حوار مع ريم صالح "من يصوّر فيلمًا في شهرين أو ثلاثة مخادع"

Reem Saleh
© Martín Rodríguez Redondo

بعرض فيلمها الطويل الأول "الجمعية" في بانوراما برليناله ٦٨ قدمت ريم صالح نفسها كواحدة من أهم الأسماء الواعدة في السينما العربية. حاورتها عن فيلمها المشوّق في برلين.

إقدام لبنانية على إخراج فيلم عن حي شعبي مصري.. ألم يكن صعبًا؟ ما هي اللحظة التي قررت فيها أن يكون فيلمك الأول عن روض الفرج؟

لم أفكر بهذه الطريقة، كان الأمر عفويًا بدأ بذهابي في زيارات متتالية لروض الفرج لأقابل صديقة عمر والدتي. كانت مريضة بشدة وكان لديها ابنتان تنفقان على علاجها ما يصل يوميًا لمجموع معاشهما الشهري. في كل مرة كنت أجد أهالي الحارة كلهم عندها، الجميع يساعدون إما بإحضار طعام أو تدبير مبلغ بسيط، حتى من لا يملك شيئا يجلس لتسليتها. وجدتهم يعطون كل ما يملكون ومعظمهم لا يملك أكثر من الاهتمام. شعرت إنه من الواجب تقديم هذا المجتمع الذي كثيرا ما نظلمه بنظرتنا، صحيح هم فقراء لكنهم يملكون الكرامة وعزة النفس والتكاتف، من هنا بدأ المشروع.
 
الفيلم يحمل اسم "الجمعية" دلالة على التكافل الاجتماعي في روض الفرج، لكنه يتسع لما هو أكثر، لعلاقة البشر ببعضهم البعض وبالموتى والدين وبقيمة الحياة رغم صعوبة الظروف، كيف اخترت عنوان فيلمك؟ وكم ساعة قمت بتصويرها وكم استغرق التصوير؟

كان من الصعب العثور على خط سردي يحكم الفيلم، من الممكن أن تسير مع الحكايات فتصل لنقاط متعددة يضيع معها الفيلم. معرفتي بالمكان وثقافته جعلتني أقرر مبكرًا أن تكون "الجمعية" أو الإدخار الجماعي الذي يقوم به الأهالي هو الخط الواصل بين الحكايات وحيوات الأشخاص، هو المدخل الذي ساعدني في حكي قصة متكاملة.

صورت الفيلم على مدار ست سنوات فكان لدي كم هائل من الساعات بعضها يتعلق بالأحداث السياسية وقراري كان مبكرا ألا يتضمن الفيلم مثل هذه المواد. خياراتي الفنية فرضت تصوير مادة أكثر، لم أوجه الشخصيات أو أطلب منهم الحديث عن موضوع معين، فقط انتظر واستعد لالتقاط لحظة طبيعية، بناء ثقة مع الأهالي، واستغلال الأشخاص إذا أردت الوصول للمعلومات. استلزم هذا عملا نفسيا مكثفا، وأجبرني على التعامل مع المشاهد كما هي، آخذها أو استبعدها. لذا فقد بدأت بوضع الشخصيات ساعات طويلة في مقابلات مباشرة أعلم أنني لن استخدمها، فقط لكسر مهابة الكاميرا.
 
المصريون حساسون ناحية الكاميرا لا سيما لو كانت في يد غير مصري، كيف تغلبتي على هذا الحاجز؟

أول سنة صوّرتها لم أخرج منها تقريبا بشيء، أهالي روض الفرج بدأوا في التصرف بطبيعية بعد قرابة ثمانية أشهر من التصوير. هذا جعلني أدرك أن من يذهب ليصور منطقة شعبية لشهرين أو ثلاثة ثم يعود بما يسميه فيلمًا وثائقيًا هو في الأغلب مخادع أو تعرض للخداع. في البداية يقدمون لك ما تريد أن تراه وتسمعه، مع الوقت تسقط الحواجز ويتصرفون بتلقائية، لأن وجودك لم يعد شيئا غريبًا يستلزم أي تظاهر.

المصريون بالفعل حساسون للكاميرا ويخافونها بل ويعاني البعض من رهاب واجهته مع بعض الشخصيات، خصوصًا أم طارق، عجوز تدير متجرًا بدون أوراق قانونية فتشعر بالتوجس طوال الوقت. لكن ما ساعدني هو أنهم يعتبرونني ابنتهم. أمي من روض الفرج لذا أن جزء من المكان وفرد من العائلة، شعروا أنني من المستحيل أن أظهر عائلتي بصورة سيئة، وهذه حقيقة. بالمناسبة التوجس ذاته جاءني من محترفين في صناعة السينما، بمجرد معرفة تصويري في روض الفرج يتسائلون عن السبب وهل لأنني وجدت الفقراء مادة دسمة لعمل فيلم، لكن مع شرح دوافعي يزول هذا التخوف.

أمر آخر هو استعانتي بالأهالي أنفسهم ليدلوني عن أنسب طريقة للحديث مع كل شخصية وعن كل موضوع. هذا عالم لديه كود خاص، إذا أردت العمل داخله عليك الالتزام بالكود، لذا فالأهالي كانوا بمثابة مساعدي إنتاج للفيلم.
 
عالم الفيلم صاخب جدا، يخلق طبيعة صوتية مزدحمة لا تكتمل فيها جملة ولا يتحدث أحد تقريبًا ألا وحوله آخرين؟ إلى أي مدى كانت هذه الطبيعة مفيدة أو مضرة للفيلم؟

الصخب كان تحديًا تقنيًا هائلًا. فريق التصوير كان ينهار أحيانا من الركض بالكاميرا لملاحقة شخصية. مسجل الصوت نظر لي يستغيث في مشهد الفرح لعدم قدرته على تسجيل الصوت بشكل طبيعي. هذه الطبيعة مثل تكوين الشخصيات هي العالم الذي قررنا تصويره، لن يتغير ولن نحاول تغييره، وبالتالي كان علينا إيجاد طريقة لنقله للشاشة مع إبقاء الاهتمام بشخصيات الفيلم.
 
يمر الفيلم على قضية ختان الإناث، ولديك فتاة تشترك في جمعية لتوفر المال الكافي لختانها رغما عن والدها، كيف صادفتك الحكاية ولماذا قررتي إدراجها؟

في البداية كنت أرفض مبدأ توظيف أحد الأطفال كشخصية في الفيلم، لأن الأطفال عادة ما يتم استخدامهم لإثارة الشفقة وهذا لم يكن توجهي إطلاقًا. قررت فقط تصوير جمعية الأطفال باعتبارهم يفعلون مثل الكبار. هنا فرضت دنيا نفسها بشخصيتها وطريقة حديثها وتفكيرها، هي فريدة حتى بالنسبة للمنطقة.

في إحدى المرات بعد انتهاء التصوير وقبل سفري جاءت تطلب مني الحضور الشهر التالي لأنها ستجري ختانها، فزعت وحاولت إقناع والديها بإيقاف الأمر، حتى إنني استعنت بشيخ لإقناعهم أن الفعل ليس من الإسلام. اقتنع الوالد فعلًا وسافرت على هذا الاساس لأعود فاكتشف أن دنيا استخدمت أموال الجمعية لتجري الختان دون علم والدها. هنا كان من الضروري أن أضع الحكاية في الفيلم لأن الناس تعتقد أن الختان تعذيب يتم اختطاف الفتيات لإجرائه، لا يعلمون إنه عميق في الثقافة لدرجة أن الفتيات يطلبوه ويفخرن به باعتباره علامة نضج. أنا بالطبع ضده وسأعمل ما في وسعي لإيقافه، لكن من الواجب تصحيح هذا الفهم الخاطئ.
 
فيلمك ينتهي بإهداء إلى والدتك التي أوصتك أن تعتني بأهلها فنقلت حكاياتهم للعالم.. هل تشعرين أنك نجحت في تحقيق وصية أمك؟

هذا هو السؤال الأصعب بالنسبة لي. أكبر قلق لدي هو رد فعل أهالي روض الفرج على الفيلم. شهادتهم هي الأهم بالنسبة لي. أردت فقط أن يرى العالم روض الفرج بعيون أمي، التي ترى الجمال والطيبة والكرامة الذي يداريه الفقر، إذا نجحت في ذلك أكون حققت جزءً كبيرًا من الوصية.