كتب الحافلة التي مكنتني من اكتشاف العالم

Book Bus BUMPER, Moscow هاتيدچه أكون
إحدى المكتبات المتنقلة من الداخل | تصوير (مقطع): © readymedia.com
صورة (مقطع): تصوير: © أندريه ريفال

كان لمكتبة دويسبورغ المتنقلة الأثر الأكبر في تغيير حياة الكاتبة هاتيدچه أكون. وأخيرًا سنحت لها الفرصة لمقابلة من أطلق هذا المشروع.
من تقديم هاتيدچه أكون

صعدت على متن تلك الحافلة لأول مرة في صيف عام ۱۹۷۸. كانت تتوجَّه إلى مجمع ماركسلوه السكني المخصص لعمال المناجم في دويسبورج مرة أسبوعيًا وتتوقف في محطتها بالقرب من منزلنا. وتظل واقفة هناك على مدى ساعة كاملة ثم تنطلق لتواصل طريقها، بعد أن أترجَّل منها. إنها لم تكن حافلة تقليدية، بل مكتبة متنقلة. أو بالأحرى مكتبتي المتنقلة.

تعلَّمت اللغة الألمانية في شوارع ماركسلوه. لا أتذكَّر كيف، ولكنني أتذكَّر فقط أن أبي كان دائمًا ما يقول لي: "اخرجي والعبي مع الأطفال الألمان." كان يقولها بالتركية، لأننا لم نكن نتحدث في المنزل سوى بالتركية. إن أول كلمة ألمانية تعلمتها، حسبما أتذكر، كانت هي كلمة "Rotzlöffel" (الطفل الشقيّ المزكوم). كنت أسرق ذات يوم بعض حبات الكشمش من حديقة جارتنا "أنِّي"، فرأتني وصاحت قائلة: "أيتها الشقيَّة!" ولم أكن أعرف حينها معنى الكلمة.

كنت أبلغ من العمر تسعة أعوام حين صعدت لأول مرة على متن المكتبة المتنقلة. كانت لغتي الألمانية جيدة، على عكس أبويّ. فلم يجيدا القراءة والكتابة حتى باللغة التركية. ولكنني لم أكن قد رأيت حتى ذلك الحين سوى الكتب المدرسية فقط ولم أمسك بكتاب قصصي حقيقي بين يدي. ولم يكن لدينا في المنزل سوى القرآن، موضوع على رف خشبي صغير وبجواره نتيجة ذات أوراق تُنزَع يوميًا مدون عليها أوقات الصلاة. 

أكنتُ أنا صغيرة إلى هذا الحد، أم كانت الحافلة ضخمة إلى هذه الدرجة؟ صعدت سلم الحافلة المكوَّن من ثلاث درجات ووجدت أمامي سيدة تقف بجوار منضدة. خاطبتني قائلة: "فلتتفضلي"، "ستجدين كتب الأطفال في الخلف." لم يخطر ببالي في هذه اللحظة ردًا مناسبًا. ظللت واقفة أمام إحدى الأرفف، أميل برأسي جانبًا لأقرأ العناوين على كعوب الكتب. عم كنتُ أبحث في حقيقة الأمر؟ سحبتُ "أساطير جريمّ" من بين الكتب وتصفحتها وهمستُ لنفسي قائلة: "كان يا مكان". ثم أعدتها مرة أخرى إلى مكانها على الرف مجددًا.

نادتني السيدة من الطرف الآخر للحافلة قائلة: "يمكنكِ أن تأخذيه معكِ إلى المنزل." يبدو أنها كانت تراقبني. كانت ترتدي ثوبًا أزرق فاتح، ليس قصيرًا كثياب أمهات صديقاتي الألمانيات وليس طويلًا كثياب أمي. ثم قالت لي: "ينبغي أن يقوم أبواك بملء البيانات والتوقيع هنا"، وأعطتني في يدي بطاقة صغيرة مكتوب عليها: "اشتراك المكتبة"، وأدنى العنوان مجموعة من الأسطر مخصصة للاسم وتاريخ الميلاد والعنوان، وكُتِبَ في الأسفل: "يُرجَى إحضار هذا الاشتراك معكم على الدوام."

وما أن عرفت بأمر الاشتراك حتى تلاشت سعادتي. كيف كان بإمكاني أن أقنع أبي وأمي بالتوقيع على هذا الاشتراك؟ وضعت البطاقة في جيبي ودفعتُ الباب في يأس لينفتح. خشيت أن يمنعني أبي من قراءة كتب أخرى عدا القرآن. ففعلت ما قد تقدم عليه أية فتاة في مكاني في هذا الموقف: أخذت القلم وتسللت إلى العريشة الكائنة بحديقة منزلنا وسحبت البطاقة من جيبي وبدأت أكتب عليها اسمي "هاتيدچه أكون" وتاريخ ميلادي وعنواننا – ووقعت باسم أبي. لم يكن من الصعب تزوير توقيعه، فقد كنتُ رأيته ذات مرة وهو يربط في توقيعه بين حرفي الراء والألف على هيئة دائرة، إنها الأحرف الأولى من اسمه ولقبه. واحتفظت بالبطاقة تحت وسادتي على مدى سبعة أيام. وكنت أتأكد من وجودها في مكانها في كل ليلة، لأتحقق ما إن كانت أمي قد وجدتها بينما ترتب الغرفة.

وذهبت يوم الخميس التالي إلى محطة حافلة الكتب. وفي هذا اليوم كانت سيدة الحافلة ترتدي ثوبًا أخضر، وابتسمت لي حين أعطيتها البطاقة. عدتُ في هذا اليوم بكتب كثيرة إلى المنزل، بقدر ما استطعت أن أحمل، وخبأتها أسفل فراشي. وفي المساء، كنت أمسك بالكشاف اليدوي وأقرأ خلسة تحت الغطاء. وكان أول كتاب أقرأه بعنوان "Märchen aus 1001 Nacht" (أساطير ألف ليلة وليلة)، وهي قصص عن قصور فخمة وبُسُطٍ طائرة وأميرات جميلات ورجال شجعان. حلمت في هذه الليلة بشهرزاد، تلك التي تعيش في عالم القصص الخيالية الذي لا وجود له على أرض الواقع. أعلم ذلك. ورغم ذلك كنتُ أشعر أن ثمة شيء يربطني بها، رغم أنني لم أفهم حينها الحيلة التي قامت بها لتفلت من الموت. ربما شعرت بالقرب منها لما بيننا من تشابه، فقد كان شعرها أسود طويل وعيناها بنيتين مثلي. أو ربما لأنها كانت ترتدي ثيابًا كتلك التي ترتديها النساء في قريتنا بالأناضول؛ ثياب ملونة وطويلة من القطيفة.

كثيرًا ما كانت صديقاتي الألمانيات تعلقن على غرابة أسرتي. انتقل أبي عام ۱۹٦۹ إلى ألمانيا وكان يعمل في منجم. وحينما كان عمري ثلاثة أعوام أرسل إلينا أنا وأمي وشقيقتي الكبرى للحاق به. كنَّا نأكل على نحو مختلف، نتحدث على نحو مختلف وكانت أمي ترتدي حجابًا. كانت تلك القصص التي أقرأها في الكتب تهدئ من روعي، لأنها كانت تشعرني أن هناك فتيات أخريات أكثر غرابة مني، وتمنحني الفرصة للغوص في عوالم أخرى، من كتاب إلى كتاب، ومن قصة إلى قصة؛ كقصص الجميلة النائمة وسندريلا وذات الرداء الأحمر والأصدقاء الخمسة لـ إنيد بلايتون ومجلدات هانِّي ونانِّي التي تدور أحداثها حول توأمتين تعيشان في مدرسة داخلية. لم أكن أعلم حينها ما هي المدرسة الداخلية، ولم يكن بإمكاني حتى أن أتصور أن فتيات في مثل سني يذهبن إلى المدرسة على خيول. كان ينبغي عليّ آنذاك أن أذهب إلى درس القرآن بعد المدرسة. جعلتني القراءة أكتسب لمحة جديدة عن العالم، لمحة لم أعهدها من قبل. وكنت آلف اللغة الألمانية أكثر فأكثر مع كل قصة جديدة ومع كل كتاب جديد أحمله معي من الحافلة. كان زملائي في المدرسة يضحكون على لغتي الألمانية في بعض الأحيان، فقد كانوا يتحدثون بلهجة منطقة الرور الألمانية، فيقولون على سبيل المثال "mamma Fensta auf" (افتحي النافذة) أو "mamma Tür zu" (افتحي الباب)، أما اللغة الألمانية المستخدمة في عالمي، عالم الكتب، فقد كانت اللغة الفصحى، حيث يُقال: "Fenster öffnen" أو "Fenster schließen".

تثير الكتب فضول المرء، وسرعان ما يتحوَّل هذا الفضول إلى معرفة. لم أكن أدرك ذلك في طفولتي لكون أبواي أميّين، ولم يكن بإمكانهما قراءة قصص لي. ولكنَّ القصص كانت تعطيني لمحة عن أنماط الحياة المختلفة، لا صحيحة ولا خاطئة، بل مختلفة فحسب. وكانت تصف المشاعر، كالحب والصداقة، بكلمات لم أعهدها حتى ذلك الحين،فكنتُ أتعجَّب من وجود لغة ألمانية لا تستخدم حتى من قبل أصدقائي الألمان.

لقد كان هذا العالم الخارجي الذي انتقلت إليه غريبًا عليّ، وكانت اللغة هي التي تقرِّبني إليه أكثر فأكثر وتجعلني أنجذب إليه بشدة. ففي كل يوم من أيام الخميس كنت أقف في المحطة حتى من قبل وصول الحافلة في معظم الأحيان. وكنت أول من يصعد على متنها في أغلب الأحيان، ويأتي من بعدي أطفال آخرون، ورجال ونساء من الأتراك. كان حي ماركسلوه أحد الأحياء التي يتمركز فيها المهاجرون وكان هؤلاء الأتراك لا يجيدون اللغة الألمانية، فيأتون إلى المكتبة وهم يحملون معهم خطابات الهيئات الرمادية اللون، لأنه لم يكن بإمكانهم فهم المكتوب بداخلها. وكان العاملون في الحافلة من اللطف بحيث يترجمونها لهم.إلا أن أبي وأمي لم يفعلا ذلك، لأنني كنت أترجم لهما تلك الخطابات بنفسي، بل وكنت أترجم لهما أيضًا ما يُقال في عيادة الأطباء وفي المقاهي. أصبحت الحافلة بالنسبة للعمال الأجانب بمثابة مركز متنقل للاستشارات، وتحوَّل موظفو المكتبة المتنقلة إلى مترجمين فوريين ومرشدين اجتماعيين بقدر ما تسنى لهم ذلك.

كنت قد أصبحت فتاة بالغة بالفعل حين اعترفت لوالدي أنني زوَّرت توقيعه لأحصل على اشتراك المكتبة، وضحك حين أخبرته بهذا الأمر.
وفجأة عادت إليّ كل ذكرياتي عن المكتبة المتنقلة، الحافلة والكتب والسيدة التي كانت ترتدي ثوبًا، رغم أنه كان قد مر عليها ما يقرب من ٤۰ عامًا. أعادتها إليّ مقابلة تلفزيونية شاركت فيها كضيفة في برنامج حواري عُرِضَ على محطة 3sat، وهي إحدى المحطات المتخصصة التابعة للتلفزيون الرسمي، وذلك في يوم من أيام الإثنين، بالتحديد في ۳۰ نوفمبر ۲۰۱٥ في الساعة ۱۰ ۱۱ مساءً، حيث من كان ليشاهد البرنامج في هذا الوقت المتأخر؟

كان المذيع منبهرًا، على نحو مبالغ فيه قليلًا، بـ "لغتي الألمانية المثيرة للانتباه". كنت أشعر وكأنني حصان في سيرك، يعرضونه في موكب باعتباره قدوة يحتذى بها في إطار قضية الاندماج في المجتمع. وتحدَّثت في البرنامج عن قصة المكتبة المتنقلة، وعن اكتشافي إياها وأنا طفلة، وكيف أثَّر ذلك على إدراكي للغة الألمانية. لم يكن بشيء جديد، فلقد سردت تلك القصة مرارًا، في الحوارات وفي كتبي أيضًا. ولكنّ هذه المرة كانت مختلفة، إذ تلقَّيت بعد عرض الحلقة بريدًا إلكترونيًا.

"تحدثتم عن التقائكم بالكتب في مكتبة دويسبورج المتنقلة. تأثَّرت كثيرًا، وذلك لأسباب شخصية جدًا، فقد كنت مسئولًا بوزارة التربية والتعليم ببون في السبعينيات، وقمت في إطار عملي بإطلاق وتمويل مبادرة المكتبة المتنقلة في دويسبورج باعتبارها مشروعًا نموذجيًا. سعدت كثيرًا برؤية ما وصلتم إليه الآن في مساركم المهني وشعوري بأنني ساهمت قليلًا في ذلك. إنها إحدى الاستثمارات التي كان لها أثر طيب. تحياتي القلبية، إرهارد شولته، أبلغ من العمر الآن ۷۷ عامًا."

عادت إليّ ذكريات وصور عديدة عن طفولتي وعن حي عمال المناجم وعن المكتبة المتنقلة. من هو هذا الرجل الذي أتاح لي بفكرته الفرصة أن أعمل كاتبة اليوم، بل وساهم بتلك الفكرة في وصول اللغة الألمانية بالممارسة إلى مستوى اللغة الأم بالنسبة لي؟ شعرت بضرورة الالتقاء به، وهممت بالرد على بريده.

وبعد ستة أسابيع كنت أقف في دويسبورج في المحطة قبيل وصول المكتبة المتنقلة. لازالت المكتبة المتنقلة موجودة،  والمحطة لا تبعد سوى بضعة مئات من الأمتار عن المحطة التي كنتُ أنتظرها فيها في الماضي.  إلا أن المتاجر التي كانت موجودة آنذاك ومنازل عمال المناجم ذات الحدائق والتي كانت تتألف من دورين، كل هذا لم يعد له وجود، مثله مثل عمال المناجم. إلا أن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو المداخن وما يتصاعد منها من أدخنة، وكذلك المشهد السماوي الخلفي وأفران الصهر.

غادرت دويسبورج في مطلع الألفية الثالثة، في بداية العقد الثالث من عمري. ليس رغبة مني في مغادرتها بأي حال من الأحوال، وليس لرتابتها، بل لأنها لم تتح لي فرصًا كافية على مدى حياتي بأكملها، ولم تترك أمامي سوى مجالًا محدودًا للغاية، يستشعر المرء طبيعته الخانقة بعد رؤيته للعالم الواسع الفسيح.

"مرحبًا سيدة أكون." التفت لأرى أمامي السيد إرهارد شولته، رجل ضخم، ملامحه ودودة، لديه شارب قصير ومهذَّب بعناية يشبه شارب والدي. يرتدي ملابس متواضعة، بنطالًا داكنًا من القماش وسترة خضراء داكنة، ويلف حول عنقه وشاحًا فضفاضًا، مثلما يفضل الرجال الأكبر سنًا ارتداءه. احتضنته وكأننا التقينا مجددًا بعد أعوام عديدة.

سألني قائلًا: "أليس المسجد الكبير هنا في الأنحاء؟" لازال المسجد قائمًا في الحي المعروف سابقًا بـحي عمال المناجم، شامخًا وضخمًا كما في ألف ليلة وليلة، وكأنه هبط من السماء مباشرة. كانوا يسمونه "أعجوبة ماركسلوه"، والسبب في تسميته بهذا الاسم هو أنه بُني عام ۲۰۰۸ دون مظاهرات ودون انعقاد مجالس سكانية مشحونة. لم يكن شولته قد دخله قبل ذلك فعرضت عليه أن أريه المكان من الداخل. وقف هناك مرتديًا جواربه في وسط باحة الصلاة في حالة من الفضول والاهتمام والانتباه، كحالي حينما صعدت لأول مرة على متن المكتبة المتنقلة. خاطبته قائلة: "إن المسجد ليس فقط مكانًا للصلاة، بل نقطة التقاء أيضًا." "مثله مثل المكتبة المتنقلة آنذاك." ارتسمت على وجهه ابتسامة. أخبرته كيف أنني كنت أذهب وأنا طفلة إلى مسجد كائن في مبنى سكني متداع. وأننا كنَّا نجلس لساعات طويلة في غرفة خاوية وباردة في معظم الأحيان لأن موقد الفحم نادرًا ما كان يعمل، وأنني تعلمت الأبجدية العربية ورغم ذلك لم أفهم القرآن.

سرنا عائدين إلى المحطة. لقد كانت منطقة ماركسلوه في نهاية الخمسينيات واحدة من الأحياء التجارية الراقية، والسيد شولته يعلم ذلك أيضًا. كانت تسمى بـ "أمريكا المصغرة"، وذلك لكثرة متاجر الفراء والمجوهرات. وازدهرت بها صناعات الفحم والصلب. قصدها العدد من العمال الأجانب، في البداية الإيطاليون ثم الأسبان ثم اليونانيون وأخيرًا الأتراك.

وأصبحت ماركسلوه اليوم "قبلة الأفراح" (Hochzeits-Mekka). تصطف متاجر أزياء العرائس والمجوهرات الذهبية ومصوري الأفراح على جانبي شارع فيسلِر، الذي لا يبعد عن محطة الحافلة كثيرًا. وتلك المحال ملكٌ لأبناء وأحفاد العمال الأجانب من الأتراك. ربما يرى البعض أنه لم يخطر ببالهم فكرة أفضل من التمسُّك بعادات وتقاليد وطنهم في ألمانيا، ولكنّ المسألة ليست كذلك. إنهم يوفرون الخدمات حيث يزداد الطلب عليها. تحددت ملامح ماركسلوه الجديدة من خلال المتاجر التركية المختلفة، ما بين محلات السوبرماركت والمخابز ومطاعم الوجبات الخفيفة. ولا يقاطع سلاسة هذا المشهد سوى إحدى أفرع بنوك الادخار. حينما كنت لا أزال أسكن هنا كان السوبرماركت يحمل اسم "شاتسلاين" والجزارة "شميدينج" و"ديكسن" والمخابز "فايشت" و"جيلبِرت". وكان هناك ناديًا للرقص يحمل اسم "دامشِن" وحانة باسم "هنزا كروج". وكنَّا نشتري الأزهار لدى متجر "بلومِن كروجِر".
ها قد وصلت الحافلة أخيرًا. إنها حافلة عامة مدهونة باللونين الأزرق والأبيض كما في السابق، ولكنها بدت أصغر بكثير. ولم يعد هناك سلم يؤدي إلى الحافلة لأنها أصبحت متاحة أمام ذوي الاحتياجات الخاصة. ذهبت وألقيت نظرة على ركن الأطفال لأرى ما إن كانت الكتب القديمة لا تزال هناك، ووجدت بالفعل كتب هانِّي ونانِّي. إن الخط المستخدم على الكتب الجديدة أكثر حداثة، وورق الصفحات أكثر متانة، ولون غلاف الكتاب لم يعد باهتًا كما أتذكره. ودُوِن على غلاف الكتاب بأحرف ملونة: "الفيلم مأخوذ عن هذا الكتاب". لم يعد هناك أدنى أثر لما شعرت به من إثارة في طفولتي مما أفسح الطريق لخيبة الأمل. إن أسطورة الماضي المتمثِّلة في كوني قد تشرَّبتُ كافة محتويات الكتب الموجودة هنا من الغلاف إلى الغلاف، تتراجع أمام حقيقة تكيُّف سلوك القراءة على التقدُّم: كنت أصعد على متن المكتبة المتنقلة وأنطلق إلى عوالم غريبة تثير بداخلي أسئلة مع كل صفحة أقرأها، وكان ينبغي عليّ أن أبحث بنفسي عن إجابات لها، أما الآن فقد أصبحت المكتبة المتنقلة الجديدة توفر العديد والعديد من الأجوبة من خلال أقراص السي دي والدي في دي والأجهزة اللوحية. 

تتحمل مدينة دويسبورج اليوم تكاليف المكتبة المتنقلة التي تصل إلى ما يقرب ۱۰۰۰۰۰ يورو في السنة. وتنطلق المكتبة في دورتها من يوم الثلاثاء وحتى الجمعة إلى ۳٤ محطة، جميعها يقع بالقرب من مدارس. تم استعارة ما يقرب من ۳٥۰۰۰ كتاب في العام الماضي. ولكن ما من إحصائيات يمكنها أن تبين كمّ الآفاق التي ساهمت تلك الكتب في توسيعها ومدى ما أثارته من اهتمام ورغبة في التعرف على الجديد.

دعوت السيد شولته على الغذاء في مطعم تركي للمأكولات السريعة يمتلكه أحد أصدقائي القدامى. يسير العمل في المطعم بشكل جيد، ويوفر مجموعة كبيرة من المختارات وعلى رأسها الشاورمة. وحين بدأت في طلب الطعام باللغة التركية أخذ السيد شولته يتطلَّع إليّ باستمتاع وأنا أنتقل للغة أخرى وتتغير معها وملامح وجهي ونبرة صوتي. ثم أراني صورة له وهو في حديقة الوزارة في بداية الثلاثينات، يرتدي قميصًا أبيض أكمامه مرفوعة لأعلى ورابطة عنق داكنة ويمسك في يده غليونًا – كعهد معظم الناس آنذاك في ألمانيا الغربية، رغبة منهم في أن يبدوا أكثر رزانة. وبينما كنَّا نتناول كباب أضنة ومخيض اللبن أخبرني السيد شولته قصة إطلاقه للمكتبة المتنقلة في دويسبورج.

في صيف عام ۱۹٦۹ كان السيد شولته يجلس في مكتبه بمدينة بون، إذ كان مسؤولًا مساعدًا بقسم التعليم المستمر بوزارة التعليم الاتحادية إبان فترة النهضة. تميزت بإنشاء المدارس الشاملة التي لا تزال تثير نقاشًا إيديولوجيًا حتى الوقت الحاضر. إذ يرى العديد أن هذا النوع من المدارس لم يعد مواكبًا للعصر: المدارس العامة لمن سيمتهنون عملًا بدنيًا، والمدارس الثانوية المتخصصة لمن ينتبهون في الحصص الدراسية والمدارس الثانوية لزعماء الغد. واتجهت الجامعات في كل مكان إلى تطوير إمكانياتها وإنشاء كليات متخصصة. وأصبح من شأن فرص التعليم الثانية أن تفتح سبلًا لآفاق مستقبلية أفضل أمام الأطفال. ورغم أن سماء الرور لم تكن قد اكتسبت الزرقة بعد، إلا أن أزمة صناعة الصلب والفحم أنذرت بانتهاء عصر الصناعة الكلاسيكي، فانقضت بالتالي الولايات على مصادر التمويل الاتحادية. وفي مقابل ذلك، سعت الحكومة الاتحادية إلى اكتساب المزيد من النفوذ، بما في ذلك في مجال الخدمات التعليمية. 

أخبرني السيد شولته عن صراعاته الكثيرة مع بلاده وماضيها. كحينما تعرف وهو شاب على فتاة على الشاطئ في أسبانيا وقالت له: "لا أريد أن تكون لي أية صلة بالألمان." كان شعورًا مريرًا.  وأكد لي أنه ينبغي تكثيف المعارف التاريخية ليتسنى إفساح المجال أمام نشأة وعي أخلاقي. "إنه لا يمكن إغواء سوى غير المتعلمين."، على حد قوله. يرى شولته أن التقاء المرء بما هو أجنبي في بلاده الأصلية لهو الخطوة الأولى نحو التحلي بالتسامح.

لم تكن حافلات الكتب اختراعًا جديدًا آنذاك، بل كانت موجودة بالفعل منذ فترة طويلة في العديد من الولايات الاتحادية، ولكنها اقتصرت في أغلب الأحيان على المدن فقط. وفي عام ۱۹۷۱ أطلق شولته مشروعه "المكتبة المتنقلة": وهي عبارة عن حافلة تجوب أنحاء الأحياء الألمانية. ظلت الحافلة تجوب أنحاء ألمانيا على مدى ثلاث سنوات، لتوفر سبل التعليم في تلك المناطق التي تفتقر إليه. ثم كان من المفترض إنهاء مشروع المكتبة المتنقلة. تلقى السيد إرهارد شولته تعليمات ببيع الحافلة في المزاد العلني وتخصيص العائد إلى الموازنة الاتحادية. ولكنه كانت لديه خطة أخرى: "أردت أن أرسلها إلى ماركسلوه." لم يكن قد زار حي ماركسلوه من قبل، ولكنه كان يشتهر آنذاك أيضًا بكونه مركزًا للعمال الأجانب الأتراك وأسرهم. ورغم أن زملاء شولته كانوا يسخرون من كونه مسئولًا عن "الكادحين"، على حد قولهم، إلا أن مثل هذه التلميحات الساخرة كانت تثير حماسه أكثر فأكثر. وقد انتصر بالفعل: في عام ۱۹۷٤ موَّلت الوزارة المشروع بـ ٤۰۰۰۰۰ مارك، وتولَّت المدينة بعدها بثلاثة أعوام تكاليف المكتبة.

إن تلقي شولته التمويل اللازم من أجل الحافلة كان مجرد صدفة. ففي يوم من الأيام كان الموظف المسئول في وزارة المالية يقف في إحدى وشارع ميونخ في انتظار سيارة أجرة، وتوقَّفت حافلة الكتب بالصدفة بجواره ليرى الناس يندفعون بداخلها.، وهو ما رأى أنها علامة جيدة. قال شولته معلقًا على ذلك: "كان التخطيطات آنذاك تعتمد على مثل هذه الصدف في كثير من الأحيان."

أتمنى أن يكون لدينا في الوقت الحاضر نماذج عديدة من أمثال شولته. حين يبدأ أبناء هؤلاء الناس الذين يأتون إلينا في الوقت الراهن في التحدث باللغة الألمانية عما قريب ويصبحوا في غضون أعوام قليلة جزءًا لا يتجزأ من كياننا، سنستوعب مدى أهمية النماذج من أمثال شولته لهذا البلد.

إن مكتبة دويسبورج المتنقلة قائمة منذ ۱۹ عامًا وقد تنهار لقدمها في أي لحظة، ورغم أن المدينة تعاني من ضائقة مالية إلا أنها أمرت بشراء حافلة جديدة. سيكون لدى الأطفال في المستقبل الفرصة لحمل الكتب في أيديهم، مثلما تسنى لي أنا ذلك. لولا المكتبة المتنقلة الأولى لكانت حياتي اتخذت منحنى آخر على الأرجح. لولاها لما تعلَّمت أن أتعمق في الكتب وأن أبذل الجهد. أدين بالفضل لكافة الصدف العديدة التي جعلت وقوفها في شارعي أمرًا ممكنًا – ولكن أولًا وقبل كل شيء أدين بالفضل لـ إرهارد شولته.