا ظواهر التذكر على وجه التحديد ليصفها ويفحصها ويُصنفها. وعُرِف على سبيل المثال مُصطلح مواطن أو أماكن الذاكرة على أيد المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع بيير نورا الذي أدخًل وعَرَف هذا المفهوم ليصف من خلاله جميع الأماكن التي تربط المجتمعات الحديثة بها مرساة التذكر المشتركة بينها (الذكريات)، ولا يتقتصر هذا المفهوم على المعنى الضيق  للمكان ليشمل النصب التذكارية والأماكن التاريخية فحسب بل أيضاً دقائق الحداد والأناشيد والاحتفالات والطقوس والشعائر المُرتبطة بالماضي.

وقد اتجهت أبحاث الذاكرة في مجال علم الاجتماع فيما بعد - إلى جانب الذكرى العامة للحقبة النازية - إلى القضايا التي تهتم بالذاكرة الاجتماعية المُتعلقة بالعائلة والعلوم والجسد والمُنظمات والإنترنت. ويُوحِد هذه المناهج جميعاً اليقين بأنه لا يتسنى فهم الحاضر ولايُسمَح بالتصرفات المُتطلعة إلى المستقبل دون الربط المُجدي بالماضي.

التذكر من منظور خاص 

يُمكن الاستعانة بالطريقة التي يرسم بها طلاب وطالبات المدارس صورة للماضي النازي كمثال لتوضيح الآتي: يُضاف إلى المعلومات "الجافة" الموجودة في كتب التاريخ ذكريات مُعدة إعلامياً من مسلسلات وأفلام وكذلك حكايات موروثة عن العائلات ومعلومات جُمعت من خلال زيارة المتاحف والنصب التذكارية.

ومن خلال مجموعة متنوعة من المصادر والكليشيهات التي تحتوي في حد ذاتها على رؤيتها الخاصة للماضي والتي هي نفسها نتيجة لعمليات البناء الاجتماعي، تنشأ للطلاب صورة واضحة ومفهومة عن الماضي. هذه الصورة والتكوين الخاص بها لايقتصر فقط على درس التاريخ في المدرسة بل تُدمج ضمن الإدراك المُستقبلي للطالب وهويته وكونه عضواً في عائلة كان الجد فيها إما نازياً أو لا أو تابع لحزب سياسي مُعين ومواطن في جمهورية ألمانيا الاتحادية.

ومما لاشك فيه أن الشيء الذي يُتذكر يخضع إلى عملية انتقاء، ويتمثل هذا التمييز في أن بعض الأمور يتذكرها الفرد من وجهة نظهره الخاصة من منظور مُعين يخضع لإطار اجتماعي مُحدد، ولكن هناك أشياء أخرى لا يتذكرها الفرد.

وبذلك تظهر وظيفة الجانب الآخر المفترض للتذكر والنسيان بشكل واضح. فدائماً ما تكون الذكريات مُحاطة بالأشياء المنسية ولايُمكن تصورها دونها، فمن الواضح أن هذا يحدث في المكان الذي يجب أن تحدث فيه عملية التذكر حتى لاتُترك الأحداث للنسيان. وتنبع الرغبة في التذكر في هذه الحالة من معرفة أن ثمة شيء من الممكن فقدانه بلا رجعة. وفي نفس الوقت لايمكن تذكر كل شيء، وليس المقصود بذلك أن جميع الأحداث متساوية في أهميتها فقط بل أيضاً أن التذكر نفسه بكل بساطة لايُمكنه مراعاة جميع التفاصيل الخاصة بحدث ما وبذلك يضطر الفرد إلى النسيان. إذا تذكرنا كل شيء بنفس القدر من الأهمية وبشكل تفصيلي دقيق – على أساس الذاكرة الصارمة التي وصفها الكاتب الأرجنتيني يورججه لويس بورجس - لأصبحنا عاجزين عن التصرف.