الوصول السريع:
(Alt 1) إذهب مباشرة إلى المحتوى(Alt 3) إذهب مباشرة إلى مستوى التصفح الثانوي(Alt 2) إذهب مباشرة إلى مستوى التصفح الأساسي

أردن
مدن بلا أنهار

مدن بلا أنهار
مدن بلا أنهار | ©نيرمينة الرفاعي

"لا تقضي في مدينةٍ أكثر من ثلاثة أيام، ففي اليوم الأوّل تستطيع أن تدّعي جهلك باللغة لتمارس وحدتك على مزاجك، وفي اليوم الثاني تستطيع أن تسأل أهل المدينة عن الاتجاهات، وفي اليوم الثالث تستطيع أن ترشد السيّاح إلى المسجد الذي يقيمُ التراويح وتجيبهم عن أفضل أنواع البيرة في المكان، أمّا في اليوم الرابع فلن يتبقّى لك سوى أن ترحل".

من نيرمينة الرفاعي

* 13 حزيران، 2017/موستار:

الجوُّ حارٌ ورطب لدرجة أنَّ ملابسي تلتصق بي، الشوارع تخفي وراء صخبها أسرار من عبروها جارّين في أيديهم حقائب السفر، وفقاعاتُ الأكسجين التي تنفثها الأسماك على وجه النهر سرعان ما تذوب بجوفه، النادلُ يغلق دفتر الحساب مخفيًا ما تبقّى من ضحكٍ ارتعشتْ له أرجل الطاولة، ويخفي معه بضعةَ نقود معدنية، وجوه الملوك عليها لا تملكُ سمعًا ولا تبسطُ يدًا ولا تفرض طاعة، دائريةٌ لا أجد فيها زاويةً أحشر فيها عمري المعتاد على الحشر، المنتظرَ القيامة، فأمدُّ ضحكاتي على الطاولات قدرَ ما شئت، وأصمت!

موستار موستار | ©نيرمينة الرفاعي في موستار جسرٌ حجري على ارتفاع 53 متر يصل ضفتي نهر "نيريتفا" ببعضهما، ولكن هذا لا يعني أنَّه يصلُ سكّان الضفتين ببعضهم، فالمدينة منذ عام 1993 مقسّمة بين البوسنيين والكروات، ويستطيع الزائر بمجرّد النظر إلى أسماء المحلات معرفة أصل صاحبها، فمن يسمّي مخبزه Pekara بوسني، ومن يسمّيه Pekarna كرواتي! من يسمّي صيدليته Apoteka بوسني، ومن يسمّيها Ljekarna كرواتي، وهلمَّ جرًّا!  

الجسر القديم في موستار الجسر القديم في موستار | ©نيرمينة الرفاعي

على طاولة قريبة منّي كان أحدهم يشرح مطولًا للسياح الجالسين معه عن فلسفة غمس مكعبات السكّر في القهوة لدى البوسنيين، وأنا أحاول ألّا أتلصّص على كلامهم بأن أنشغل بعدّ حبّات التين التي تتساقطُ ناضجةً من على الشجرة أمامي!
 

فتحتُ صفحة الملاحظات على هاتفي النقّال وكتبت:


"أنا الهجين وأنا سلّة التين..

أنا التين..

أنا التي كلما نضجتُ، وقعتُ"!

اليوم، أحملُ جواز سفر بوسني، وتحمل ابنتاي جواز سفر كرواتي، ونعيش في الأردن، وكلّما تشاجرنا أرى نهر "النيريتفا" يتدفّقُ بيننا، وأقعُ على الأرض كحبّة تين!
 

* 13 حزيران، 2018/عمّان:

عمّان عمّان | ©نيرمينة الرفاعي عمري اليوم 32 سنة وخمسةُ شهور، الآن أشربُ قهوتي سادة، ما عادت مكعبات السكّر وغمسُها في القهوة تعني لي شيئًا حالما اكتشفت أنَّ الملح يشبهني أكثر، ما عدتُ أبحث عن زوايا لأختبئ بها، وبدأت مؤخرًا أنفق الزمن كعملةٍ معدنية صُنعت دائريةً كي تتدحرجَ نحو نهاياتها بشكلٍ أسهل.

أقع مرارًا وتكرارًا كحبّة تين في أرضٍ لا تشبهها، وفقاعاتُ الأكسجين في رئتي تُذكرني أنَّني كسمكة تقفز من ماءٍ لماء، وتتشبّثُ عبثًا بذاكرتها ومكانها.
 

* 14 حزيران، 2017/بانيالوكا:

أشتاقُ لعمّان، روحي تطيرُ إليها مع الريح ثم تنثرُ نفسها فوق رؤوس جبالها السبعة، بانيالوكا هادئةٌ أكثر ممّا يجب، أهدأ ممّا يمكنُ لفتاةٍ تربَّت في عمّان أن تحتمل، شوارعها نظيفةٌ لدرجة أنَّني افتقدتُ القلق الذي يرافقني كلَّما انتعلتُ حذاءً أبيض، كم من المملّ أن أرتدي كلَّ هذا البياض الناصع دون قلقٍ من اتساخه! رفوفُ بيت جدتي مملّةٌ أيضًا، لا وجودَ للغبار هنا، لا وجود لطبقات رملية تتكدّسُ بسرعة عليها حالما أفتح النوافذ، ولا أستطيع بالتالي أن أمرّر أصابعي عليها لأرسم قلبًا أو نجمة! الرفوفُ النظيفةُ لا تحمل الذاكرة ولا تصونُ ما مضى!

البيتُ هادئٌ كالمدينة التي ينتصب في منتصفها وكأنَّه لم يعش يومًا أي حرب! وكأنَّه نسيَ صوت البارود والقصف وانفجار الألغام في سيقان الناس وأذرعهم، وسقطتْ من ذاكرته الحرائق التي امتدت من 1991 وحتى 1995 لتلتهم ما يمكن التهامه من تاريخ.

شجرة التوت في بيت بانيالوكا شجرة التوت في بيت بانيالوكا | ©نيرمينة الرفاعي شجرة التوت في بيت بانيالوكا شجرة التوت في بيت بانيالوكا | ©نيرمينة الرفاعي شجرةُ التوت في الحديقة، ذات الثمار الحمراء القانية التي لطالما وسّخت أصابعي وثيابي في طفولتي، علّمتني أنَّ الأحمر لونٌ شهيٌّ يذوبُ في القلب قبل الفم، والآن تحزنني فكرةُ أنَّ ذاتَ اللون هو لونُ الدم والحرب والموت، ويحزنني أكثر أن أفكّر أنَّ هناك طفلًا قد يربطُ الأحمر بالدم والموت قبل ربطه بحلاوة التوت على الأصابع.

اليوم أنفرُ من أي ذكرى لبقايا النكهات على الأصابع، أتأمل جذع الشجرة نصف الفارغ أمامي ولكنَّني أرى عوضًا عنه الشجرة المزروعة أمام شرفة بيتي في عمّان، أفتحُ في خيالي نوافذ البيتين ثم أجلس في مهبّ الريح!

** 14 حزيران، 2018/عمّان:

أشتاقُ لبانيالوكا، أرى نفسي أجلس في المقهى المطلّ على نهر "فرباس" وأنا أستمع لفرقة موسيقية تعزف على التشيلو أغانٍ قديمة تذكرني بدندنات جدتي، لا أتذكّرُ كيف وصلتُ للمقهى ولا أعلمُ كيف سأعودُ للبيت، ولكنني أثق بأنَّني لا أضيع في المدن التي تقسمها الأنهار، فالمعادلة السهلة هي أن أمشي بمحاذاة النهر أو بالتقاطع معه، أترك أقدامي للأسفلت وانعكاسات أضواء الشارع عليه، أهزُّ إليَّ بجذع الماء فيتساقط قلبي رطبًا ناضجًا، أمشي بصمت وأنا مدركةٌ أنَّني لا أحتاجُ إلى صوت المرأة الذي يخرج من هاتفي مشيرًا عليَّ بالاتجاهات.

لم أضِعْ يومها ولكنَّني عندما وصلتُ وقفت كعادتي أمام الجدران القديمة والقرميد المتشقق والأشجار البالغة من العمر عتيًّا، وكرّرتُ ببالي ذات شريط الأسئلة: أهنا كنتُ قبل أعوام عديدة مجرَّد طفلةٍ تغسل ألعابها تحت حنفية الحديقة؟ أهنا كانت جدتي تزرعُ البندورة والبصل والبطاطا؟

أمام المنزل بضعةُ درجات حجرية ربط أحدهم على دربزينها حبل غسيلٍ يميل مع ميلان الدرج، هناك تركت ثياب الطفولة مبلّلةً، ولم تجف بعد.

في شرفة عمّان هناك أُصصٌ كثيرةٌ أزرعُ فيها البصل والبطاطا، ولكنَّ رائحة التراب مختلفة، وفقاعات الأكسجين في رئتي ما زالت تهفو لهوائها ومائها وترابها.


** 15 حزيران، 2017/سراييفو:

هناك موسيقى تصدرُ من مكانٍ ما ولكنَّني لا أستطيعُ تمييز المصدر، تبدو لي بعيدةً وكأنَّها مجرَّدُ صدى، وفي بالي يعلو صوتُ "فيروز" وهي تغنّي: "نطرونا كتير كتير، ع موقف دارينا".

في سراييفو لا يوجدُ موقفٌ باسم "دارينا"، أعلم ذلك لأنني بحثت في الخرائط مطولًا وحفظت أسماء مواقف الباصات والترامات. الترام في سراييفو موجودٌ منذ عام 1885، هي أوّل مدينة أوروبية وثاني مدينة في العالم بعد سان فرانسيسكو تستخدم الترام في شبكة مواصلاتها، ممّا لا يستبعد فكرة أن ينتظر الناس فيها في مواقف الترامات منذ القدم وحتّى نهاية الزمن!

ألتفتُ حولي مجددًا لألاحظ حينها فقط أنَّ قلبي يسمع موسيقاه صادرةً من بعيد، من وسط عمّان تحديدًا، من مقهى قريب من جبل القلعة بمعبد هرقله وكنيسته البيزنطية وقصره الأموي. كانت الأغنية مختلفةً عمّا يتردد في بالي، ولكنَّ ذلك لم يقلّل الدفء الذي غمر قلبي وأنا أسمع صوت أم كلثوم يتقاطع مع أصوات نانسي عجرم وعمرو دياب ويختلط بأصوات الباعة المتجولين الذين أسألهم عن "بوظة نعنوع" و"شبس بوشار".
جبل القلعة في عمّان جبل القلعة في عمّان | ©نيرمينة الرفاعي لا يهمني العثور على موقف "دارينا" لا في سراييفو ولا في عمّان، ولكنَّني في رحلة البحث عن شيءٍ ما ربما اعتقدتُ أنَّ هنالك ما أو من ينتظرني، في مكانٍ ما!

وفي غمرة الضياع وهي تقول: "لا عرفنا أساميهم، لا عرفوا أسامينا"، نسيتُ اسمي!
 

**15 حزيران، 2018/عمّان:

عالقةٌ أنا في أزمات السير في المدينة المكتظّة، دوّار الداخلية والثالث والثاني وغيرها من دوائرٍ تتّصل بشوارع وأنفاق وجسور لم يكتمل بناءُ بعضها فتداخل السير في بعضها الآخر. لا تكاد السيارات تتزحزح داخل أحد الانفاق، وأنا على وشك الاختناق! يخطر لي في هذه اللحظات نفقُ الحياة في سراييفو، ذلك الذي بدأ بناؤه عام 1993 وامتدَّ من مطار "بوتيمير" وحتى منزلٍ غير معروف في منطقة "دوبرينيا" وهرَّب عبره الناس والدواء والغذاء والسلاح خلال أربع سنوات من حصار المدينة. أيامها حُفِر ما يزيد عن 800 متر طولًا ومتر و60 سنتيمترًا ارتفاعًا على ضوء الشموع وباستخدام الفؤوس وعربات اليد، ودُعّم بـ 45 طنًا من الحديد وصُنعت أرضيته الخشبية من أبواب المنازل وخزانات الملابس، بالإضافة إلى ما واجهوه من صعوبات للتغلّب على مشاكل هيكلة النفق والإضاءة وعدم توافر الهواء ومشاكل سحب المياه الجوفية وإلقاء أكياس الرمل الناتجة عن الحفر. كلُّ هذا اختُزلَ الآن إلى 20 مترًا من بداية النفق والتي تحوَّلت إلى متحفٍ يستطيع الناس زيارته، وبقي ما يقاربُ 780 مترًا غارقًا في العتمة ودمعِ من حفروه قبل 25 عامًا.

من حفرَ النفق هم البوسنيّون وحدهم، مهندسون وجنود ومدنيون، الشخص الوحيد غير البوسني معهم كان طبيبًا فلسطينيًا اسمه "يوسف حجيّر". يبدو أنَّ فلسطين منذ الأزل تأبى إلّا أن تكون حاضرةً حيثما وُجدَ النضالُ من أجل الحياة!
عمّان عمّان | ©نيرمينة الرفاعي فجأة تعلو خلفي زمامير ما يزيد عن 25 سيارة فأضغطُ على دوّاسة البنزين وأنطلقُ مبتعدةً عن أنفاق عمّان محاولةً تناسي أنَّني لولا صدفة ما لكنتُ من العابرين لنفق النجاة في سراييفو التي تركتها عام 1991، قبلَ اندلاع الحرب بقليل، أو الباقين فيه!
 

**16 حزيران، 2017/ترافنيك:

ترافنيك ترافنيك | ©نيرمينة الرفاعي هنا وُلِدت جدّتي وأمي، هنا مسقطُ الرأس والقدم، هنا جبالٌ كثيفة الخضرة وأنهارٌ تتدفق وكأنَّها مربوطة بخطّ مباشر مع الغيوم، يتوسط مركز المدينة ما يُسمّى "بالماء الأزرق"، وهو كمنتصف دائرةٍ من ماء نَبَتَ المكانُ كلّه حولها، تنتشرُ على الجوانب مقاهٍ عديدة، ولكنَّ أشهرها على الإطلاق هو Lutvina kahva، وتُقدّم فيه القهوة مع سيجارة محليّة الصنع وعلبة ثقاب، كدتُ أن أغني من فرحتي أغنية ماجدة الرومي: "أخرجَ من معطفه الجريدة، وعلبة الثقاب" لأنني أخيرًا شعرتُ بأنَّ هنالك رجلًا ما على وجه الأرض يستخدم الثقاب عوضًا عن الولّاعة! عندما أنهيتُ فنجاني وكدتُ أن أدفع ثمنه أشار لي النادل بأنَّ هنالك من دفع عنّي! نظرتُ حيثُ أشار فإذ به بائعُ العسل الواقف على الطرف ناصبًا أمامه عشرات من جرار العسل الطبيعي بمختلفِ درجاته اللونية المدهشة!

ضحك لي يومها، أتذكَّرُ ضحكته جيدًّا لأنني في تلك اللحظة تعلَّمت أنَّني قد أجد العسل وأنا غارقة في البحث عن ثقاب!
جبال ترافنيك جبال ترافنيك | ©نيرمينة الرفاعي

**17 حزيران، 2018/عمّان:

أجلسُ في مقهى يُشعلُ جميع من فيه سجائرهم بولّاعات، ولا أجدُ بيّاع العسل.
عمّان عمّان | ©نيرمينة الرفاعي


**18 حزيران، 2018/عمّان:
 

أقرأ الملاحظة التي دوّنتها على هاتفي المحمول قبل سنة وأنا أتناولُ الكباب البوسني مع شرائح البصل في منتصف "باش تشارشييا" في سراييفو. يومها أذكرُ أنَّني كنت أتنفسُ بعمقٍ الهواء المثقَلَ برطوبة نهر "ميليتسكا" بجانبي، وأكتب:
 
"لا تقضي في مدينةٍ أكثر من ثلاثة أيام، ففي اليوم الأوّل تستطيع أن تدّعي جهلك باللغة لتمارس وحدتك على مزاجك، وفي اليوم الثاني تستطيع أن تسأل أهل المدينة عن الاتجاهات، وفي اليوم الثالث تستطيع أن ترشد السيّاح إلى المسجد الذي يقيمُ التراويح وتجيبهم عن أفضل أنواع البيرة في المكان، أمّا في اليوم الرابع فلن يتبقّى لك سوى أن ترحل".

الآن، أجلسُ في "مطعم هاشم" في منتصفِ عمّان، الهواء جافٌّ ولا أعلمُ من أين تأتي الرطوبةُ التي أشعر بها تلتفُّ حول رئتي، أتناول الحمّص والمتبّل ويزدادُ ثقل الجملة الأخيرة على ظهري وأنا أكرّرها في خيالي دون توقّف:

"لن يتبقّى لكَ سوى أن ترحل.. لن يتبقّى لكَ سوى أن......

ترحل"!

 
نيرمينة الرفاعي نيرمينة الرفاعي | ©خاص