عُمر، ٢٩ عامًا.

عُمر في ساحة الشهداء بمدينة الجزائر في إحدى ليالي شهر رمضان.
عُمر في ساحة الشهداء بمدينة الجزائر في إحدى ليالي شهر رمضان. | ©معهد جوته /ليلى سعادنة

أنا في الجزائر منذ ٥ أشهر. جئت لأقدم طلب لجوء لأن المثلية الجنسية غير مقبولة في بلدي غينيا كوناكري. هناك كنت متطوعًا في منظمة غير حكومية لمكافحة مرض الإيدز كانت تقوم بمساعدة المثليين بشكل غير مباشر. في أحد الأيام رأتني سيدة تسكن في نفس الحيّ الذي أسكن فيه وأنا عائد من عملي بتلك المنظمة فذهبت لتقابل أخي وهكذا عرفوا أنني مثلي الجنس. بدأ أخي يتحقق من أمري، كان يتبعني يوميًا وأنتهى الأمر باقتحامه قاعة المنظمة أثناء حلقة نقاش كنت أديرها حول طرق الوقاية من مرض الإيدز وكيفية إكتشافه. في نفس الليلة أمرني بالرحيل من المنزل وهددني باستخدام سكين ثم ألقى بأغراضي في الشارع. كان سكان الحيّ يريدون أن يحرقوني حيًا. هكذا رحلت. نجحت في إصدار جواز سفر بالقليل من المال الذي كنت قد ادخرته ولكني اضطررت أن أعمل لمدة ٦ أشهر حتى أتمكن من شراء تذكرة الطيران وكنت أعمل في الخفاء لأنهم كانوا يبحثون عني ويريدون قتلي. كنت أتمنى الرحيل فورًا ولكني كنت أخشى سلك طريق الصحراء حيث العصابات التي تهجم على المسافرين وتقتلهم.
 
وصلت وفي جيبي ٤٥ يورو أي ما يقابل ٣٠ ألف فرنك أفريقي. أقرضني أصدقائي بعض المال فاستطعت أن أؤجر سريرًا في غرفة مشتركة أعيش بها حتى الآن. بدأت إجراءاتي لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين واستغرق الأمر شهرين. كان الانتظار في غاية الصعوبة، كنت قلقًا ومكتئبًا وكنت أصلي كل ليلة، ثم تم أخيرًا قبول طلب اللجوء وحصلت على بطاقة اللاجيء. ما زلت في انتظار أن يتم نقلي إلى بلد آخر وأن أصبح تحت رعاية المفوضية.
 
أقوم أحيانًا بتنظيف بيوت الأغنياء حتى لا أموت جوعًا. لم أتوقع أن يكونوا عنصريين ولكنهم يستغلونني أسوأ استغلال ويدفعون لي القليل من المال وأضطر إلى قبول ذلك في انتظار أن يتغيّر الحال.
 
ليست لدي حياة في الجزائر لأن الحياة تبدأ بحرية التعبير والتحرك وهي حريات لا يملكها السود هنا. لا يمكننا أن نتنزه أو أن نتحدث كما نشاء بل نحن مضطرون لتحمل كل الصعاب. أعيش في الخفاء خوفًا من أن يتم القبض عليّ في إحدى هجمات الشرطة وأن يتم ترحيلي إلى بلدي التي لا ينتظرني بها سوى الموت. لا أخرج من الغرفة المشتركة التي أقيم بها سوى لشراء الطعام وأقضي كل وقتي على مواقع التواصل الاجتماعي لاحساسي بالوحدة الشديدة.
 
الجزائر مليئة بالعنصرية، أغلب الجزائريين لا يحترمون السود ويشعرون تجاههم بالفوقية. حين نستقل الحافلة يرفض الناس أن يفسحوا لنا مكانًا ويحتلون عمدًا كل الأماكن، يشعروننا بأن ليس لدينا أي حقوق، بأن ذلك بلدهم وحدهم. وإذا قمت لأترك مكاني لسيدة جزائرية كان من الممكن أن تكون جدتي أو أمي أو أختي الكبيرة ترفض الجلوس مكاني لأني أسود. إنهم يقللون من احترامنا بشتى الطرق، يقولون أن بلدنا ليس بها ما يكفي لاطعامنا ويسألونا كيف ننام وما إذا كنا ننام فوق الأشجار.
 
أحيانًا يشتمنا الأطفال بالعربية في الشارع أو يضربوننا ولا نستطيع أن ننهرهم لأن الناس سيأتون لضربنا والاعتداء علينا بكل بساطة. في إحدى الليالي كنت أتنزه في ساحة الشهداء وكان ذلك قبل أن تبدأ عمليات الترحيل حين أتى طفلين وقالا لي: "أهلًا يا زميل". تعاملت معهما بلطف لأنهما أطفال فلمس أحدهما جلدي الأسود ليرى إذا كانت ستلتصق به يده بينما شتمني الآخر. غضبت بشدة ولكني كنت أعرف أنه لم يكن في مقدوري شيئًا. كان هناك رجل عجوز يتابع المشهد كله ثم جاء ليخبرني أنه لا يجب أن أعيرهم اهتمامي لأنهم مجرد أطفال وأن الأطفال هنا يتم تربيتهم على كراهية السود.
 
كل هذه العنصرية موجعة جدًا! الناس أصحاب تلك العقليات يظنون أنهم أفضل من السود! ولكن لون البشرة لا يهم في شيء بل ما بداخل عقلك وقلبك هو ما يهم. الغريب أنهم يعتبرون أنفسهم مسلمين بينما المسلم الحقيقي يجب ألا يكون عنصريًا بل يجب أن يحب أخيه الإنسان وألا يشعر بالفوقية تجاه الآخرين. يجب أن تتغير تلك العقليات! ولكن بالبطء الذي تتطور به الجزائر أشك أنها ستتغيّر.
 
حين أتيت هنا كانت تلك هي المرة الأولى التي أغادر فيها بلدي. كنت ذاهب إلى بلد يكره أهله السود وبالتالي كنت أخشى أن أصبح مشردًا وألا أحصل على بطاقة اللجوء أو أن أصاب بمرض خطير. ولكني أشكر الله أنني حصلت على بطاقة اللجوء. قابلت أناس في غاية الطيبة يساعدونني في دفع إيجار السرير ويعطونني الطعام ويساندونني إذا ساءت حالتي النفسية. الشيء المؤثر بالنسبة لي هو أن هؤلاء من ضمنهم سود وجزائريين أيضًا.