إعادة اكتشاف للمدينة "مسارات الإسكندرية"

Alexandria Artikel
© نورهان عبد اللطيف

السير في مدينة الإسكندرية، وتحديدًا منطقة وسط المدينة، يفتح أبوابًا عديدة للعبور لأزمنة مختلفة من عمر المدينة الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بصورة تبدو الإسكندرية وكأنها ليست مدينة واحدة، بل مزيج من مدن وحضارات وثقافات متنوعة.

تتكون منطقة وسط المدينة من مجموعة من الشوارع الطولية والعرضية المتقاطعة، ويمر عبرها خط الترام القديم، ليصل بين حى المنشية التجاري، وحي بحري القريب من الميناء، وفي المنطقة الممتدة بينهما، توجد العديد من المساجد والكنائس وبعض الآثار اليونانية القديمة.

Alexandria Artikel © نورهان عبد اللطيف المدينة التي أسسها الإسكندر الأكبر لتكون عاصمة لإمبراطوريته، شهدت تغيرات كبيرة في تخطيطها ومعمارها وتركيبتها السكانية على مدار تاريخها الممتد لأكثر من ألفي عام، وفي العصر الحديث وتحديدًا في منتصف القرن التاسع عشر أُعيد تخطيط المدينة من جديد، وأصبحت ملاذًا للعديد من الجاليات الأوروبية من اليونانيين والأرمن والفرنسيين، واشتهرت بوصفها مدينة "كوزموبوليتانية"، لكن مع منتصف القرن العشرين هاجرت معظم الجاليات الأوروبية، تاركة خلفها إرث معماري متنوع، بالإضافة للعديد من الكتابات والأعمال الأدبية والفنية الفريدة التي تؤرخ للمدينة.

مسارات متجددة

الشاعر والروائي علاء خالد أحد أبرز المبدعين الشغوفين بالسير في شوارع الإسكندرية وإعادة اكتشاف طبقات تاريخها المتراكمة. على مدار أكثر من عشرين عام، لم يتوقف صاحب كتاب "وجوه سكندرية" عن خوض مسارات متنوعة داخل المدينة، أحيانًا متتبعًا الترام ومحطاته والأحياء التي يعبرها، وأحيانًا أخرى متتبعًا تاريخ  ونشأة وتطور الشوارع الكبرى في المدينة كشارع فؤاد أو شارع السبع بنات، مستعينًا ببعض الكتب الأدبية والتاريخية التي كانت تصف حياة المدينة في العصور السابقة.

 يرافق علاء خالد في مساراته أعضاء ورشة الكتابة التي يشرف عليها، وهى فعالية سنوية يشارك فيها عدد من الكتاب والفنانين الشباب. لا تُركز الورشة على التدريب على تقنيات الكتابة الأدبية فقط، ولكن تسعى لاكتشاف المدينة وتاريخها، وفهم التغيرات الكبيرة التي تعيشها المدينة سواء على المستوى المعماري أو التركيبة السكانية وكذلك هوية المدينة.

علاء خالد علاء خالد | © نورهان عبد اللطيف يشير علاء خالد إلى أن السير في شوارع الإسكندرية وإعادة اكتشاف تاريخها، يواكبه مسار داخلي يتعرف فيه الإنسان على ذاته، ويكتشف تجارب وحيوات متنوعة لبشر وأماكن شكلت تاريخ المدينة وهويتها وخصوصيتها، وما تزال حتى اليوم مصدر إلهام للأجيال الجديدة.

من جانبها  تقول ميرهان مرزوق إحدى الكاتبات المشاركات في المسار: "السير في الشوارع والأحياء القديمة، يحفز الخيال والكتابة، عبر تأمل نمط حياة العديد من الأسر السكندرية، وتفاصيل البيوت القديمة والشوارع والمقاهي، أماكن النزهة والخروجات وشاطىء البحر، التجمعات العائلية والشعور بالونس والدفء في هذه الأحياء القديمة".

الطريق الكانوبي

Alexandria Artikel © نورهان عبد اللطيف شارع فؤاد أو "الطريق الكانوبي" كما كان يطلق عليه قديمًا، أحد أقدم شوارع مدينة الإسكندرية، يشتهر بوجود عدد كبير من  المباني ذات الطراز المعماري اليوناني والإيطالي، التي يعود تاريخها لمنتصف القرن التاسع عشر، كما يحتوى الشارع على عدد من المسارح ودور السينما، بالإضافة لعشرات من المطاعم ومحلات الملابس.

يعود تاريخ الشارع لبدايات نشأة الإسكندرية، وكان يتميز بوجود العديد من المعابد اليونانية، وسلسلة من الأعمدة الرخامية من بدايته وحتى نهايته، وفي العصور الحديثة سمى الشارع بإسم الملك فؤاد أحد حكام مصر في بدايات القرن العشرين، في منتصف الشارع توجد دار الأوبرا التي بناها المعماري الفرنسي جورج بارك، كما يحتوي الشارع على مقر المتحف القومي للإسكندرية ويضم مجموعة كبيرة من الآثار المتنوعة، تمثل معظم العصور والمراحل التاريخية التي مرت على المدينة منذ تأسيسها.

مدينة كوزموبوليتانية

"المسارات داخل المدينة يصاحبها غالبًا  قراءة لنصوص أدبية قديمة، نتتبع من خلالها التغيرات التي حدثت في المدينة، وفي أحيانًا أخرى نصطحب دليل من المنطقة، نتعرف من خلاله على تاريخ الشوارع والبيوت". يقول علاء خالد موضحًا أن هذه المسارات تكشف تحولات المدينة من زمن لآخر، وأبرز الاختلافات الثقافية والاجتماعية التي حدثت للمدينة، وتساعد على فهم موقعنا وسط هذه التغيرات المتلاحقة  بسرعة هائلة.

Alexandria Artikel © نورهان عبد اللطيف
وحول اختيار منطقة وسط المدينة وميدان المنشية تحديدًا كنقطة إنطلاق للمسارات يضيف علاء خالد:"ميدان المنشية مركز المدينة الرئيسي، وله رمزية خاصة بوصفه شاهد على أحداث وتحولات كبيرة في كافة مراحل تاريخ المدينة، والشوارع المحيطة بالميدان كانت تعيش فيها معظم الجاليات الأجنبية خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث صورة وذاكرة الإسكندرية الكوزموبوليتانية، المدينة المنفتحة على الآخر ورمز التسامح والتعددية الثقافية".

شارع السبع بنات

في العشرين عامًا الماضية تغيرت كثيرًا الإسكندرية، تضاعف عدد سكان المدينة، هدمت الكثير من المباني القديمة ذات التصميم المميز، وانتشر البناء العشوائي والمباني شاهقة الإرتفاع، نشأت العديد من الأحياء الجديدة المكتظة بالسكان، في هذا السياق يشير الروائي علاء خالد إلى أن شارع "السبع بنات" كان مقرًا للجاليات الأرمنية والإيطالية، ويوجد فيه العديد من الكنائس القديمة، كما كان مركزًا لصناعة البسطرمة، والمطابع وتجارة الورق.

Alexandria Artikel © © ساره يونس
ويضيف:"شهد الشارع  والمناطق المحيطة به تغيرات كبيرة؛ فسينما وداد أحد علامات الشارع المميزة، تم بناء عمارة ضخمة مكانها، النشاط التجاري المتنوع للشارع تغير أيضًا، ومخازن القطن التي كانت قريبة من الميناء تلاشت، لكن ما تزال التعددية الدينية المميزة للمنطقة حاضرة بقوة في المساجد التاريخية مثل مسجد نظير أغا، بالإضافة لكنيسة سانت ريتا القديسة شفيعة المستحيلات".

كوم الناضورة

واحدة من أكثر الآثار المميزة في المنطقة المحيطة بشارع السبع بنات هى "كوم الناضورة" وهى عبارة عن تل مرتفع يطل على ميناء الإسكندرية، ويحيط به مجموعة من الآثار اليونانية والإسلامية، ويتوسطها برج آثري يتكون من أربعة طوابق يربط بينها سلم حلزوني من الخشب، ويتميز البرج بزخارفه الهندسية المميزة، ويعلوه شرفة كانت تستخدم قديمًا لمراقبة السفن وإرشادها.

Alexandria Artikel © ساره يونس
 يتميز كوم الناضروة كذلك بوجود مرصد لحركة النجوم والكواكب تم إنشاءه في منتصف القرن التاسع عشر،  كما تضم المنطقة جزءا من سور المدينة القديمة، بالإضافة إلى جزء من بوابة تعرف باسم (باب الخوخة)، أي الباب الصغير، وتعود إلى العصر الإسلامي، كما تضم منطقة كوم الناضورة عدد كبير من الصهاريج التي كانت تستخدم في تخزين مياه الأمطار في العصور القديمة.
           
* مسارات المدينة أحد فعاليات ورشة "أمكنة" للكتابة بالتعاون مع مركز الجزويت الثقافي. أقيمت الورشة هذا العام تحت عنوان " ألبوم عائلي" وشارك فيها اثنا عشر كاتبًا وفنانًا وهاويًا وهم " آسر مطر- مريم يس دهب - سارة إبراهيم الراجحي - سارة صلاح - نورهان القرم- هدى عاطف - ميرهان مرزوق - نورهان عامر - سارة يونس- محمد هلال - نورهان محمود عبد اللطيف - محمد كسبر" ونتج عن الورشة كتيب يضم مجموعة من النصوص السردية عن الإسكندرية المعاصرة.