على مسرح عين شمس ”زيارة السيدة العجوز„

"زيارة السيدة العجوز" على مسرح عين شمس
الصورة: © محمد عبدالرحيم

سيدة عجوز ثرية، تزور قريتها الفقيرة بعد 50 عامًا من الغياب، فتقرر أن تغدق عليها أموالًا طائلة، مقابل العدالة أو الإنتقام الذي يتلبس ثوب العدالة.

على مسرح عين شمس وفي يومي ٢ و ٣ مايو الماضيين، إصطحبنا فريق مسرح كلية الألسن في رحلة إلى عالم أبدعه الكاتب الألماني "فريدريش دورينمات"، في مسرحيته الشهيرة "زيارة السيدة العجوز".

هذه المسرحية التي تضع القارئ منذ البداية في ورطة بين التعاطف مع بطلة الرواية "كلير تساخاناسيان" لأنها تطلب العدالة بعد ٥٠ عامًا من إجبارها على ترك قريتها بعد أن أنكر حبيبها "ألفريد ال" أبوته لإبنتها، وبين التعاطف مع "ال" الذي وقع ضحية تخلي أهالي القرية عنه تحت وطأة إغراءهم بالمال .

عالم "دورينمات" بكل ما يحمله من نفاق وجشع ومادية وفقر، يجعل "زيارة السيدة العجوز" من أوائل الأعمال التي تجسد فيها عالم الواقع المرير المسمى بأدب الـ"ديستوبيا".

"الإنسانية يا سادتي، خلقت لخزائن أصحاب الملايين،  فمن يملك إمكاناتي المالية يستطيع أن يضع للدنيا نظامًا خاصًا به، لقد جعلت مني الدنيا عاهرة، فلأجعلن منها دارًا للفجور" كلير تساخاناسيان، مسرحية "زيارة السيدة العجو"ز، ترجمة الدكتور" مصطفى ماهر " .

"زيارة السيدة العجوز" على مسرح عين شمس الصورة: © محمد عبدالرحيم قوة النص المسرحي، وشهرة "دورينمات"، دفعا المخرج المسرحي الشاب محمد جبر إلى إخراج هذه المسرحية، يقول جبر: "مسرح دورينمات يتميز بالواقعية الشديدة، ويجسد قضايا اجتماعية هامة".

استشرف النص مبكرًا أزمة الأخلاق في صراعها مع رأس المال، وهو الصراع الذي وصل أوجه مع إرساء دعائم النظم الرأسمالية التي وضعت القيم الأخلاقية جانبًا، وهو دافع آخر يرى جبر أنه قادر على تفجير القدرات الإبداعية لأي مخرج يتصدى لهذا العمل.

وعن التحديات التي يخلفها العمل، نظرًا لثراء نصه اللغوي، يقول المخرج المسرحي الشاب، إنه عالج النص المسرحي بشكل يجعله أكثر ملاءمة لجيل الشباب، وللجمهور العادي الذي يشكل الفئة الأكثر إقبالًا على المسرح.

شخصيات المسرحية جاءت هي الأخرى مركبة وتراجيدية، وهو ما شكل تحدي من نوع خاص لبطلة المسرحية "نهى محمد"، التي ترى أن تجربتها في مسرح الجامعة منذ ثلاث سنوات، تجمعت لتنتج هذه الشخصية التي تصفها بأنها "شخصية تصل إلى حد الجنون من القوة، ومن ناحية أخرى تشكل الذكريات والتجارب خلفية حياتية مؤلمة شوهت هذه المرأة، وتقول أن "الفرق بين تجربتي مع هذه الشخصية وشخصيات أخرى أديتها يكمن فى التطور الذي يطرأ على شخصية كلير على مدار الأحداث".

وتضيف: " التناقض الحاصل في تركيبة كلير تساخاناسيان هو ما جعل الدور يحتاج لتمكن وتعاطف مع الشخصية، مع الإحساس الداخلي بدوافعها ومبرراتها".

الأمر نفسه ينطبق على توظيف شخصية "ألفريد ال" على مسرح الجامعة، فعمره البالغ ٧٥ عامًا، استلزم مجهودًا شاقًا من بطل العرض "فادي أيمن" ليستطيع إتقان الشخصية، والتعبير بالإيماءات والحركات بما يتناسب مع عمر "ألفريد ال".

من جانب أخر الصعوبة الأكبر بالنسبة " لفادى"، تكمن في التحول داخل شخصية ألفريد والتي أنعكست على أفعاله الخارجية، فمن شخص يحاط بالحب والاحترام في بداية العرض، مرورًا بكونه شخص متهم يحاول أن يتجنب مصيره، وصولًا إلى استسلامه لهذا المصير المحتم في نهاية المسرحية.

لا يرى فادي أن هناك فرق جوهري بين مسرحيتي فريدريش دورينمات "زيارة السيدة العجوز"،  و"هبط الملاك في بابل"، من حيث أنهما يناقشان قضايا فلسفية تتجاوز أطر الزمان والمكان، ويمكن عرضهما لأي جمهور. 

يبدو أن "زيارة السيدة العجوز" لن تكون المسرحية الألمانية الأخيرة التي سيستضيفها مسرح عين شمس، فعضوة الفريق "ندى عاشور"، والتي عملت كمساعدة مخرج في عدد من العروض المسرحية، أكدت على تطلعها لعرض مسرحية الأديب الألماني "يوهان فولفجانج فون جوته فاوست" على مسرح الجامعة إذا ما أتيحت لها فرصة إخراج العرض العام المقبل.