نافيد كرماني على دروب اللاجئين في أوروبا

refugees and migrants
© CC0 via pixabay.com

"كانت ألمانيا التي غادرتها في نهاية سبتمبر من عام 2015 قد صارت رقيقة القلب على نحو غريب، رأيت أجانب في محطات السكك الحديدية بالمدن الكبيرة راقدين على مراتب خضراء من المطاط الإسفنجي ما بين المسافرين المسارعين للخروج من المحطة أو اللاهثين من أجل اللحاق بقطاراتهم، لم يخيفوهم ليبتعدوا، ولم يغضب أحد بسبب الفوضى التي استشرت في المحطة، لا بل إن سكانًا محليين يرتدون سترات صفراء كانوا يجثون إلى جوارهم لإمدادهم بالشاي، أو الخبز، أو حتى ليلعبوا مع أطفالهم".

 بهذه الكلمات يفتتح الكاتب الألماني من أصل إيراني نافيد كرماني كتابه "بزوغ الحقيقة..على دروب اللاجئين في أوروبا" متتبعًا رحلات المهاجرين من دول الشرق والجنوب الذين وصلوا إلى أوروبا بالقوارب، واصفًا ما يواجهونه من معاناة أملًا في حياة أفضل، ومتسائلًا حول قيم الحرية والعدالة والمساواة ومدى التزام الحكومات والمجتمعات الأوروبية بها في تعاملها مع اللاجئين.

 كرماني الذي زار العاصمة المصرية القاهرة في الفترة من ٢٢ إلى ٢٥ أكتوبر ٢٠١٨؛ للاحتفال بصدور الترجمة العربية لكتابه "بزوغ الحقيقة..على دروب اللاجئين في أوروبا" الصادر عن دار صفصافة بترجمة الدكتورة: نرمين شرقاوي، ورواية "حب كبير" الصادرة عن دار الكتب خان بترجمة: أحمد علي، استقبل بحفاوة كبيرة من القراء المصريين والألمان المقيمين في مصر.

بزوغ الحقيقة

تحدث كرماني في لقاءه بمعهد جوته بالقاهرة عن رحلته مع كتاب "بزوغ الحقيقة..على دروب اللاجئين في أوروبا " وهو سلسلة مقالات صحفية نشر بعضها في صحيفة "دير شبيغل" الألمانية، مشيرًا إلى أن أزمة اللاجئين تمثل نقطة تحوّل في التاريخ الأوروبي، فمن خلالها سيتحدد إن كانت "أوروبا كمشروع سياسي، مبني على التعددية، يمكنه الاستمرار أم لا".

بزوغ الحقيقة من كرماني © صفصافة وأضاف:" كل لاجيء هو في حد ذاته بزوغ للحقيقة، فنحن نرى هذه الحقيقة في اللاجئين المتفرقين أمامنا في المدارس والشوارع، فكل لاجيء يروي قصة من كل الكوارث التي كنا نسمع عنها، والآن لم تعد أنباء نسمعها ولكنها حقائق نعيشها".

أشار كرماني كذلك للحضور المتزايد للتيارات اليمينية في أوروبا، وما تمثله من خطر على قيم الديمقراطية ومبادىء الحرية والعدل والمساواة، موضحًا أن بعض الحكومات الأوروبية ساهمت عن قصد في ترويج صورة سلبية عن اللاجئين مثلما فعلت  الحكومة اليمينية للمجر، من خلال تركها اللاجئين يفترشون المتنزهات العامة ومحطات القطارات بلا تقديم أي مساعدة، كي تسوء أحوالهم، ومن ثم يشعر المواطنين المحليين بالذعر، ويتبنوا رؤى الحكومة في عدم استقبال اللاجئين وطردهم.

حب كبير      

أما في لقاءه الثاني الذي أقيم بمكتبة الكتب خان في ضاحية المعادي جنوب القاهرة للاحتفال بصدور الترجمة العربية لروايته "حب كبير"؛ فتحدث  كرماني عن  زيارته السابقة للعاصمة المصرية القاهرة، ورحلته مع التراث الإسلامي وخاصة الأرث الصوفي الحاضر بقوة في روايته التي تدور أحداثها حول قصة حب مراهق ألماني لفتاة تكبره في السن، وتعكس الرواية وجوه متعددة لفلسفة الحب الصوفية.

مثل معظم كتابات كرماني تدور أحداث الرواية في منطقة وسط بين الحضارة الشرقية والغربية، ويختار كرماني في روايته مفهوم "الحب" كمدخل للتواصل بين الثقافتين عبر العودة للتراث الصوفي الإسلامي، حيث "الحب" هو محور الكون عند المتصوفة المسلمين.

يشير كرماني إلى أنه عندما جاء إلى القاهرة أول مرة منذ سنوات وجد أن كل ما تعلمه في ألمانيا وأوروبا كفن يحدث هنا في مصر كدين، ويضيف: "للمرة الأولى بالنسبة لي كنت أري العلاقة بين الشعر والفن والدين بهذه الصورة، فالتلاوة القرآنية كمثال تظهر نوعًا من الموسيقى".

ويكمل:"القدماء من المتصوفة تعاملوا بحرية يصعب علينا اليوم أن نمارسها، لكن كثيرًا من الناس وحتى الكتاب والباحثين أنفسهم، نسوا ذلك، ولم يروا في التراث الإسلامي غير الصورة المتشددة، لذلك فالعودة للماضي ليست حلًا لمشاكلنا اليوم، ولكنها دعوة للبحث والتفكير والتساؤل".
 
Navid Kermani Photo: © Privat نافيد كرماني عضو الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، وكذا أكاديمية هامبورج للعلوم. وقد حصل على العديد من الجوائز عن أعماله من بينها "Buber-Rosenzweig-Medaille" (ميدالية بوبر- روزنتسفايج) وجائزة "Kleist-Preis" (كلايست). وفي عام ٢٠١٤ حصل كرماني على جائزة "Joseph-Breitbach-Preis" (جوزيف برايتباخ) عن مجمل إنجازاته وهي الجائزة الأدبية الأعلى شأنًا في ألمانيا.