فنانين من برلين "خيال الظل"

خيال الظل
© Birgit Auf der Lauer & Caspar Pauli

ثنائي من برلين قوم بتطويرالعروض والإعدادت وأحياناً الصيغ ثنائية الأبعاد. يلهم حي نويكولن ببرلين بثقافاته المتعددة كاسبر وبيرجيت للانطلاق في رحلات بحثية، أحيانًا تكون هذه الرحلات في مدن أو بلاد أخرى وأحيانًا تكون على بعد بضعة أمتار فقط من شارعهما. وبعد محادثات تمتد لساعات وأيام مع أشخاص يتحدثون عن ماضيهم وعقيدتهم وتحولهم ورحلاتهم، نقوم بالتسكع والتصفح في الأرشيف والمحفوظات لتطوير وتصميم أعمال فنية – ربما من أجل جمهور لايستطيع القيام بمثل هذه الرحلات.
 

متى ولماذا قررتم الذهاب إلى القاهرة (ما الذي أردتم بحثه واستكشافه)؟

أتينا في شهري مارس/آذار وابريل/نيسان إلى القاهرة لمدة ٣٠ يوماً بالظبط.

كان اهتمامنا بفن خيال الظل هو السبب في مجيئنا إلى القاهرة، فقد قُمنا في العام الماضي بعمل مسرح لخيال الظل، والذي يُمكن من خلاله رؤية خرائط مُقطَعة توضح وتُظهر الطرق والمسارات إلى ألمانيا، ومُعظم هذه الخرائط قد حصلنا عليها من أصدقاء حميمين من مناطق كردية ومن دول عربية وكذلك من مُهربين قد التقينا بهم عام  ٢٠١٤ على الحدود اليونانية التركية. كما أُلحقَت بنا فكرة شغلتنا وهي أن مسارات الاستعمار والتي امتدت في الماضي من الشمال إلى الجنوب قد تغيرت، الأمر الذي يمكن مُلاحظته من خلال الحركة الكبيرة التي أخذها الناس على عاتقهم لكي يتمكنوا من العيش في أوروبا. الاستعمار؟ في السابق قام الحكام المُستعمرين بمنع فن خيال الظل في المناطق التابعة لهم، كما قام آخرون في الوقت نفسه من هذه الفترة بإحضار خيال الظل إلى أوروبا ليصبح شكلاً مُختلفاً وعجيباً من أشكال الثقافة، حيث عُرض في متحف.

نحن لانهتم بالمحتويات والنقاشات الاجتماعية فحسب، بل نهمتم أيضاً بالشكل الفني.

وقعت في أيدينا تقاريرعن فن خيال الظل في مصر، والذي يرجع إلى الفترة ما قبل العصر العثماني. وهناك شخصية قد اضطرت إلى مغادرة موطنها الأصلي (الموصل) وهذه الشخصية اليوم من أهم مُمثلي فن خيال الظل في مصر – والحديث هنا عن شخصية ابن دانيال الذي عاش في القرن الثالث عشر.
 
ماذا عن مشروع خيال الظل وما هو الهدف منه؟

كنا نرغب في الأساس أن نرى بأنفسنا عروضاً لخيال الظل وأن نتعلم من خلالها كيف تتداخل الرؤية والأداء واللغة بعضهم داخل بعض.

خيال الظل © بولي
فصحيح أننا نصنع خيال الظل بأنفسنا، ولكن العمل دائماً ما يفتقر إلى وجود الإنسان، أي الأداء الحي داخل العرض. ومن أجل أن نستشعر كيف يعمل مُمثلو خيال الظل كمؤديين ورواة ومُخرجين، فقد أردنا أن نرى ما هو جديد وما الذي يُمكننا مواصلة تعلمه والتعرف عليه في القاهرة.
 

  • خيال الظل © كاسبر & بيرجيت
  • خيال الظل © كاسبر & بيرجيت
  • خيال الظل © كاسبر & بيرجيت


اتيحت لنا الفرصة أن نكتشف ونتعرف على الكثير، ولكننا لم نستطع مشاهدة حتى عرضاً واحداً فقط من العروض التي تحتفظ بالشكل القديم لفن خيال الظل أو تلك التي على الأقل نُقلت إلى الحاضر الذي نعيشه. اثنان من آخر مؤدين خيال الظل واللذان ينتميان إلى "المدرسة القديمة" قد عملا سوياً مع فرقة "الورشة" المسرحية لحسن الجريتلي في الثمانينيات والتسعينيات. ولكن كلاهما قد رحل عن عالمنا.

هناك بالطبع أنواع مُعاصرة من خيال الظل، ولكن الشكل القديم كان نوعاً خاصاً بقواعده الخاصة ولغة أشكاله وإرادته ورغبته في العصيان (حيال الأخلاق الاجتماعية، والحاكم وإلخ. )

لقد تعرفنا بالفعل على المزيد حول زوال هذا الشكل من الفن وزواله يعد عملية بطيئة. أما اللقاءات مع الفنانين ومجهوداتهم من أجل إدخال أشكالاً خاصة وأدوات ووسائط جديدة إلى خيال الظل أو مسرح العرائس، قد تركت أثراً كبيراً. ولكن السؤال المُهم الذي يُطرح هنا هو: ما هي القصص التي يُمكن أن نرويها اليوم في سياق حاضر مُحزن سياسياً؟ وذلك لأن خيال الظل في واقع الأمر يمثل شكلاً من أشكال السرد الفني المُخصص لجمهور الكبار.

هل يمكنكم أن تحكوا لنا قصة أشكال خيال الظل (شخصيات مسرح خيال الظل) في مصر؟

أوفففف، هذا سؤال صعب ولانستطيع الإجابة عليه. هناك عالمة ماهرة ودقيقة للغاية تهتم بهذا الشأن وهي د. هدى عيسى. وقد سبق أنها كتبت نصاً للجمعية الجغرافية (Societe Geographique)، واكتشفت أنه في أوساط نقابات الحرفيين في القاهرة في العصور الوسطى، أن خيال الظل كان له وجود حينذاك وكان يُعتبر صورة رفيعة و روحانية من صور الترفيه. وكان من الضروري توفر مهارات وقدرات مُختلفة من أجل بناء وتصميم مسرح خيال الظل، حيث كان النساج مسئول عن شاشة العرض، والنجار لتصميم خشبة المسرح، وصانع السرج لتجهيز الجلود، لأن الأشكال الأولى كانت تتكون من جلود الحمير والجمال المصبوغة والرقيقة للغاية، وبعض الأجزاء المُنفردة أيضاً من جلد السمك الرقيق للغاية. وكانت إذن صناعة الأشكال مهنة خاصة مُستقلة بذاتها.

قام السلطان العُثماني سليم الأول في بداية القرن السادس عشر بغزو مصر، وكان مولعاً بخيال الظل في القاهرة، الأمر الذي كان سبباً في استحضار حوالي ٢٠٠ من مؤدين خيال الظل مع مجموعة من أفضل الحرفيين في القاهرة وإرسالهم إلى اسطنبول. من ناحية أخرى أدى ذلك إلى ركود هذه الصورة من صور الفن ومعها الحرفة اليدوية في القاهرة. كَتب ميتين آند أن هؤلاء المؤدين (ربما) هم الذين أدخلوا فن خيال الظل إلى تركيا.

الورشة جويلي © بولي
وبصورة عامة يُمكن القول أن تطور خيال الظل على مدى القرون كان (ويظل) مرتبطاً ومتعلقاً بالمصالح السياسية للأقوى. وقد سبق أن هذا الفن قد خضغ للرقابة بسبب رغبة الحكام السياسيين على مدى التاريخ اجتذاب الأوساط المُتشددة دينياً نحوهم وبالتالي مُمارسة سياسة المُراقبة لصالحهما، أو كان عليهم كسب واجتذاب القوى الليبرالية للمجتمع في القاهرة حينذاك من أجل توسيع السلطة السياسية الخاصة بهم. كما تعرضت أيضاً الفنون في أوروبا لمحاولات مُماثلة للصراع على السلطة.

كما أن هناك عامل آخر كان بالتأكيد سبباً في تطور فن خيال الظل وهو إقصاءه وكبته بسبب وسائل الإعلام الجديدة والسينما والتلفزيون وأيضاً الرقابة على الفضاء العام. فقد سمعنا على سبيل المثال عن مطاردة الشرطة لمؤدين خيال الظل في شوارع القاهرة عقب الثورة في الخمسينيات بوقت قصير من أجل منع الحشود الكبيرة.

نحن نعرف أنه هناك حوالي ٥٠ شكلاً من أشكال خيال الظل التي قام باول كاله بشرائها من شخص متيسر الحال منذ ١٠٠ عاماً في المنزلة. ويمكن العثور على الصور الرقمية لهذه الأشكال على شبكة الإنترنت، وهي تعد حتى يومنا هذا إشارة وحيدة كيف كانت الأشكال المصرية تُصَمم في الماضي. وقد قام كاله بأخذ جميع هذه الأشكال إلى ألمانيا وتوزيعها هناك على المؤسسات المُختلفة في جميع أرجاء البلاد. بعضها قد اختفى كلياً. لم يكن لدينا الوقت الكافي في القاهرة لكي نجد بعضها بأنفسنا، إلا أن هناك أيضاً بعض القصص التي تنقص ليكتمل اللغز.
 
كيف يستمر المشروع، وكيف  يبدوالمستقبل؟

نرغب في تعقب مسار فن خيال الظل في تركيا وراء السلطان العثماني. وسيتبين فيما بعد كيف ومتى. بالإضافة إلى ذلك يعد العمل مع الفنانين في مصر أمراً عظيماً، وكذلك التفنن في وضع التصميمات والخطط والقصص وأيضاً الآلات لمسرح خيال الظل المُعاصر. ومن المحتمل أن تسافر إعدادتنا لمسرح خيال الظل العام القادم إلى النرويج ورومانيا، ولكن الأفضل في الحقيقة هو القيام برحلة أخرى إلى مصر أو إلى القاهرة بالأخص.

نشكر ندى سبته جزيلاً، هي الذي جعلت بحثنا ممكناً