"عايشة" مونودراما القلق والخوف

عايشة لجوته
الصورة: © حسن عماد

رغم قسوة المرض، وما يتركه في أجسادنا وأرواحنا من ألم، لكنه يمنحنا فرصة للتوقف عن الركض في سباق الحياة، والتساؤل عن معنى الحياة ذاتها، عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، عن معنى السعادة والتحقيق والتصالح مع الذات، يمنحنا كذلك فرصة لسماع أصوات أجسادنا والتعرف على ما يؤلمها.

في مسرحية "عايشة" للمخرجة والممثلة المصرية داليا خليف، تدور الأحداث حول مرض اضطراب القلق ونوبات الهلع، التي تصيب إمرأة دون أن تدرك السبب وراء هذه المشاعر العميقة مــن الخوف والتردد والتوجس حيال العالم، خوف من الفقد، من المستقبل، من الحب، من الخروج للشارع، أو البقاء في البيت.

المسرحية التي عُرضت على مسرح استديو ناصيبيان، ضمن فعاليات مهرجان "وسط البلد للفنون المعاصرة"، تعكس تجربة حقيقية عاشتها بطلتها ومخرجتها منذ عدة سنوات، حينما أصابتها مجموعة من الأعراض النفسية والجسدية مثل الخوف، والقلق، والتوتر، وفقدان الشهية، والأرق، لكنها لم تدرك في بداية الأمر طبيعة مرضها، وكذلك لم يتقبل المحيطون بها التغيرات التي تعيشها والتحولات التي حدثت لشخصيتها.

هذه التجربة القاسية دفعت داليا خليف لتقديم عرض مسرحي، يُجسد هذه المعاناة كخطوة في مواجهة الألم والسعي للتعافي، وكذلك للتوعية بتلك الأمراض التي أصبحت من سمات العصر الحديث، وقد قامت داليا بكتابة وإخراج وبطولة المسرحية، بمشاركة ندى منير مصممة الملابس، وأحمد صلاح في هندسة الصوت، ورانيا الجمال مديرة المسرح، وأحمد عشماوي وأحمد إسماعيل مصممي السينوغرافيا والديكور.

Aysha Theater الصورة: © حسن عماد طاولة زجاجية شفافة معلقة في الهواء، بمجموعة من الأسلاك، تشبه القفص الحديدي، وفي الداخل تحاول البطلة السير واكتشاف الظلام المحيط بها من كل جانب. تعتمد داليا خليف في عرضها على المونولوج الداخلي، الذي يمنح الجمهور فرصة للتعرف والاقتراب أكثر من شخصية البطلة، كذلك تلعب الملابس دور بطولة موازي تعكس من خلالها حالة البطلة النفسية وشعورها بأنها محاصرة دومًا.

"حاسه إني محاصرة، مطلوب مني أكون أفضل واحدة في الكون، الأكثر جمالًا ورشاقة، والأكثر تفوقًا في الدراسة، والأكثر نجاحًا في العمل، وكذلك الأم المثالية" بهذه الكلمات تعكس بطلة العرض مدى قسوة الحياة المعاصرة، والمطالب والتوقعات العديدة التي تحاصرها في محيطها الاجتماعي، وخاصة أسرتها، هذه التوقعات التي يظن المحيطون بنا أنهم يشجعوننا لكي نصل إليها، لكنهم لا يدركون أنهم يجعلونا نتحمل فوق طاقتنا، مما قد يتسبب في تدمرينا.

 أكثر ما يميز العرض بجانب ما يمثله من تجربة ذاتية صادقة ومعبرة، أنه يتجاوز هذه المساحة الذاتية لينفتح على الآخر وعلى المجتمع، فما عاشته بطلة العرض يعيشه ملايين البشر يوميًا حول العالم، كذلك لايسعى العرض لاستجداء مشاعر العطف والشفقة من الجمهور، بقدر ما يركز على طرح العديد من الأسئلة المسكوت عنها حول ماهية الحياة، والآلم، والسلطة، والعلاقات الاجتماعية والعاطفية المدمرة.

"الحروب، الأمراض، الموت، المواد الحافظة، التلوث، التغيرات المناخية، التطرف، الكراهية، كل هذه الأشياء تحاصرنا يوميًا. أنا عايشة بس مش عايشة، موجودة لكن مش موجودة، هذه ليست أنا" بهذه الكلمات تطرح بطلة العرض أحد أهم الأسئلة التي يناقشها العرض، حول ماهية الحياة، هذا السؤال المركزي، الذي ننساه في ظل نمط حياتنا المتسارع بصورة هائلة، حياة تحولت لسباق لا نهاية له، سوى بالموت.

تركز داليا خليف في مونودراما "عايشة" على حجم الأقنعة والأدوار الهائلة المطلوب من المرأة ممارستها سواء في البيت أو العمل، وما ينتج عنه من آثار نفسية وجسدية قاسية، وتظهر أولى خطوات العلاج في التخلص من تلك الأقنعة والبحث عن ذاتنا.
رحلة التحرر والبحث عن الذات التي تخوضها البطلة، تعكسها كذلك طبقات الملابس المتعددة التي ترتديها، وتتخلص منها تدريجيًا على مدار العرض، ومع كل رداء تخلعه تتعثر وتسقط، لكنها تقاوم وتقف مرة أخرى، لتكمل رحلتها للتحرر من هذه القيود والأقنعة، والبحث عن ميلاد جديد.