"الخبيئة" معرض فنى يعبر عن آمال المرأة وآلامها

صورة للفنانات المشاركات في المعرض
صورة للفنانات المشاركات في المعرض | © سلوى رشاد

" لنفوس النساء و أرواحهن دوراتها ومواسمها، في الإقدام والانطواء ، في الهروب والبقاء، في الاندماج والابتعاد، تكون أيضا في السعي والرقاد، في الخلق والاحتضان، في التواجد في هذا العالم والعودة إلي مكان الروح".

عبر هذا المقطع من كتاب "النساء اللاتي يركضن مع الذئاب" للكاتبة والمحللة النفسية  كلاريسا بينكولا ، يمكننا الإشارة إلى معرض "الخبيئة"، وهو مغامرة فنية تجمع أعمال ست فنانات مصريات، يقدمن تصورات ورؤي مختلفة عن المرأة، عبر وسائط فنية متنوعة بين الرسم والأعمال المجسمة والفوتوغرافيا.  

يتضمن المعرض مشاركات الفنانات "بثينة شعلان، وسلوي رشاد، وعلياء الجريدي، ونهي ناجي، وهمت ريان، وياسمين حسين"، وتعكس الأعمال المعروضة رحلة بحث عن روح "المرأة" الغائبة، تلك الخبيئة المسجونة  تحت طبقات من التاريخ والأساطير والتصورات والأحكام المسبقة،  كما تطرح العديد من الأسئلة والمقارنات عن تاريخ المرأة وواقعها، والتغيرات التي تعيشها في ظل منظومة الحداثة والحياة المعاصرة.

يتميز المعرض بأنه لا يُقدم صورة مثالية للمرأة أو إجابات نهائية ومطلقة، بقدر ما يدعو الزائرين للتفاعل والمشاركة وخوض رحلة موازية للبحث عن خبيئتهم، فكل فنانة تنطلق في أعمالها من تجربة ذاتية تعبر عن رؤيتها الشخصية لمفهوم "المرأة" وارتباطها بالمحيط والبيئة التي تعيش فيها، وبطبيعتها الفطرية وتاريخها الشخصي، وأيضا حدسها الذي تعتمد عليه كمصدر أولي للمعرفة.

المعرض الذي تتواصل فعاليته في قاعات مركز درب "1718" بالقاهرة، هو نتاج ورشة عمل امتدت على مدار عام، وتضمنت قراءات ونقاشات لمجموعة من النصوص والكتب، من أبرزها كتاب "النساء اللاتي يركضن مع الذئاب" لكلاريسا بينكولا، ويتناول النموذج الأولي والطبيعي للمرأة، الذي قام وتأسس على غريزتها الطبيعية وحدسها، وهذا النموذج أطلقت عليه بينكولا اسم "المرأة المتوحشة".

ويتضمن المعرض عدد من المحاور الأساسية والتى منها تاريخ المرأة حيث يظهر جليا في أعمالها التي تمزج بين الرسم والفوتوغرافيا وفيه تتبع الفنانة سلوى رشاد رحلة المرأة على مر التاريخ، بدءًا من مرحلة تقدسيها كمصدر للحياة والخلق، مرورًا بمراحل تاريخية تالية فقدت فيها مكانتها، وصولًا إلى العصر الحديث وسيادة رؤية أحادية تتعامل مع المرأة والإنسان بشكل عام كسلعة مجردة من أي معنى يتجاوز وجودها المادي.

من أعمال الفنانة سلوى رشاد من أعمال الفنانة سلوى رشاد | © بثينة شعلان أكثر ما يميز أعمال سلوى رشاد، أنها لا تقتصر على توثيق رحلة المرأة عبر التاريخ، بقدر ما تحاور هذا التاريخ، وتدعو الجمهور لخوض رحلة موازية، يبحثون فيها على التحرر الداخلي، من كل التصورات السابقة، والأحكام المطلقة، والألم والأوجاع المتراكمة عبر تاريخ الإنسانية.

فيما يشمل المحور الثانى للمعرض تفنيد وشرح بصرى للجسد والعائلة حيث وضح ذلك جليا من خلال أعمال الفنانة همت ريان التى طرحت العديد من الأسئلة حول الذاكرة والأسرة والجسد، عبر مجموعة من المنحوتات من مادة الكارتون، تقدم من خلالها ما يشبه الحكاية عن طريق استخدام بعض الصور العائلية، التي تحكي من خلالها تاريخها الشخصي، الذي يتقاطع مع التاريخ الجمعي لكثير من الأسر المصرية في مراحل مختلفة على مدار القرن الحادي والعشرين.

عمل مجسم للفنانة همت ريان عمل مجسم للفنانة همت ريان | © سلوى رشاد تقول همت عن مشاركتها: " حين تتلاماس الفكرة مع الروح تنتبه الذاكرة(  صور، صناديق، ملفات مغلقة )  تستحضر التاريخ بكل تفاصيله الرمادية، أو الملونة بخطوط حادة، أو متعرجة تتابع التفاصيل فوق ندبات ربما بدت قديمة، فتعري الأفكار بالتدريج حتى يظهر الجسد للروح كاملا محملا بالحكايا وبكل زمن قد مضى ، يتناثر كل ذلك ثم يتجمع ليستقر على ذلك الحائط كبيت حكمة قديم يلملم تاريخ ساكنيه بلا تضرر، فتتراكم اسئلة وتبدأ رحلة البحث من هناك".
 
كما شمل المعرض محورا ثالثا يعبر عن ما وراء الألم وذلك عبر صندوق خشبي، يحتوي على دائرة صغيرة تسمح للعين بمشاهدة ما بداخله، حيث تبحث الفنانة ( ياسمين حسين)  عن المعاني الكامنة وراء الآلم، من خلال مجموعة من الصور الفوتوغرافيا التي تعكس علاقة المرأة بجسدها والطبيعة ، وتختار ياسمين أن تكون زميلاتها في المعرض هن بوابة العبور لعملها الفني، عبر تصميم صندوق خاص بكل شخصية منهن.

من أعمال ياسمين حسين من أعمال ياسمين حسين | © بثينة شعلان وعن مشاركتها تتسائل  ياسمين : " من نحن؟ ما هي علاقتنا بالطبيعة؟ هل يختزن جسدنا الصور الأولية البدائية لعلاقة قديمة مع الطبيعة؟

هل يجب البحث في تصور الأسلاف لعلاقة الأنثى بالطبيعة، وتجليها في المعبودات المختلفة؟ ما علاقة الألم الجسدي باللاوعي الفردي والجمعي؟ هل نحن نساء تتشارك في بعض الآلام أم في مصدرها؟ هل يهاجمنا الألم في موضع الضعف أم في موضع القوة؟ هل نستطيع جميعا إحتواء الألم؟ تخطيه؟ التعايش معه؟ إدراكه؟ فهمه؟ مواجهته؟".
كما عبر المعرض من خلال المحور الرابع الذى تمثل فى الأم الكبرى من خلال مجموعة من اللوحات والمنحوتات، جسدت خلالها الفنانة ( نهى ناجي ) رحلة الأمومة، وخاصة مرحلة الحمل والرضاعة، حين تتوحد الأم وجنينها، وتمتزج مشاعر المحبة والألم، الخوف والرجاء.

و تعكس أعمال نهى ناجي وجوه متعددة للأمومة، داخل الطبيعة والمدينة والإنسان، وتطرح العديد من الأسئلة حول تلك التجربة الفارقة التي تعيشها المرأة بوصفها الأم.

من أعمال نهى ناجي من أعمال نهى ناجي | © بثينة شعلان وتقول نهى عن مشاركتها: "التشابهه الواضح بين الأنثي والطبيعة الأم، فكلتاهما تمتلكان نفس الغريزة البرية الانتقائية والبذل للبقاء الجمعي والقدرة على الاتحاد بالعناصر الأولية وخلق تكوينات جديدة،  ومر زمن ليس بالقليل نشأ فيه خلق جديد في بيئة مخلقة وانقطعت صلاته بالبرية، فتراجع إرتباطهم ب"الأم الكبرى" تدريجياً حتى حلت محلها المدينة الحاضنة وأفرخت أبناء الحضانات المصمتة، أولئك الذين لم يعرفوا الصحراوات الممتدة، ولا الغابات المظلمة، ولا البحار".

فيما يحتل محور قوة المرأة الترتيب الخامس بين محاور المعرض حيث تركز من خلاله  الفنانة والمصورة الفوتوغرافية ( بثينة شعلان ) على القوى المميزة والخاصة بالمرأة، تلك القوة الممتدة من بداية الحياة حتى الآن؛ فعبر مجموعة متنوعة من الصور الفوتوغرافية، تدعو الجمهور لخوض رحلة داخلية، للبحث عن معنى القوة  الكامنة بداخلهم، وتجلياتها المختلفة على المستوى الشخصي أو العام.

وتقول بثينة عن مشاركتها:" قوة المرأة الخاصة تمكنها من حماية نفسها وأسرتها عن طريق طقوس تناقلتها عبر أجيال، من جدتها وأمها، بجانب مراقبتها لقوى الطبيعة، وتآلفها مع دورة الحياة بها، وجعلتها تصنع من الأعشاب والمواد التي وجدتها في الطبيعة دواءا وطعاما، أو سما للأعداء, وهي قوة لا تتعارض مع مفهوم القوة الحالي، وإنما تتكامل معه".

من أعمال بثينة شعلان من أعمال بثينة شعلان | © سلوى رشاد وفى المحور الأخير لـ "الخبيئة" تظهر العوالم المتجانسة في أعمال الفنانة "علياء الجريدي" ، مقاربة بين الإنسان والحيوان، انطلاقا من كون الإنسان حيوان عاقلًا، عبر هذه المقاربة تصنع لوحاتها عالم مغاير، يتماهى فيه الإنسان مع الحيوان والطبيعية، دون هيمنة أو سطوة لأي منهم على الآخر.

وعن مشاركتها فى المعرض تقول علياء:"كانت الرؤية واضحة حين كان الكون وحدة متجانسة على تنوع عناصرها، وكان العنصر البشرى جزءًا من هذا الكون يعطيه ويأخذ منه، ويتعلم من باقى الأجزاء , فكان الحيوان هو أول الرفاق، تعلم  الإنسان منه الكثير من مدركات وآليات التعامل مع الحياة كالمشاعر وأولها الخوف ، وتلبية الاحتياجات الأساسية وإيجاد الطعام، والمأوي للاحتماء من مخاطر المحيطة به، و كذلك تعلم منه العلاقات الاجتماعية وتلبية الغرائز".

من أعمال الفنانة علياء الجريدي من أعمال الفنانة علياء الجريدي | © سلوى رشاد وتضيف:" كون الإنسان والحيوان، معًا علاقة ممتدة، إلى أن إكتشف الانسان قدرته على التفكير أو ما أسماه الإبداع والابتكار، هنا بدأ يتغير شكل العلاقة ليس مع عالم الحيوان فقط ولكن مع الطبيعة، فقد أحس الإنسان بسطوته وقدرته، التي جعلته يدعى أنه القائد لهذا الكون وأن الطبيعة بعناصرها سخرت له وحده يفعل بها كيفما شاء، ومن هنا تخلى الإنسان عن معلمه الأول وهو الطبيعة وتنازل عن صداقته الأصيلة بالحيوان، وأدعى أن الحيوانية عيب بل ذنب".    
 
*كلمة "خبيئة"   تعني في اللغة العربية الشيء المستور أو المُخْفى، وفي علم المصريات يتم استخدام اللفظ للتعبير عن الكنوز المخبئة في باطن الأرض.