ورشة الصحافة العلمية الثقافة العلمية حائط صد أمام الأخبار الزائفة

Wissenschaftsjournalismus
Photo: © Roger Anis

نظم معهد جوته رحلة علمية لـ ١٠ صحفيات وصحفيين مصريين، لزيارة كبرى وسائل الإعلام في العاصمة الألمانية برلين، في الفترة ما بين ٢٢ أبريل حتى ٢٧ أبريل، في إطار مشروع "العلم حكاية" الذي ينظمه المعهد بالتعاون مع أكاديمية أونا والهيئة الألمانية للتبادل العلمي ""DAAD، لدعم الصحافة العلمية في مصر.

حالفني التوفيق أن أكون ضمن الحاضرين في ورشة الصحافة العلمية التي نظمت في القاهرة في منتصف فبراير، وفي الرحلة العلمية الثقافية التي أعقبتها.

 كان الهدف من الرحلة متممًا ومكملًا للهدف من المشروع ككل وهو مواجهة الأخبار الزائفة، التي باتت مشكلة تؤرق الوسط الصحفي في كل أنحاء العالم، حتى أن كبرى المؤتمرات المعنية بالصحافة في الفترة الأخيرة اتخذت من الحرب عليها شعارًا لها، فجاء المؤتمر الأخير لـ "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية" (أريج) تحت لافتة "صحافة الاستقصاء في مواجهة الأخبار الزائفة"، وعلى نفس النهج سار مؤتمر منظمة " نيتس فيرك ريشيرشي" الاستقصائية الألمانية متخذًا هذا العام شعار "الحقاق كبديل".

قمنا بزيارة عددا من وسائل الإعلام الكبرى في ألمانيا، مثل:صحيفتي "تسايت" و"دير تاجس شبيجل"، ووكالة الأنباء الألمانية ""dpa، وإذاعة "دويتشه فيله" DW، بجانب زيارة لعدد من المؤسسات البحثية المعنية بالعلم، مثل مؤسسة "Helmholtz"، للإطلاع على تجربة الصحافة العلمية في ألمانيا، وقد بدا في مجمل الجلسات والنقاشات التي خضناها داخل هذه المؤسسات أن العلم تحكمه سمات تتقاطع بشكل أو بآخر مع الأسس الأخلاقية للصحافة، هذه الثقافة العلمية قادرة على المساهمة في التصدي لمشكلة "الأخبار الزائفة".
 

وتتلخص هذه السمات في:

١) الدقة: 

المبدأ الأول في العمل الصحفي بشكل عام، وفي الحقل العلمي أيضًا، إذ أن المعلومات الواردة في كلا الحقلين يجب أن تستند إلى البحث الدقيق، والمراجعات اللاحقة.

وشددت الصحفية العلمية الألمانية "ليلو بيرج" في لقاءها بنا على ما يسمى بـ"ضبط الجودة" المتبع في الصحافة العلمية في ألمانيا، حيث توجد عدد من المؤسسات الصحفية المتخصصة في العلوم تعمل على مراجعة ما ينشر في الصحافة العلمية لضمان دقته، مثل مؤسسة ""Medien-Doktor.

وخلال لقاءنا مع مديري مؤسسة "Helmholtz" كان النقاش يدور في جانب كبير منه على ضرورة الحفاظ على جودة الصحافة العلمية، وهي مسئولية يتحملها الصحفي والباحث أيضًا، فيجب أن يعرض الصحفي على الباحث قصته الصحفية لمراجعتها علميًا، لضمان دقتها.

٢) الاستقلالية:

المبدأ الثاني من ضمن مبادئ أخلاقيات الصحافة والذي يشكل أيضًا سمة من سمات البحث العلمي الموثوق فيه، فيجب أن يكون البحث مجردًا من أي أهداف شخصية، وألا يكون موجهًا لتحقيق أغراض خاصة.

وكان مدرب الصحافة العلمية الألماني "كاي كوبفرشميد" قد وضح أثناء الورشة العلمية التي أقيمت في القاهرة فبراير الماضي أن للقارئ حق المعرفة لما يدور داخل المعامل العلمية التي تأتي اعتمادتها المالية من أمواله كدافع للضرائب، فمراعاة لحق هذا القارئ يجب أن تحافظ الصحافة على استقلاليتها وولائها له فقط.

ويستلزم تحقيق الاستقلالية في الصحافة أن تحرص المؤسسة على التوازن في عملها الصحفي، وهو ما أوضحه مسئول العلاقات الدولية في "دويتشه فيله"، "فابيان باينكاط"، مؤكداً حرص مؤسسته على مراجعة المادة الصحفية، للتأكد من توازنها وعرضها للرأي والرأي الآخر.

٣) التوثيق:

أهم سلاح في مواجهة الأخبار الزائفة هو توثيق المعلومات أو ما يسمى في الصحافة بـ "Fact checking"، وإذا كان الباحث يجب أن يأتي بالدليل لإثبات فروضه العلمية، فإن الصحفي يجب أن يستعرض الأدلة التي تؤكد صدق معلوماته.

وفي هذا الشأن، عرضت محرر القسم العلمي في وكالة الأنباء الألمانية "dpa" "سيمون هومل" آليات القسم لتوثيق المعلومات الواردة إليه، وأهمها فحص مصدر المعلومات ونتيجة البحث.

٤) التخصص:

ثلاثة من ضمن المشاركين في الورشة جاءوا من تخصصات علمية، هذا ما جعل الحديث حول أهمية التخصص العلمي يطفو على سطح النقاش، خاصة أن محرر قسم المعرفة بصحيفة "دير تاجس شبيجل" الدكتور "أموري بورشهارد"، جاء من خلفية دراسية علمية، وهكذا أيضًا الصحفية العلمية "ليلو بيرج".

وعلى الرغم من الإجماع على أن التخصص العلمي له دور في زيادة جودة الصحافة العلمية، وإن الدوريات العلمية التي ينشر فيها ٥٠٪ من مجمل المادة العلمية التي تنشر في الصحافة العلمية في ألمانيا تعتمد بشكل كبير على التخصص، فإن الصحفي العلمي مطالب بأن يخوض كل المجالات العلمية وأن يكون على دراية بها.

ربما أهم ما أدركناه بعد زيارتنا لوسائل الإعلام الألمانية أن مشكلات الصحافة طالت كل الصحفيين، أيًا كان موقعهم أو تخصصهم، فجميعنا منزعج من سيل الأخبار الزائفة الذي بدء مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والإعتماد عليها بديلًا عن وسائل الإعلام التقليدية، وكلنا يعاني في الوقت ذاته من الأزمات الإقتصادية التي تهدد استقلالية الصحف، وتؤثر على جودتها .

وطالما أن التحديات التي تواجه العاملين في الصحف حول العالم واحدة، فإن النقاش وتبادل الآراء والخبرات حول كيفية التغلب عليها أصبح  أمرًا ضروريًا.