مقابلة مع سفين ماركواردت شيء يدوم

Sven Marquardt
© Ole Westermann

حظي المصوّر الفوتوغرافي سفين ماركواردت من برلين باهتمام كبير وطنيًا ودوليًا في السنوات الأخيرة بفضل صوره المميزة.
وسيعرض أعماله في مارس/آذار 2018 ضمن معرض بعنوان " المستقبل الغابر" والمقترن بفن سمعي بصري مركّب بعنوان "الصندوق الأسود" في مركز D Beirut warehouse في الكرنتينا. و"الصندوق الأسود" هو ثمرة التعاون بين سفين والمنتج الألماني ومشغّل الموسيقى (دي جيه) مارسيل ديتمان، وهو موضوع مقابلة أجرتها معه مديرة معهد غوته في مونتريال كاتيا ملتزر.

يجمع الصندوق الأسود بين المشهدية في صورك وأنغام مارسيل ديتمان، أحد أبرز مشغّلي الموسيقى (دي جيه) والمنتجين في تاريخ موسيقى التكنو الحديث. كيف حصل هذا التعاون وبأي شكل؟

التقيت بديتمان للمرة الأولى في ملهى أوستغات OSTGUT الليلي الشهير في أواخر التسعينيات. وبعد سنوات قليلة، افتتح مشغّلوه ملهى برغهين BERGHAIN لموسيقى التكنو. كان هو فتى من ضواحي برلين يعمل كمشغّل موسيقى وكنت أنا حارس دخول على باب الملهى بعد أن قرّرت العزوف عن التصوير. كنت معجبًا بموسيقاه حتّى في ذلك الوقت، فقد كانت صاخبة وعميقة تحاكي المشاعر...

في العام 2007، استهواني التصوير مجددًا وصوّرت ديتمان للمرّة الأولى بعدستي. وحتى اليوم، لا يزال الانسجام بيننا ظاهرًا. وفي العام 2014، جاء مارسيل إليّ ذات يوم وطلب مني التفكير في عمل مشترك يحمل اسمينا، كأن نجمع موسيقاه وصوري في عمل فني مركّب. تلك كانت رؤيته، وعدا عن ذلك لم يكن لدينا أية أفكار أخرى. كلّ ما أردناه العمل خارج أجواء الملهى الليلي. وكان مشروعنا لا يزال ضبابيًا في ذلك الوقت.

بعد سنة،  توجّهت إلى ساو باولو للحديث عن أعمالي الفنية، فاكتشفني عن طريق الصدفة مدير معهد غوته في البرازيل آنذاك السيد ألفونس هاغ. وكان هاغ حينها يرعى معرضًا في البرازيل باسم تسايتغيست برلين (ZEITGEIST Berlin)، وقد خصّص جزءًا منه لعرض ثقافة الملاهي الليلية في برلين، فوُلد ما يُعرَف بـ"الصندوق الأسود". 

تستقبلنا الوجوه الماثلة لالتقاط الصور في الصندوق الأسود بشكل معبّر، فهناك شباب ومسنّون وعارضو أزياء وأشخاص غرباء – من هم هؤلاء الأشخاص بالنسبة إليك؟

أنا أعمل في التصوير الفوتوغرافي منذ أوائل الثمانينيات، وقد أصبحت الكاميرا الخاصة بي آنذاك الوسيلة الفنية التي أعبّر بها عن نظرتي الخاصة إلى الحياة ونظرة الأشخاص الذين أصوّرهم. وحتى اليوم، لا تزال الكاميرا وسيلتي ولم تتغيّر، رغم تغيّر محيطي والأشخاص في حياتي ومصادفتي طبعًا لمعرض تسايتغيست. كلّ شيء تبدّل باستثناء أنني لا أصوّر إلا الأشخاص من أصدقاء وزملاء ورفاق، وتلك اللحظات المميزة وهم أمام عدسة الكاميرا وأنا خلفها، ودائمًا منفتحين الواحد للآخر. وخلال عشر سنوات، وجدت نفسي أنجح أكثر فأكثر في نمط التصوير المفاهيمي (conceptual photography).

  • Black Box 1 © Sven Marquardt
    Black Box 1
  • Black Box 2 © Sven Marquardt
    Black Box 2
  • Black Box 3 © Sven Marquardt
    Black Box 3
  • Black Box 4 © Sven Marquardt
    Black Box 4
  • Black Box 5 © Sven Marquardt
    Black Box 5
  • Black Box 6 © Sven Marquardt
    Black Box 6
  • Black Box 7 © Sven Marquardt
    Black Box 7

 في سيرتك الذاتية تصف أيام شبابك في "المشهد البديل لبرلين الشرقية: جمهورية ألمانيا الديمقراطية وموسيقى البانك (Punk).  كيف جمعت بين تلك الجمهورية وثقافة البانك؟

كل مجتمع وكل ثقافة ينتجان ثقافة مضادة، ونتلمّس ذلك أكثر عند العيش في ظل نظام دكتاتوري. أما أنا فلدي ذكريات جميلة في طفولتي وشبابي في ألمانيا الشرقية، ولكن في وقت معيّن، يرى المرء الأمور من منظار مختلف، فينشأ ما يُعرف بالثقافة المضادة. واليوم، ربّما لم تكتمل الأسطورة التي بدأت في بلدة برينزلور بيرغ في برلين بسبب التعقيدات. ولكنّني كنت جزءًا من تلك الأجواء ومن ذلك "العالم الخفي" لبرلين الشرقية أو ثقافة البوهيميا في منطقة برينزلور بيرغ خلال الثمانينيات. ويسعني القول إن  ثقافة موسيقى الـ punk والـ New Wave الجديدة لم تتوقّف عند جدار من الحجر وبعض الأسلاك الشائكة. وأنا أدرك أن أفعالنا آنذاك كانت محفوفة بالمخاطر، وأنا أتكلّم عن طريقة عيشنا وكيف كنّا نكتب عبارة "لا مستقبل" على ستراتنا الجلدية. واليوم، عندما أرى صورًا من تلك الحقبة، أضحك وأرى كم كنا ظرفاء بوجوهنا المتجهمة وملامحنا المتمرّدة في أيام الشباب. ولعلّ سذاجتنا تلك حفظتنا من أمور أسوأ كنا لنقع فيها. أتذكّر منذ بضع سنوات جرى تنظيم معرض عن تلك الحقبة وعن هذا الموضوع بعنوان: حرية ضمن الحدود IN GRENZEN FREI. وأعتقد أنه وصف فعلاً مشاعرنا حينها وما كان يدور في ذهننا.

بالنسبة إلى الأشخاص الذين لم يُعايشوا شخصيًا مثل هذه التجربة، يصعب عليهم استيعاب فكرة زوال جمهورية ألمانيا الديمقراطية بين ليلة وضُحاها. كيف عايشت انهيار جدار برلين والفترة التي أعقبت ذلك؟

كان انهيار الجدار في عام 1989 من أهم اللحظات في تاريخ انقسام ألمانيا، كما شكّل خسارة للكثير من الناس الذين فقدوا هويتهم من جراء ما حدث. وأحدًا لم يتوقّع حجم تلك الخسارة، فالتاريخ لم يشهد مثل هذا الحدث من قبل.

أمّا أنا، فارتميت في أحضان تلك الحرية الجديدة. ولكن ما معنى حرية؟ أن تفعل ما تريد أو تمتنع عنه متى وحيثما تريد؟ ولكن ما هو الثمن الذي دفعناه لقاء تلك الحرية؟ ما زالت حتى اليوم أقلّب مفهوم الحرية هذا في ذهني، ولا سيّما عندما أسافر وأجد أن الحرية شيء علينا تعلّمه ربّما.

في مطلع التسعينيات، لم أتخلَّ عن الكاميرا وحسب بل ربما أيضًا عن اعتزازي لكوني مواطنًا من ألمانيا الشرقية، وكدت أنكر أصلي في مكان العمل.
فقد اختلف المشهد برمّته، حتى إني واجهت في البداية أزمة نفسية بسبب فقدان هويتي. لم أكن أعرف مَن أكون. كنت قد بلغت السابعة والعشرين من العمر وأنتمي إلى جيل استعاد الحرية وبات كلّ شيء جائزًا له من جديد. لم أكن مشتاقًا إلى الكاميرا، فقد كانت منفَسًا لي في حقبة سابقة للتعويض عن رغباتنا التي نعجز عن تحقيقها. أمّا الآن، وبعد انهيار الجدار وبعد أن بات كل شيء ممكنًا، اكتشفت ساحة الملاهي الليلية في برلين، وبعد فترة من الزمن عادت هي ونفضت الغبار عن موهبتي المنسية.

كانت برلين لسنوات محط أنظار لما تملكه من تاريخ عريق وفنون متنوعة وملاه ليلية. كيف عايشت هذا الزخم الذي أحاط بالمدينة؟

في العام 2014، وفي سيرتي الذاتية بعنوان "الليل هو الحياة" (DIE NACHT IST LEBEN) رويت قصة عن برلين مستوحاة من حياتي في المدينة، فأنا عشت 25 سنة في المدينة في ظلّ انقسامها، و25 سنة أخرى فيها بعد انهيار الجدار. وما زالت برلين في نظري موطنًا لي. فرغم أنها تغيّرت كثيرًا، ما زلت أعرفها وأتحسّر أحيانًا على الأشياء والمنازل والأماكن التي لم تعد موجودة فيها. ما زلت أعرف برلين وأعرف الزوايا والشوارع والأحياء التي لطالما أحببتها والتي لا تزال مألوفة بالنسبة إلي، باستثناء وجوه الأشخاص فيها طبعًا. وهذا طبيعي! أما الزوايا التي أجدها غريبة، فمَن يدري، ربّما هي هكذا منذ الأزل. وعندما أعود أحيانًا من أسفاري وبعد قضاء وقت طويل وسط الثقافات الأجنبية البعيدة وفي مدن تكتظ بملايين السكان، أنظر من نافذة الطائرة قبيل الهبوط في مطار برلين وأقول لنفسي: يا للحظّ! لا بدّ أن الطائرة قد خُطفت إلى مدينة فوبرتال، فكل شيء يبدو صغيرًا جدًا وهادئًا. ثمّ توطئ قدماي أرض المدينة ولا يمكنني أن أستوعب كل ذلك الضجيج. وعندما لا أجد موظفًا يتكلّم الألمانية في متاجر الأزياء التي أفضّلها في برلين، أنزعج قليلاً. ولكن تلك المتاجر متخصصة في مجالها ووجودها إضافة للمدينة.
 
  • Sven Marquardt Artist Talk Karl Sfeir
  • Artist Talk Karl Sfeir
  • Audience Karl Sfeir
  • Exhibition Karl Sfeir
  • Black Box Karl Sfeir
  • Sven Marquardt Exhibition Karl Sfeir
  • Mani Pournaghi & Samer Makarem Karl Sfeir