نهايات سعيدة نضال الذاكرة ومشروعية السؤال

HAPILY_EVER_AFTER_ 737
© Felucca films 2016

مع انطلاق شرارة الحراك الشعبي في يناير ٢٠١١ وطوال ما يقرب من اربع سنوات انجز العديد من صناع السينما في مصر - من مختلف الشرائح العمرية ومختلف التوجهات- كما هائلا من المواد المصورة حاولت أن ترصد أو تحلل أو توثق أو تمنح ما حدث تفسيرا او معنى او أحتفاء، بشكل جعل المتلقي العام متخما بقدر كبير من العمليات البصرية التي شكل بعضها أفلاما سينمائية حقيقية ذات عمق وصورة وسياق ووجهة نظر، بينما غلبت على الكثير من المواد الأخرى نبرة انفعالية مشوشة أو تكرار خامل أو صياح احتفالي انتهت صلاحيته بأنتهاء الفعل والسياق السياسي والواقعي للحدث.
 

في عام ٢٠١٦ انضمت تجربة "نهايات سعيدة" للمخرجين ندى رياض وايمن الأمير إلى قائمة المواد المصورة التي استطاعت أن تجتاز عتبة النبرة الأنفعالية والأحتفائية بالحدث إلى شكل فيلمي حقيقي، خاصة على مستوى وجهة النظر والخفقات الشعورية والتساؤلات المطوحة في هواء البحث عن إجابات بعيدة، وعبر لغة بصرية محملة بحساسية حقيقية وفهم متزن لطبيعة الوسيط (السينمائي) ونوع (الدراما) التسجيلية الذي تم تقديم سياقات السؤال العام للفيلم من خلالهم.
 
يبدأ الفيلم بمونتاج متوازي بين احتفالية لمجموعة من الأصدقاء بمناسبة خاصة وبين لقطات للحراك الشعبي في ٢٠١١ كأنه ارهاصة بميلاد جديد أو احتفاء بحدث مميز أو ربما رصد للحظة انتقال ما بين حالة لاهية غير مكترثة إلى حالة جادة من التساؤل والحيرة التي سريعا ما ننتقل إليها عبر لقطات من الشارع للجماهير الكثيرة دون تحديد واقعة بعينها مع انطلاق صوت الراوية -التي يبدو ظاهريا أن الفيلم يُحكى من وجهة نظرها- لتطرح وهي حائرة تبحث بعينيها وسط هذه الجموع عن معنى وعن اجابة لأزمتها الخاصة –المتعلقة بسفر حبيبها وشريك رحلتها الشعورية والفكرية- والتي تشكلت عبر الأزمة العامة للمجتمع ككل.
 
يبدأ الفيلم بسؤال (ايهما اقسى على قلب الراوية ومشاعرها وافكارها ؟ الحراك الذي تم اجهاضه أم سفر الحبيب) وينتهي ايضا بسؤال صامت ولكنه اكثر اتساعا بقدر اتساع البحر التي تقف امامه ندى/الراوية والذي لم تفلح رحلتها مع الفيلم في الاجابة عنه ولكنها اطلقت المزيد من الاسئلة التي لا يمكن اعتبار الاجابة عن اي منها نهاية سعيدة!
 
ما بين قوسي السؤال والبحر يبدو الفيلم كأنه طموح نضالي لأن تبقى الذاكرة محملة برائحة تلك اللحظات الغريبة من الحيرة والتخبط وغموض الخطوة القادمة، في رحلة البحث عن الأجابات عن كل ما هو ظاهر – مثل العلاقة بين الرواية وحبيبها المسافر- او الباطنية – مثل البحث المتواصل عن مفهوم الوطن والمستقبل والثورة والخلاص-   تفلح التجربة الفيلمية في جعل السؤال الخاص كالحكة الذهنية التي تنتشر داخل رأس المتلقي خاصة مع وجود تلك القدرة اللغوية البصرية والدراما التسيجلية التي سبق واشرنا إليها أو كما تقول ندى وهي جالسة مع ايمن على القهوة يلعبون الطاولة (هو انا لازم العب كل الحاجات..ما ينفعش العب زهرة واحدة) أنه سؤال يجعل الحيرة اقرب للشعور بأن الواقع قدري كزهر الطاولة طالما ارتضيت أن تلعب فلا فكاك من ان تعلب ارقام الزهرتين لا زهرة واحدة.

سفر دائم

في السينما تحفز الصور من مجازات الحكي وتنحي الثرثرة جانبا لصالح التكثيف، بعد وصول الحبيب من السفر وبينما تنشغل الحبيبة بمداعبة اصابعه نراه وعينا الكايمنا التي هي عينياه لا تقع سوى على الزحام وتكدس السيارات الرهيب كأحد مظاهر التخلف المجتمعي والشعور بالحصار الدائم.

الوصول من السفر بالنسبة لندى وايمن ليس سوى تكئة للصدام حول فكرة البقاء أو الهجرة، ولكن كما يقول الصوفية فأن كل شئ في سفر دائم، يلعب الفيلم بصريا على مجاز السفر والحركة الدائمة فكثير من لقطات الثنائي ندى وايمن هي لقطات تجمعهم بحركة لا تنتهي، سواء في جلوسهم في التاكسي أو السيارة او القطار الذين يكبونه للسفر إلى القاهرة حتى يمكنهم تحرير مساحة للأختلاء العاطفي، بل أن الصورة تكرس لحالة الدوار الحركي التي تؤرق ندى عبر موتيفات بصرية شديدة الأتساق وهما رغبتها في تعلم قيادة الدراجة و ركوبها لمراجيح في الملاهي التي تمثل معادل واضح جدا لحيرة ندى – وجيلها- حيث نراها وهي تدور بها بشكل يجعل كل المحيط غائم وغير مستقر ومشوش، ثم نراها مرة أخرى بعد سفر الحبيب وهي لا تزال تدور غير مستقرة لأنه ما من أجابة واضحة وسط هذا السفر.

اما تعلم ركوب الدراجة وذلك التعثر الواضح وعدم القدرة على ضبط الأتزان فهو كما يبدو مرتبط بشكل اساسي بسياق العلاقة بين ندى وايمن من ناحية وبين ندى والواقع من ناحية اخرى، هذا الواقع الذي يفشل في منحها ما تحلم به وينجح في افشاء الأحباط المستمر داخل تفاصيل حياتها.

يفلح الجلوس داخل مركبة سياق بصري متحرك كالسيارة أو التاكسي او القطار – الذي نرى من خلف زجاجة المتسخ الواقع كما يشعر به ابطال الفيلم- في بث ايقاع رشيق شعوريا وذهنيا داخل الفيلم خاصة مع طبيعة التفاصيل العادية جدا والمؤثرة جدا في نفس الوقت التي ترصدها عينا ايمن وندى في حركتهم بالكايمنا داخل المركبات التي ينتقلون عبرها.

بل أنه حتى في اللقطات الذي تبدو الحركة فيها ثابتة نسبيا مثل جلسوهم امام شاشة المونتاج لمشاهدة لقطات من الفيلم الذي تصوره ندى عن فكرة المقاومة أو السفر نصبح أمام حركة (التايم لاين) أو شريط العرض الخاص بالمادة المصورة والموجودة على (جهاز المونتاج) وهي حركة مجازية في الزمن تنتقل بنا بين ثلاثة اجيال الجيل الأول للمصري الأمريكي الذي هاجر قبل سنوات طويلة واستقر بالخارج لكن ظل الوطن قابعا بداخله متجسدا في طيف زوجته الراحل ثم الجيل الثاني الذي يمثله والدا ندى اللذان ينتميان لجيل السبعينيات المهزوم سياسيا و(انفتاحيا) وهو الجيل الذي سافر لكنه لم يهاجر وعاد ليشاهد شروق الشمس على كورنيش الأسكندرية والجيل الثالث وهو جيل ندى وايمن والمتمثل مجازيا في الشاب المصري وزوجته المغربية والذي كان رافضا لفكرة السفر ثم قرر أن يعيد سيرة الجيل الأول بالهرب من الواقع المأفون الذي لم تعد هناك جدوى من مقاومته او السعي لتغييره.

يسكري كل من ايمن وندى كمخرجين وكأبطال لرحلة السؤال هذه الحركة الدائمة وتلك المجازات المتعلقة بالسفر في سؤال مكثف وحاسم (هو أحنا لا زم نسافر علشان نكون سوا ! )
 

كراسي معلقة

تشعرنا لقطات المراجيح الطائرة في الملاهي خاصة بتركيبتها الدرامية التي هي عبارة عن كراسي معلقة بسلاسل طويلة تجعلس من يجلس عليها اشبه بالماريونيت الفاقد للقدرة الذاتية على الحركة والذي تتحكم فيه خيوط علوية هي صاحبة السلطة على كيانه وفعله، تشعرنا هذه اللقطات بحجم الوعي البصري بالمضمون الذي يحاول الفيلم طرحه دون افتعال، تكرس الصورة لتاريخ الشخصيات وواقعها بما يتفق مع المبدأ الأساسي للحكي عبر وسيط السينما، أن جلسة والدا ندى فوق صالون مذهب وبشعر الأم غير المحجبة يختصر جانب كبير من تاريخ عائلة ندى وخلفايتها الأجتماعية في مقابل وجود سجاجيد الصلاة المطوية بين ملاءات السرير والكدس المكدسة في شقة عائلة ايمن (مساحة الأختلاء بين الحبيبن) تكثف تاريخ ايمن الأسري والأجتماعي والنفسي- خاصة فيما يتعلق بأذدواجية المثقف تحديدا سواء في علاقته بندى او بمجتمعه وواقعه- هكذا يمنحنا الوسيط مسارات الحكي دون حصار ميلودرامي بالخطابية التي هي فخ اصيل لكثير ممن حالوا ربط الخاص بالعام فيما بعد ٢٠١١.

إننا نرى ندى من وجهة نظر عدسة نظارة ايمن وهي صغيرة جدا كأنها صغيرة في عينيه أثناء جلسة النقاش بين مجايليهم من الشباب صاحب نفس الأسئلة والمشاعر تجاه الواقع، ونرى ندى وهي تهبط بالأسانسير في لقطة قاتمة عقب مواجهة أمها العنيفة بأن جيلهم – جيل ندى وايمن- جيل غير مهذب وفاشل ومتعالي وأن فلسفته الحياتية اجلت تحقيق أحلامهم لأجل غير مسمى.

أن فشل ايمن في تعليم ندى لقيادة الدراجة هو اعتراف بفشلهم الخاص في الحفاظ على التوزان والتركيز والخوف المستمر من القادم لأنه مجهول أكثر من اللازم وهو ما تم تلخيصه بدرامية ملفتة في لقطات محاولات ندى تعلم القيادة.

تبقى الأشارة إلى ان تحفظ الرقابة في مصر على عرض الفيلم هو ذاته ما يمنح تصورنا عن فكرة نضال الذاكرة وجاهته التحليلية، فالواقع الحالي بمختلف سياقاته ضد أن يصبح لأسئلة سنوات الحراك أي نتوء ظاهر في المشهد العام.

لا مجال حاليا لأعادة تذكر المسيرات والتظاهرات والمواجهات، فاستعادة ذلك الأرشيف يجعل الحقيقة أكثر مرارة واكثر فضائحية من أي وقت مضى، لأن (الأن) كما تعودنا يعري (ما سبق) وتلك هي قيمة (الذاكرة) حين تكرس لها (السينما) مساحتها ويمنحها (السؤال) مشروعية أن تقاوم الطمس او الحذف أو التشويه، أو كما تعلن ندى في المونولج الأخير بالفيلم أمام البحر :

(واننا مع الوقت ممكن انسى الاحداث والتواريخ
واتلخبط في التفاصيل والناس
لكن كل اللي شيفاه دلوقتي
هو صورتي وانا اكبر في السن
وقاعدة بتفرج على الفيلم ده
واول ما بيشتغل
بفتكر أنا هنا ليه)