الموسيقى والهوية فرقة "نوبة نور" إحياء التراث الثقافي النوبي

فرقة "نوبة نور"
فرقة "نوبة نور" | الصورة: ©حسن عماد

في منطقة وسط القاهرة، وبالتحديد في مسرح "الضمة" بحي عابدين القريب من ميدان التحرير، توافد جمهور من مختلف الجنسيات والأعمار، لحضور حفل فرقة "نوبة نور".

على مدار ساعة ونصف، امتزجت الموسيقى والرقصات والأغاني النوبية التراثية، مع تصفيق الجمهور وتفاعلهم المستمر، فرغم عدم معرفة الجمهور باللغة النوبية، إلا أن الإيقاع الموسيقى وحركات الراقصين صنعا حالة من التواصل والألفة بين الفرقة والجمهور.

"الموسيقى والرقص، لغة مشتركة يفهمها جميع الشعوب" يقول الفنان أسامة بكري عازف الدف ومدير الفرقة، موضحًا أن "الموسيقى والرقص والغناء، مكون رئيسي للثقافة النوبية، المرتبطة بنهر النيل والزراعة وعشق الطبيعة".

تتنوع الرقصات النوبية ومن أشهرها رقصة "أرجيد" حيث يصطف الراقصون في عدة صفوف، يتمايلون بجذوعهم ويتحركوا خطوة لليمين ومثلها لليسار، وفي حركاتهم يحاكون أمواج النيل. تتنوع كذلك موضوعات الأغاني النوبية ما بين الغناء عن الحب، والنيل، والمناسبات الاجتماعية، والفراق، والتهجير.

الموسيقى والهوية

يشير أسامة إلى أن "نوبة نور" هى كلمة نوبية تعني باللغة العربية "أضواء النوبة"، ويضيف:" يعود تاريخ الفرقة لمنتصف القرن العشرين، وأسسها الفنان سيد جمال، وكانت تتكون من مجموعة كبيرة من العازفين والآلات الموسيقية الشرقية والغربية، لكن نشاط الفرقة توقف في سبعينيات القرن العشرين، ثم أعدنا تأسيسها من جديد، وأصبحت الفرقة تركز على الأغاني والتراث النوبي وتعتمد على آلات موسيقية شرقية".

تتكون الفرقة من أربعة فنانين يعزفون على "الدف" وهو آلة إيقاعية شرقية، تصنع من إطار خشبي دائري مشدود عليه قطعة من جلد الماعز، بالإضافة لمطرب وعازف على "العود" وهو آلة وترية كمَّثرية الشكل تستعمل في الموسيقى العربية، والفارسية، والتركية، ودول شمال أفريقيا، كما تتضم الفرقة مجموعة من الراقصين والراقصات.

تقدم الفرقة أغانيها بلغتي النوبة الفاديجية والكنزية، وهما لغتان منطوقتان غير مكتوبتين، وتتعمد الفرقة الغناء بهما للحفاظ على الثقافة والتراث النوبي. "بعد تهجير النوبين من القرى التي يسكنون بجنوب مصر، أصبحت الثقافة النوبية مهددة بالضياع، لذلك نركز على الحفاظ على التراث النوبي عبر الغناء والموسيقى باللغة النوبية" يقول الفنان جمال حسن أحد أعضاء الفرقة.
 
  • فرقة "نوبة نور" الصورة: ©حسن عماد
  • فرقة "نوبة نور" الصورة: ©حسن عماد
  • فرقة "نوبة نور" الصورة: ©حسن عماد
  • die Band „Nuba Nour” الصورة: ©حسن عماد
  • فرقة "نوبة نور" الصورة: ©حسن عماد
  • فرقة "نوبة نور" الصورة: ©حسن عماد


توجد منطقة النوبة أقصى جنوب مصر، وتضم أكثر من ثلاثين قرية تطل على ضفاف النيل وتمتد حتى حدود دولة السودان، وتشتهر بإسم "أرض الذهب"، وقد تعرض النوبيون للتهجير أكثر من مرة على مدار القرن العشرين، بسبب بناء الخزنات والسدود على نهر النيل، ويسكن معظمهم الآن بمحافظتي القاهرة والإسكندرية، وأسسوا جمعيات وفرق فنية للحفاظ على هويتهم وتراثهم الثقافي، وتعكس كثير من الأغنيات آلم التهجير والحنين للعودة للنوبة.

ممارسة حياتية

يشير عازف العود والمطرب محمد داود إلى أن الموسيقى والرقص والغناء ليست ممارسات فنية فقط في المجتمع النوبي، ولكن لها دور إجتماعي كبير. "الغناء طقس أساسي في كافة المناسبات سواء في الأفراح والزواج، أو مع وصول مولد الجديد، وحتى في الوفاة هناك نوعًا خاصًا من الغناء الحزين على المتوفي، وكذلك الرقص مرتبط بطبيعة الحياة النوبية، وعلاقته بنهر النيل والزراعة، لذلك فمعظم الرقصات تعتمد على حركات تشبه طريقة حركة الأسماك في المياه".

ويضيف: "المساحة الصغيرة للمسرح، تجعل الفرقة قريبة للغاية من الجمهور، مما يشجعهم على المشاركة والرقص والغناء معنا، وهذه الحالة من المشاركة الجماعية، تشبه كثيرًا أجواء الحياة في النوبة حيث يشارك الجميع في الرقص والغناء في مختلف المناسبات الاجتماعية".

تجمع فرقة "نوبة نور" بين جيلين من العازفين، جيل الكبار، وجيل الشباب، وعبر هذا المزيج تنتقل الخبرات من الجيل الأكبر إلى الجيل الأصغر، كذلك تنظم الفرقة عدد من ورش العمل لتعليم الموسيقى والرقص والغناء النوبي.

يوضح داود:"أن الاهتمام بالفنون والثقافة النوبية، لا يقتصر على الأجيال الجديدة من الشباب النوبي المولود خارج النوبة، ولكن هناك جمهور كبير من مختلف المحافظات المصرية، وكذلك جمهور من الجنسيات مختلفة مهتمين بالتعرف على الثقافة النوبية وتعلم الرقص والغناء النوبي".

حوار الثقافات

في عام ٢٠١٠ إنضمت فرقة "نوبة نور" لمركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية، وشاركت في العديد من العروض والمهرجانات المحلية والعالمية، يشير الفنان أسامة بكري إلى أن الفرقة خلال جولتها الأوروبية أنتجت ألبومها العالمي الأول بعنوان "دامنيشن".
موضحًا أنهم تعاونوا في هذا الألبوم  مع فرقة "شان" من مقاطعة ويلز البريطانية التي تتشابه في ظروفها مع ظروف "نوبة نور"، فقد تم تهجير سكان من ويلز لبناء أحد السدود أيضًا.

وحول أبرز خطط وأنشطة الفرقة في الفترة القادمة يقول الفنان أسامة بكري:"لدينا برنامج بالمشاركة مع العديد من الفرق الموسيقية الشعبية التي تعبر عن العديد من الثقافات المحلية في مصر، ونسعى لتقديم هذه العروض في جولات بمختلف المحافظات المصرية، وكذلك ننتظر تعاون وزارة التربية والتعليم، لتقديم هذه العروض في المدارس وتعريف الطلاب بالثقافات المصرية المتنوعة".