الهياكل الزمنية في المسرح كم تبلغ مدة الحاضر؟

المسرح الألماني ببرلين
المسرح الألماني ببرلين | تصوير (مقطع): © إيكو فريز، دراما

يعمل المسرح على تشكيل الانتباه في ظل ظروف خاصة. فيتم إلقاء الضوء على الوقت ومن إطالة مدته. فالمسرح يخلق معايشة خاصة للوقت الحاضر، تتطلب انتباهًا كليًا وتفانيًا من جانب الجمهور. 

في الفصل الخامس من مسرحية ماكبث التراجيدية لشكسبير، يجد البطل نفسه في حالة ميئوس منها. حيث يستعد لمعركة أخيرة قائلًا: "فليأت ما يأتي: يمر الوقت والساعات عبر أصعب الأيام." وكان آخر عزاء له هو تخدير مشاعره بالتكيف مع التناسق الميكانيكي للوقت الموحد المتشابه والفارغ. تختلف دقات الساعات والثواني في الساعة الميكانيكية اختلافًا جذريًا عن وقت التجارب الإنسانية. فعلى الرغم من مرور الدقائق والساعات بلا انقطاع عبر حياتنا، إلا أنه ليس بوسعهما أن تحولاها إلى إيقاعات ووحدات زمنية للساعة الميكانيكية. حيث أن الفترة التي تستغرقها التجارب الإنسانية لا تمر من خلال تسلسل زمني، بل تتحد وتندمج في شكل باقات لتتحول إلى حضور غير زمنية تستغل انتباهنا إلى أقصى درجة. ولذا فالسؤال الحاسم هنا هو: ما مدة تلك الحضور التي لا يهيمن عليها زمن الساعات الميكانيكية؟ ومن أو ما الذي يحدد المقياس المناسب للمدة التي تستغرقها؟

الوقت الفارغ والوقت الممتلئ

إذا ما تخيلنا الوقت على أنه نهر أو سهم ينطلق في اتجاه واحد بشكل منتظم وبلا ارتجاع، فسوف ينكمش الحاضر ويتلخص في اللحظة الآنية غير القابلة للامتداد، والتي هي ليست سوى تحول المستقبل المفاجئ إلى ماضي. وتلك اللحظة الآنية في الحاضر ما هي سوى مرحلة انتقالية بحتة وهكذا وصفها أيضًا بودلير: خاطفة وطارئة وعابرة. ما من شيء يتشبث بها أو يُبنى عليها. والبشر لم يخلقوا من حيث تركيبهم الحسي، للتكيف مع ذلك الوقت المجرد. فهم لا يستطيعون العيش في تلك اللحظة الآنية؛ بل يسعون إلى إطالتها من خلال إعادة الذاكرة والترقب المسبق وذلك بهدف إفساح المجال أمام تجاربهم وقصصهم وذاكرتهم وتوقعاتهم وتفكيرهم ووجودهم.

إن القطب الآخر للتيار الزمني المجرد القابل للقياس، تشكله الخبرة المسبقة بالوقت الذي تستغرقه الأحداث. وفي هذا الصدد يعد الوقت ممتلئًا على الدوام ويستمد إيقاعه من خلال الأنشطة البشرية. وكذلك الأوقات الحاضرة في حياتنا، فإنها تنتظم وتتشكل كسلسلة من الأحداث: كالوقت الذي يستغرقه المرء في الاستحمام والقهوة الصباحية وركوب الحافلة والاجتماعات والأحاديث ولعب الورق. وهكذا نمر نحن أيضًا عبر الوقت من حاضر إلى آخر. ونظرًا لأن معظم تلك الأحداث ما هي سوى تكرار لأنشطة روتينية تسير وفقًا لوتيرة ثابتة، فإن هذا الوقت لا يجلب سوى صيغًا جديدة من أحداث معروفة بالفعل وبالتالي يمكن التنبؤ بها.

الحاضر الذي تمت معايشته

إن الشوق إلى الحاضر كوقت يتم معايشته بشكل استثنائي ومكثف، يتنصل عن من تلك الوتيرة المتكررة. فلقد اكتشف تولستوي أمرًا مدهشًا حين كان ينظف الغبار ذات مرة. فبعد أن أمضى وقتًا في تنظيفه، تفاجأ أنه لم يعد يتذكر ما إن كان قد انتهى من إحدى أجزاء الغرفة أم لا. أي أنه لم يعد يتذكر ذلك النشاط الذي قام به للتو. أي أن المرء حين يعجز عن تذكر الحاضر الذي حدث للتو، فهذا يعني أنه قد مُحي بالفعل وكأنه لم يكن. فالحياة التي لم يحياها المرء عن وعي تساوت في نظر تولستوي مع تلك الحياة التي لم يحياها على الإطلاق. وقد توصلت فيرجينيا وولف إلى استنتاج مماثل، حين فرقت بين "لحظات الوجود" (moments of being) و"لحظات عدم الوجود (moments of non-being). وتوصلت إلى أن الجزء الأكبر من حياتنا يتم إهداره على ذلك الوقت الضائع وما يرتبط به من عدم الوجود. ومنه تنسحب وتتنصل اللحظات الثمينة بشكل أكثر وضوحًا من الحاضر الذي تم معايشته، ولكنها تظل "متشابكة في جبيرة قطنية يصعب وصفها".

ومثلها مثل تولستوي، أصبحت تلك الجبيرة القطنية لذلك الحاضر الضائع الذي لم تتم معايشته، هي الشغل الشاغل لفيرجينيا. إن اليوم يتكون من عدة حضور ممتلئة بفترات من الأحداث، ولكن لا ينتج عنها بالضرورة حاضر محقق. بل بالعكس يبدو أن الطبيعة المرقعة لتلك الحضور تستبعد وجود ذلك الحاضر المؤكد والمحقق على وجه التحديد. وقد كتب المنظر الفني الروسي فيكتور سكلوفسكي نظرية مماثلة عام ١٩١٦ حيث تناول التأثير السلبي للأتمتة على الإدراك. فمن خلال إزالة الأتمتة، أي تأثيرات الاغتراب الفنية، يمكن إعادة تحفيز الانتباه من جديد وإطالته من خلال تعقيد أشكال الإدراك. وتلك على وجه التحديد هي مهمة الفن: خلق حضور محققة وإعطائها قياس زمني.

المسرح كحاضر مجسد ومحفز للانتباه

هناك حضور لا يدخلها المرء في حالة وقوع أحداث بل في حالة انقطاعها. فالمسرح يعد مكانًا لنسق زمني مختلف، أو زمكان متغاير. في حين يمر الزمن في الخارج بلا انقطاع، يدخل المرء في المسرح إلى عالم مختلف، له بداية ووسط ونهاية. وهذا الثالوث يرتكز عليه تشكيل وإطالة واختتام الوقت من خلال مفهوم فني. إن الإشارة الأكثر أهمية لذلك الإطار الزمني المقتطع كانت فيما سبق هي الستائر التي كانت تُفتح وتُغلق على خشبة المسرح؛ أما اليوم فهي ذلك التنويه عن وجوب إغلاق الهاتف الخلوي.

يشتري المتفرجون تذكرة الدخول ثمنًا لمكان جلوسهم في المسرح، في حين أن ما يتعين عليهم سداد تكلفته شيء لا يقدر بثمن: انتباههم. يقوم المسرح على اتفاق يضمن الانتباه غير المجزأ والتفاني والمشاركة. إلا أنها علاقة غير مستقرة على الدوام: فالتشتت وعدم الانتباه والإرهاق، جميعها يمكنه أن يطرد المتفرج في أي وقت من حاضر المسرح.

فكما يقول الفلاسفة يبدأ الانتباه بالذهول والتساؤل والإصغاء. "أتوقف حيث يغادر الآخرون"، هذا ما قاله لودفيج فيتجينشتاين ذات مرة عن نفسه. فمن خلال التوقف والتأمل والتفكر يمكن لأي شخص الدخول في أي وقت في حاضر جديد، ولكن قليل من الناس يستغلون ذلك. فالفن يحفز الانتباه، وتلك أهم مميزاته، ولكن يتعين إعادتها إليه مرة أخرى. إن متوسط وقوف الزائرين أمام لوحة واحدة في المتحف يبلغ نحو ١٧ ثانية، ولتمديد فترة الحاضر الخاصة بمشاهدة كل لوحة، يتم تجهيز اللوحات بأجهزة إرشاد سمعية. فلقد أصبح ذلك التخطي أو الفرار من الصور والأصوات والكلمات والمعلومات أحد التوجهات الشعبية في ظل عصر الإفراط في المحفزات الحسية. إن شعار الإنترنت ليس: "أتوقف حيث يغادر الآخرون"، بل على العكس تمامًا: "أذهب حيث يذهب الآخرون".

يعمل المسرح على تشكيل الانتباه وإلقاء الضوء عليه وإطالته زمنيًا في ظل ظروف خاصة. فخلافًا للسينما يشترط المسرح في البداية أن يتم تشكيل حاضر جماعي يشمل الممثلين والمتفرجين معًا. إلا أن أهم ما يتميز به المسرح في المقام الأول هو إمكانية تجسيد معايشة الوقت بشكل مباشر وكذا تشكيلها ومعالجتها – وذلك من خلال مختلف أشكال الإبطاء والإسراع والتكثيف والتفريغ الموجه وكذا الربط والتهييج. فإن الانتباه المطلوب هنا لا يمكن الحصول عليه دون مشاركة فعالة. ولكن تلك الجهود سوف تؤتي ثمارها، إذ أن الحواضر التي تتشكل ويتم معايشتها على هذا النحو تحطم تلك الجبيرة القطنية التي تحيط بنا بغزارة.