عيد التفاهم

Christmas tree decorations
© pixabay

تحتفل تقريباً معظم العائلات في ألمانيا بعيد الميلاد (الكريسماس)، فهو يُمثل أهم الأعياد المسيحية، ولا تقتصر رمزيته على أصله المسيحي فحسب، بل هو أكثر من ذلك بكثير. تحكي عائلة هيرشل ما يعنيه عيد الميلاد بالنسبة للكثير من الألمان.

يعد موسم الكريسماس شيئاً مميزاً بالنسبة  للعديد من الناس في ألمانيا، ففيه تملأ البهجة وجوه الأطفال، كما يتولى الأبوين شراء الهدايا، ويشترك الجميع في تزيين شجرة عيد الميلاد. إنه وقت مليء بالذكريات عن التأمل والسكينة والشوارع المُغطاه بالثلوج والحقول. يجمع عيد الميلاد في يومنا هذا بين كونه رمزاً  للعائلة الدافئة المريحة  وضغط الحياة في الوقت نفسه.  فمن يبحث عن المعنى العميق لهذا العيد ذو الأصل المسيحي، فيُمكنه الاستعانة بإلكه هيرشل للرد على أسئلته.

تبلغ السيدة هيرشل من العمر ٨١ عاماً وهي لازالت العقل المُبدع لسوق عيد الميلاد المُقام في مدينة لايبتزيج الألمانية، فهي تقوم منذ ٤٠ سنة بالظبط بتصميم شخصيات دنيا الخيال في سوق عيد الميلاد. وتعتبر حكايات الأخوة جريم جزء من الأسابيع الأربعة قبل عيد الميلاد في أماكن عدة، كما تظل الحكايات مثل ذات الرداء الأحمر، و الذئب والصغار السبعة من القصص المُعتادة لدى العديد من الأطفال حتى اليوم. يستطيع الأطفال في سوق عيد الميلاد في مدينة لايبتزيج، والذي يعتبر من أجمل أسواق عيد الميلاد في ألمانيا، التجول في دنيا الخيال الواسعة الخاصة بإلكه هيرشل، وتتبُع القصص المُفضلة لديهم. لازال لدى إلكه أفكار كثيرة، فجميع الشخصيات الضخمة المُصممة بكل دقة  وحب هي من صنعها. أوضحت إلكه أن عملها لايُرهقها، لأنها ترى حماس الأطفال، كما أكدت أن هذه هي مهمتها في الحياة التي تجعلها تشعر بأنها أصغر سناً.

تقوم إلكه هيرشل بتجسيد ما يحبه الكثيرون في ألمانيا ويربطونه بعيد الميلاد، فالأساطير تُمثل أيام الخوالي وتُذكر الناس بزمن الماضي الجميل. ولأن القصص معروفة بالنسبة للأغلبية فهي تعمل على خلق شعور وطنى موحد عابر للحدود الاجتماعية. ويقوم الجدان برواية القصص للأحفاد، خاصة في عيد الميلاد حيث أنه هناك متسع من الوقت خاصة في هذا التوقيت من السنة. كما تجتمع العائلة بأكملها في هذا التوقيت، حتى الأولاد و الأحفاد الذين يعيشون بعيداً عن بلدهم بسبب دراستهم أو عملهم.  كما يهدأ الشعور المُنتشر لدى الجميع بضغط الحياة والعجلة في الفترة ما بين عشية عيد الميلاد وليلة رأس السنة بشكل ملحوظ.  ويتذكر الناس العادات والتقاليد القديمة ويفكرون كذلك في الطبيعة والعائلة.

وهذا ما يُلاحَظ بشكل خاص في عائلة هيرشيل، حيث تعمل يوديت هيرشل ابنة إلكه هيرشيل والبالغة من العمر ٥٤ عاماً في  قطاع الدعاية والإعلان، مما يعتبر مجال سريع الخطى. فحينما قررت أن تعطي مساحة أكبر لإبداعها، جائتها فكرة صناعة البطاقات البريدية مُستخدمة القماش. وبهذه الفكرة استطاعت أن تصل لما هو مطلوب الآن، حيث أن الكثير من الشعب الألماني أصبح يُقدر العمل اليدوي من جديد. وقد عاد إرسال البطاقات البريدية المكتوبة بخط اليد من الأمور المُفضلة، خاصة خلال الأسابيع الأربعة قبل عيد الميلاد. استغلت يوديت هيرشل هذه الفكرة وأدخلت أشكال الأقمشة التي لها علاقة بعيد الميلاد لتكون جزء من تشكيلتها.

Elke Herschel auf ihrem Balkon in Leipzig Photo: © Christopher Resch بطبيعة الحال، يُمثل ذلك بالنسبة ليوديت عملها الذي تؤديه، لأنها تقوم ببيع هذه البطاقات في النهاية.  ولكن هناك كثير من الناس الذين لايروق لهم ظهور وتكاثر مُنتجات جديدة خاصة في موسم عيد الميلاد، لأن البحث عن الهدايا المُناسبة هو جزء من هذه الفترة بالنسبة لهم، والأفضل هو شراء الكثير من الهدايا نفسها، وحبذا شراء الهدية المناسبة والأفضل لكل شخص، مما يجعل عملية شراء الهدايا مرهقاً وشاقاً.  فمشاهدة النساء والرجال المُسرعة بارتباك في مراكز التسوق هي الصورة المعتادة في الأيام قبل أعياد الميلاد. ولكن بدأ المجتمع تدريجياً إدراك أن القليل أحياناً ما يكون أكثر. ويسري ذلك أيضاً على الزينة، حيث يقوم تقريباً الجميع بتزيين بيوتهم في ألمانيا في الأسابيع الأربعة قبل أعياد الميلاد،  سواء كان ذلك من خلال الشمعدان المُستخرج من جبال الخام والمعروف باسم " Schwibbögen"  أو النجوم المضيئة في النوافذ، أو كرات شجرة عيد الميلاد " Christbaumkugeln " التي تُزين بها شجرة عيد الميلاد. بل وأيضاً الشجرة نفسها، فهي تمثل الرمز الأكثر وضوحاً وارتباطاً بموسم عيد الميلاد. والاشتراك في تزيين الشجرة، بل وكذلك قيام الناس بنزعها بأنفسهم من الغابة أمور تعتبرها الكثير من العائلات جز ء لايتجزأ من الأسابيع الأربعة قبل عيد الميلاد.

كما تشترك في عائلة هيرشل الأجيال المُختلفة في تعليق زينة عيد الميلادـ، حيث تقوم حفيدة إلكه، أنتونيا التي تبلغ من العمر ٢٠ عاماً، قبل انطلاق الأسابيع الأربعة قبل عيد الميلاد بفترة قصيرة، تقوم بإعداد وتصميم الغرفة التي ستحتاجها والدتها يوديت لعرض البطاقات البريدية الخاصة بعيد الميلاد  المصنوعة من القماش للبيع. فربما توارثت هذه السيدات هذه الجينات الإبداعية، ولكن لايقتصر ذلك على موسم عيد الميلاد فحسب، لأن أنطونيا هيرشيل اعتادت أن تصنع الأعمال الفنية اليدوية مع جدتها في السابق.

ربما لاحظ القارىء عدد المرات التي ذُكر فيها كلمة"المسيح"  (Christ)في هذا النص، وهي جاءت مرة واحدة فقط وكانت مُتخفية في مصطلح " Christbaumkugeln " (كُرات شجرة أعياد الميلاد، أي كرات شجرة المسيح - إن جازت الترجمة الحرفية*)ـ  ولم يأتي ذلك على سبيل الصدفة.  فلاشك أن الكثيرين  يذهبوا في عشية عيد الميلاد أو في أول يوم من عيد الميلاد إلى الكنيسة، وهم يعرفون قصة مولد المسيح –  فهذا بالفعل هو موسم الاحتفال بذلك، و الذي تُغنى وترتل فيه الأغاني المعروفة مثل أغنية " Stille Nacht, heilige Nacht " وهي من صنع ممثلي الكنائس. وبالرغم من كل ما ذُكر حتى الآن عن ارتباط هذا العيد بالديانة المسيحية وأصله المسيحي، إلا أن هذا الرتباط لم يعد أمراً محورياً، خاصةً في شرق ألمانيا، أي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية حيذاك، حيث كانت تقوم الدولة بقمع الدين هناك. أيضاً عائلة هيرشيل من  جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، وتقع مدينة لايبتزيج في شرق ألمانيا.

ولكن هناك بعض الأمور المُرتبطة بعيد الميلاد، مثل العائلة، والعمل الخيري، والهدوء والراحة، وهي سبب يجعل الناس يحبون ويقدرون عيد الميلاد بهذا القدر– وكلها  أمور في أصلها مسيحية للغاية، ولكنها لا تقتصر على كونها مسيحية فقط، لأن المسيحية وغيرها من الأديان الأخرى لم تقوم بالاستيلاء على هذه القيم لصالحها فقط، بل على العكس، فهي قيم يستطيع الجميع في هذا العالم التواصل والتفاهم على أساسها، وهذا ما يرمز إليه عيد الميلاد وغيره من الأعياد الدينية الأخرى، ويجعله ثميناً ذات قيمة عالمية وهي التفاهم بين الناس.