السينما الألمانية المعاصرة الأفلام بمثابة انعكاس للمجتمع

Goethe Film Week in Egypt
@Goethe-Institut Kairo/Tandembranding

لكل مجتمع معايير وقيم معينة من المتوقع أن يخضع لها أفراده. ولكن ماذا لو كان المرء لا يريد ذلك، أو لا يستطيع، على سبيل المثال بسبب مظهره غير الاعتيادي؟ يمكن أن يصبح الفيلم بوصفه وسيطا محبوبا أداة تمنح المشاهدين وجهات نظر جديدة.

السؤال عن "من ينتمي ومن لا" يتم طرحه في كل مجموعة أو مجتمع أو أمة. خاصة في السنوات الأخيرة في أعقاب أزمة اللاجئين وزيادة تدفق المهاجرين تم تناول هذه القضية مرة تلو الأخرى من زوايا مختلفة في جميع أنحاء العالم. يتضح ذلك في ألمانيا في الوقت الحالي على شكل نقاش حول ما إذا كان الإسلام ينتمي إلى ألمانيا، أو السؤال عن كيفية التعامل مع عنف التيار اليميني.
 
في جمهورية ألمانيا الاتحادية، التي تطورت فعليًا منذ الستينيات إلى مقصد محبوب للهجرة، لا يزال التعامل مع المهاجرين واللاجئين وأبناءهم وأحفادهم يمثل مشكلة، لأن مظهرهم يجعل من السهل التعرف عليهم بوصفهم "الآخرين"، إذ لم يفهم حتى الآن معظم الناس أن كونك ألمانيًا لا يعني أن تكون بشرتك بيضاء، ولديك لون عين وشعر معين أو أن تنتمي إلى دين معين. يمكن للفيلم أن يلعب دورًا مهمًا هنا كوسيط وكأداة لعرض صورة المجتمع، حيث يُمثل وسيلة إعلام تصل إلى جميع طبقات وأطياف المجتمع.

الهروب والهجرة والعنصرية كمواضيع لشاشة السينما

منذ عام  ٢٠١٥  حتى اليوم نشأت سلسلة من الأفلام والأفلام الوثائقية المعاصرة التي تلتقط الأحداث الجارية وتعالجها بأكثر الطرق تنوعًا، وأحيانًا بشكل مأساوي وأحيانًا هزليًا.

في عام ٢٠١٦  ظهر فيلم "مرحبا بكم لدى عائلة هارتمان" للمخرج سيمون فرهوفن، وهو من نوع الكوميديا ​​الاجتماعية الناقدة التي حاولت تقديم معالجة مرحة لموضوع ثقافة الترحيب الألمانية السابقة فيما يتعلق باللاجئين القادمين حديثا وكذلك لموضوع التحفظات والمخاوف لدى الشعب. أبطال الفيلم (سينتا برجر، هاينر لاوترباخ، بالينا روجينسكي، فلوريان ديفيد فيتس) يشكلون عائلة هارتمان التي استضافت لاجئا من نيجيريا اسمه ديالو (إريك كابونجو)، وتدور أحداث الكوميديا عنهم. بالإضافة إلى الاختلافات الثقافية والأحداث الدرامية الشخصية لكل من أفراد الأسرة تتم معالجة قضايا مثل الإفراط في الحماسة لدى المتطوعين، وكذلك حماية الدولة الألمانية، والجيران والأصدقاء أصحاب القلق الزائد والتوجه اليميني؛ حيث يتم عرض هذه الشخصيات بصورة مبالغ فيها وبطريقة تخدم الكوميديا. ومن أكثر الجوانب تشويقا هو دور إلياس إمبارك، الذي يلعب دور الطبيب طارق بيرجر. الدكتور بيرجر هو طبيب ألماني، لكن أحد أبويه، كما في حالة إمبارك، لديه خلفية مهاجرة. وهو يمثل في فيلم "مرحبا بكم لدى عائلة هارتمان"، ولكن دون إبراز لذلك، ما يشبه الجسر بين شخصية " الألماني الأصلي" وبين القادمين الجدد.

كما ظهر فيلم "شارع ميتيور" في نفس عام ظهور فيلم "مرحبا بكم لدى عائلة هارتمان"، ويعالج قضية  الأطفال والمراهقين الذين تُركوا وحدهم بعد أن تم ترحيل آبائهم، لكنهم سمح لهم بالبقاء. يعيش الفلسطيني محمد (حسين الراقي) البالغ من العمر ١٨ عاماً، بعد ترحيل والديه إلى لبنان، مع أخيه الأكبر "الأخضر"، الذي انحرف عن المسار السليم في الحياة، في منزل مهمَل خلف مدارج مطار برلين تيجيل مباشرة. يمكن أن تسمع كل يوم أصوات الطائرات التي تهدر فوق المنازل وتوقظ في محمد الذكريات الدرامية للحرب التي هرب منها مع أسرته من قبل. محمد مشرّد وليس لديه مقومات للحياة. والوالدان لا يريدان أن يتبعهما إلى لبنان (بسبب الوضع الخطير بالنسبة للفلسطينيين)، لكن ألمانيا لا يمكن أن تصبح في الحقيقة وطنًا دون وجود العائلة. إن الأسئلة المتعلقة بالهوية والانتماء والدعم تتداخل بشكل مثير في دراما المخرجة وكاتبة السيناريو ألين فيشر. حصل الممثل الرئيسي حسين الراقي، الذي هرب إلى ألمانيا مع عائلته عندما كان في الحادية عشرة من عمره، عن دور "محمد"على جائزة الممثل الشاب من المهرجان الفني للفيلم السادس والعشرين.
 


يعالج فيلم "من العدم"، الذي حصل على جوائز عدة  من بينها جائزة جولدن جلوب عام ٢٠١٨ لأفضل فيلم أجنبي، موضوع العنف اليميني النازي الذي مارسته الخلية الإرهابية (NSU) في ألمانيا لسنوات قبل أن يتم اكتشافها. في أحدث أعمال المخرج الفني فاتح أكين تلعب ديان كروجر دور كاتيا سيكريتشي، التي تفقد زوجها نوري (نومان أكار) وابنها روكو (رافائيل سانتانا) في هجوم بقنبلة على مكتب نوري. وبعد إجراء تحريات تلقي الشرطة أخيراً القبض على الزوجين النازيين الجدد إيدا (هانا هيلسدورف) وأندريه مولر (أولريش فريدريش براندهوف). ويتم تقديمهما للعدالة، إلا أن أمل كاتيا في الحصول على عقوبة عادلة يتلاشى عندما تتم تبرئة الزوجين لعدم كفاية الأدلة. ثم تأخذ كاتيا سلطة القضاء بيدها. الفيلم مستوحى من الهجوم بقنبلة مسامير، والذي قامت به الخلية الإرهابية اليمينية (NSU)  في كولونيا عام ٢٠٠٤ . في أسبوع معهد جوته للأفلام هذا العام سيحتفل فيلم "من العدم" بعرضه الأول في مصر يوم   ١٢  أبريل.

 

عن الغرباء والاستبعاد والاختلاف

بالإضافة إلى مواضيع الهجرة والهروب والعنصرية يلعب موضوع الاستبعاد والاختلاف أيضًا دورًا في إنتاج السينما الألمانية الحالية.

 فيلم "نِدِّية" (٢٠١٦) هو فيلم حاصل على جائزة للأطفال، ويُظهر كيفية التعامل مع العقبات الاجتماعية الناتجة عن الاختلاف. يعيش ميتشي، البالغ من العمر ١٠ سنوات، ويؤدي دوره لويس فورباخ، في ملجأ للأطفال منذ وفاة الأم. في أحد الأيام يجد رسالة من والدته إلى والده المزعوم؛ لذلك انطلق سرا ليبحث عنه، وبالفعل حالفه الحظ وعثر عليه. ومع ذلك لم يكن الأب المفترض كما تخيله ميتشي، فقد كان الأب،  توم، الذي يلعب دوره يوردان برنتس، قِزما. وبعد أن عرف الأطفال الآخرين في الملجأ بالأمر أصبح ميتشي هدفًا لسخريتهم. ويوضح الفيلم الدرامي الكوميدي الذي مدته ٩٩ دقيقة تحوّل ميتشي من إنكار والده "المختلف" إلى قبوله.

لكن الأحداث التاريخية ، مثل سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، أحيانًا قد تجعل مجموعات كاملة من الناس يشعرون وكأنهم غرباء وخاسرون في نظام اجتماعي جديد.
يجمع الفيلم الذي سيُعرض لأول مرة "قلبٌ بَرّي" للممثل تشارلي هوبنر جوانب مختلفة من المشاكل المجتمعية في ألمانيا. تدور أحداث الفيلم الوثائقي في ولاية مكلنبورج - فوربومرن في الجزء الشرقي من ألمانيا، والتي تأثرت بارتفاع معدلات البطالة والهجرة منذ إعادة توحيد ألمانيا في عام١٩٩٠. وتركز الأحداث على يان "مونتشي" جوركوف مغني فرقة Punk Fine Fish Fish Fillet.  ومن المفارقات أن الفرقة، التي تعتبر "الفرقة الأكثر خطورة في فوربومرن"، تتحدث بنشاط وعلنا ضد العنصرية، والتمييز على أساس الجنس، ورهاب المثلية الجنسية، وأيضا ضد الهجرة، وفقدان الأمل وحالة اليأس التي أصابت الخاسرين من إعادة توحيد ألمانيا، وذلك من خلال موسيقاهم. حصل فريق "قلبٌ بَرّي"على العديد من الجوائز ، بما في ذلك جائزة ديف التشجيعية.
 
في الفترة من ١٢ إلى ١٩ أبريل ، سيقام أسبوع جوتة للأفلام هذا العام في الإسكندرية والقاهرة. وسيعرض مجموعة مختارة من الأفلام الوثائقية العربية والألمانية الجديدة. سيتم افتتاح أسبوع الأفلام يوم ١٢ أبريل بالعرض الأول في مصر للفيلم الألماني "من العدم" الحائز على عديد من الجوائز للمخرج المشهور عالمياً فاتح أكين.