هل أزيل التابو؟
استغلال الأطفال جنسيا كموضوع للنقاش العام في إيران

ليس من اليسير التحدّث حول الاستغلال الجنسي للأطفال في أي بلد كان. لكنّ ذلك الموضوع ظلّ حتى أعوام قليلة يُعتبر من المحرّمات في إيران بسبب تقاليده الإسلامية والعُرف السائد هناك. وإن كانت المؤشّرات تدلّ على أن المجتمع الإيراني قد بدأ منذ فترة يتجاوز ذلك التابو، أو المحرّم، وأخذ يتناول هذا الموضوع الشائك رغم صعوباته. وتتضاعف صعوبة هذا العمل بسبب القوانين من ناحية والنظرة المتشكّكة التي تنظر بها الأجهزة الأمنية إلى نشاطات المنظّمات غير الحكومية من ناحية أخرى.


„هُسْ، البنات لا يصرخن“، هذا هو عنوان أحد أفلام المخرجة بوران ديراخشاندِه. وقد عُرض هذا الفيلم في دور السينما الإيرانية عام ٢٠١٣ وترك أثرا عميقا في نفوس الكثيرين. وهو يحكي قصة فتاة اسمها شيرين قتلت بواب البناية في يوم عرسها. وتفترض الشرطة في البداية أن ذلك البواب كان يريد ابتزاز الفتاة، لكنّ شيرين ما لبثت أن روت قصّة استغلالها الجنسي الطويلة التي بدأت منذ طفولتها المبكّرة والتي حملت أعباءها وحدها وبصمت دون أن تجد من تُفضي إليه بأسرارها. وأنها بمجرّد أن لاحظت أنّه ينوي الشروع في الاستغلال الجنسي لإحدى الفتيات الصغيرات فقدت السيطرة على نفسها وقامت بقتله.

وقد حاز فيلم »هُسْ، البنات لا يصرخن« على عدد من الجوائز الإيرانية والعالمية. لكنّه جوبه بنقد لاذع أيضا. فمن ناحية اعترض الموالون للدولة بأن الفيلم يعكس صورة حالكة عن المجتمع الإيراني ونظامه القضائي. ومن ناحية أخرى اعترضت الناشطات النسويات على الفيلم بحجّة أنّه يتّهم الأمهات العاملات بإهمال أطفالهن وهو بهذا يضع جزءا من ذنب الاستغلال الجنسي على عاتقهنّ ولو بشكل غير مباشر. كما أن تلك الناشطات النسويات لم يكنّ راضيات لأن الفيلم لا يعالج العنف الجنسي داخل العائلة.

ورغم كل ما يمكن توجيهه من نقد للفيلم، فإن على المرء ألاّ ينسى أنّه استطاع طرح موضوع الاستغلال الجنسي للأطفال في قلب المجتمع. وهو ما كان يبدو مستحيلا من قبل. فقد بدأ الناس العاديّون يناقشونه في الشارع ولم يعد حبيسا في دائرة الأخصائيين النفسانيين والقانونيين.

يوضّح الفيلم بشكل جيّد السبب في أن الاستغلال الجنسي قد يظلّ مستورا لسنوات طوال دون أن يخضع الجاني للعدالة. فالكثير من ضحاياه يفضّلون هم وعائلاتهم الصمت خوفا من الفضيحة وحفاظا على سمعة العائلة الطيّبة ومركزها الاجتماعي.

الاستغلال الجنسي للأطفال ونتائجه

يعني »الاستغلال الجنسي للأطفال« أن يقوم أشخاص راشدون بعمل جنسي مع الأطفال أو أمامهم. حيث يستغلّ الجاني السلطة التي يمنحه إياها تفوّقه الجسدي والعقلي بسبب السنّ ليجبر الطفل على سلوك جنسي يثير غرائز الجاني ويشبعها. ولا يعني الاستغلال الجنسي بالضرورة الاغتصاب، إذ أنّه يتضمّن التقبيل واللمس وإجبار الطفل على مشاهدة أفلام وصور إباحيّة أو إستغلال الطفل من أجل تصوير هذه الأفلام والصور.

في معظم الحالات لا يكون الجناة غرباء بالنسبة للطفل. فهم قد يكونون أفرادا من عائلته أو ينتمون إلى دائرة أصدقاء العائلة أو ممن يعملون في مدرسته. أي أنّهم غالبا ممّن يثق بهم الطفل ومن الموكّلين بالعناية به ومساعدته. وهم يستغلّون هذا الموقع للتقرّب إليه أو تقريبه منهم.

يسبّب الاستغلال الجنسي أذى نفسيا وجسديا شديدين للطفل. كما أن له آثارا تبقى إلى زمن طويل جدا. ويعاني ضحايا الاستغلال الجنسي من الأطفال من مشاعر الذنب والإحساس بالعار والخجل واحتقار النفس والشعور بانعدام القيمة الذاتية والخوف ونوبات الغضب بالإضافة إلى الانعزالية. وهم لا يستطيعون في الكثير من الحالات أن يرووا ما حصل معهم. ولهذا العزوف عن الكلام أسباب كثيرة، فهم يخشون ألاّ يصدّقهم أحد. كما أن الأطفال في المجتمعات ذات الثقافة التقليدية يتعلّمون باكرا وبسرعة أن الحديث حول مواضع معيّنة من الجسد هو أمر ممنوع. وهذا النوع من التحريم بحد ذاته يقود إلى تردّد الطفل بالحديث حول ما حصل معه وخوفه من أن يتم إلقاء اللوم عليه بسبب ذلك الحديث.

وعلى الأطفال المستغَلّين جنسيا أن يكافحوا سنوات طوالا عواقب ذلك الاستغلال. وقد بيّنت دراسات الأخصّائيين النفسانيّين أن إهمال علاج النتائج النفسية للاستغلال الجنسي يؤدي إلى تفاقم خطورتها وبقائها مدّة أطول. وقد يتحوّل هؤلاء الأطفال أنفسهم إلى جناة في المستقبل. كما أن الدراسات الميدانية في إيران بيّنت أن رُبع المومسات تقريبا هناك كنّ ضحايا الاستغلال الجنسي في سنّ الطفولة. وقد شدّد الناشطون في مجال حقوق الطفل على نقطتين في هذا الخصوص. الأولى هي ضرورة توعية الطفل حول الجنس والحدود التي على الآخرين الالتزام بها. وتعزيز ثقة الطفل بنفسه وتدريبه على حماية جسده وعلى أن يقول „لا“ في الوقت المناسب. فمن شأن ذلك أن يمنع بفعّالية حدوث الاستغلال الجنسي.

أما النقطة الثانية فهي تتمثّل من ناحية بادراك المؤشّرات الأولى على حدوث استغلال جنسي ثم طريقة تعامل الأهل مع ذلك. فكل التغيّرات الفجائية في سلوك الطفل يجب أن تُؤخذ بجدّية. كأن يميل الطفل فجأة إلى الإنعزالية أو أن يفقد التركيز أو أن يعود إليه السلس البولي في الليل أو عندما يبدي الطفل الخوف من الملامسة الجسدية. كل هذه الأعراض يمكن أن تكون مؤشّرات على حدوث استغلال جنسي. وعندما يبدأ الطفل بتجنّب أحد الأشخاص الذين كانوا من المقرّبين إليه فيجب البحث عن سبب ذلك. وعلى الأهل تأمين جوّ يبعث الثقة في الطفل ويجعله يتحدّث بحرّية عمّا حدث معه دون أن يخشى من توجيه أي اتهام إليه. فالاكتشاف المبكّر لحدوث الاستغلال الجنسي يمكن أن يمنع الاستمرار به ومن ثمة فداحة الأضرار الناجمة عنه.

والاستعانة بالأخصائي النفسي أو المرشد العائلي للوقاية من الاستغلال الجنسي أو للتعامل معه في حال حصوله قد تساعد لا الطفل فحسب، ولكن الأهل أيضا، لأن الكثيرين من الآباء والأمّهات في إيران لا يعرفون كيف يتحدّثون مع أطفالهم حول الجنس ويجهلون العمر المناسب لذلك. ولكنّ المؤكّد هو أنّ الطريق لمنع حصول الاستغلال الجنسي للأطفال يمرّ من كسر التابو الاجتماعي الذي يحرّم تناوله في العلن ومناقشته كمشكلة إجتماعية.

التناول الإعلامي للمسألة وردود أفعال المسؤولين

مما يلفت النظر في الإعلام الناطق بالفارسية في الفترة الأخيرة تناوله بكثافة لمسألة الاستغلال الجنسي للأطفال. ولا يقتصر ذلك على وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية في الخارج والتي لا تخضع لأية رقابة من قبل الحكومة الإيرانية كدويتشه فيله وبي بي سي الفارسية وصوت أميركا مثلا، بل يشمل وكالات الأخبار والصحف التي تعمل من داخل إيران أيضا. ثمة أمر آخر جدير بالملاحظة بخصوص ما ينشره الإعلام في هذا الموضوع وهي التقارير حول اغتصاب الصبيان الذكور. فقد كانت البنات هي المقصودة كلما دار الحديث عن الاستغلال الجنسي للأطفال في الماضي. ويعتقد الكثير من الخبراء أن الصعوبة في تناول موضوع العنف الجنسي الممارس على الصبيان تعود إلى أسباب ثقافية ودينية. وعلى هذا الأساس يبدو أن هذا التابو أيضا قد تم تجاوزه.

إحدى أكثر القضايا التي أثارت انتباه الرأي العام في الأشهر الماضية كانت قضيّة مراقب أحد مدارس الصبيان الإبتدائية في طهران والذي اتّهم بالاستغلال الجنسي لأحد التلاميذ في أيار/ مايو هذا العام وقُبض عليه إثر ذلك. وكان والدا التلميذ قد لاحظا التغيّر الحاصل في سلوك إبنهما وفاتحاه بذلك ليكتشفا تعرّضه للاستغلال الجنسي فقاما برفع شكوى لهذا السبب. ولم يمرّ الكثير من الوقت حتّى جاءت شكاوى مماثلة من عائلات أخرى ضد الرجل نفسه. وقد أثبت الطبّ الشرعي واقعة اغتصاب ستة من هؤلاء التلاميذ حتى الآن. وقد أجّل القاضي المحاكمة بسبب استمرار قدوم شكاوى جديدة ولم يستطع الطب الشرعي فحص كل الحالات بعدُ.

وقد تابع الإعلام الإيراني سير هذه القضية في الأشهر الأخيرة. كما تناولوا النقد الذي وجّهه ناشطو حقوق الطفل إلى المسؤولين. فوفق ما جاء في صحيفة »شهروند» الإيرانية كان عدد من التلاميذ قد شاهدوا المراقب وهو يستغل زميلهم جنسيّا لكنّهم لم يفهموا تماما ما الذي يفعله، وظنّوا أنّه يعاقبه جسديا. ولو كان لديهم قدرٌ كافٍ من المعرفة بهذا الأمر لأدركوا خطورة الموقف، أو أنه ليس موقفا عاديّا على الأقل. وقد كان من شأن ذلك أن يقلّل عدد الضحايا من زملائهم على الأغلب.

يطالب ناشطو حقوق الطفل منذ أعوام بإدخال مادة التربية الجنسية إلى منهاج التعليم في المدارس الإيرانية. فهم يعتبرون أن التوعية ونشر المعرفة هي الخطوة الأولى على طريق مكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال. ورغم أن الأخصّائيين يؤكّدون على أهمية التوعية الجنسية في المدرسة فإن تطبيق ذلك صعب جدا. وقد كان السيد حميد رضا كافاش مفوّض وزارة التربية والتعليم للشؤون الثقافية أول مسؤول يتحدّث إلى الإعلام حول قضية مراقب المدرسة المذكور أعلاه. ففي مقابلة مع صحيفة »شهروند» اعتبر أن التوعية الجنسية هي واجب العائلة، وقال: „لا يمكن للمرء في إيران أن ينشر كتبا تتناول مواضيع لها علاقة بالجنس ولا أن يدرّسها للتلاميذ بشكل مباشر. علينا أن نجد طريقة لتوعية وتعليم أهل التلاميذ“. ولا تكمن المشكلة برأيه في وزراة التربية والتعليم وتحفّظاتها ولكن فيما دعاه »الجو الاجتماعي» في إيران، دون أن يسمّي أية مؤسسة أو شخصية معيّنة ترفض تعليم التربية الجنسية في المدارس. لكن وزارة التربية والتعليم مازالت تبدو غير راضية عما نُشر من أخبار الاستغلال الجنسي للتلاميذ. وقد قيل لبعض عائلات هؤلاء الأولاد أن عليهم ألا يتحدثوا للإعلام حول تلك القضية. وقد برّر السيد حميد رضا كافاش ذلك بضرورة الحفاظ على »شرف الأمة» وقال بأنه لا يرغب كإيراني بأن ينشر الإعلام الأجنبي تقارير عن حادثتين من هذا النوع تقعان في طهران. لا تُنشر إحصائيات دقيقة عن الاستغلال الجنسي للأطفال في إيران. وتصنّف هذه الحالات عادة تحت المفهوم العام »سوء معاملة الأطفال» وتسجّل بهذه الصفة إلى جانب حالات من نوع العقوبة الجسدية للأطفال مثلا. وبمراجعة سريعة للتقارير الإعلامية وتصريحات ناشطي حقوق الطفل في السنوات الأخيرة يمكن الاستنتاج الفوري أن هذه الحوادث أكثر بكثير من مجرّد „حادثتين في طهران“، كما يدّعي المسؤول المذكور.

إن ردور أفعال المسؤولين على هذه القضية الأخيرة وصمتهم أو محاولاتهم للتقليل من شأن وخطورة المسألة تعطي إنطباعا بأن مشكلة الاستغلال الجنسي للأطفال لا تُؤخذ بجدية في المؤسسات الرسمية أو حتّى أن ثمة محاولات لإبقائها قيد الكتمان.

موجة غضب اجتماعية بسبب تعبير »ميل متبادل«

كان مظفر الفندي رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الطفل أحد المسؤولين القلائل الذين أعلنوا عن رأيهم في قضية مراقب المدرسة الذي استغل التلاميذ جنسيا مثيرا بذلك مشاعر الرأي العام، وذلك عندما قال لوكالة الأنباء »إيلنا« (ILNA) في بداية آب/ أغسطس من هذا العام: „لا أظن أن كل حالات الاغتصاب تلك وقعت بالعنف، بل كان هناك ميل متبادل في بعضها‭"‬. وقد أثار هذا التصريح موجة من ردود الأفعال لدى مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في الإنترنت، حيث عبّر الكثير من الإيرانيين عن غضبهم أو عن دهشتهم. وأحد أسباب هذه الدهشة أن تلك الكلمات تُقال في بلد تُعتبر فيه المثلية الجنسية جريمة تعاقب بقسوة. أما الغضب فسببه إلقاء الذنب على أطفال في المدرسة الإبتدائية. فهذه التصريحات لا تؤدّي إلى تحميل المسؤولية للأطفال من ضحايا الاغتصاب ولعائلاتهم فحسب، ولكنّها قد تمنع عائلات أخرى تعاني من المشكلة نفسها من أن تتحدّث عما يحدث لأطفالها من استغلال جنسي ومن أن تحاول تقديم الجناة إلى العدالة. أضف إلى ذلك أن النفسانيّين والحقوقيّين متفقون على أن وجود ميل جنسي يبدو متجاوزا الحد الطبيعي لدى الطفل تجاه البالغين في ظل ظروف معينة وأسباب خاصة لا يسمح لنا بتسمية ذلك »قبولا» من الطفل، لأنه في ذلك السن لا يدرك المعنى الحقيقي للعلاقة الجنسية ولا يعرف نتائجها البعيدة. ولذلك تُعتبر هذه العلاقات استغلالا جنسيّا والبالغون هم المسؤولون عن ارتكابه.

رغم أنّه ليس من السهل العثور على ما هو إيجابي في حادثة مراقب المدرسة، إلاّ أن هذا الوعي الجديد بتلك القضية الذي شهده المجتمع والإعلام والشجاعة التي أبدتها عائلات التلاميذ بألاّ تتستّر على الاستغلال الجنسي لأطفالها، كل ذلك يبعث على الأمل. وقد أصبحت هذه الحساسية النامية لدى المجتمع الإيراني تجاه موضوع الاستغلال الجنسي للأطفال أمرا ملموسا. ويبدو أن قسما من ذلك المجتمع على الأقل يريد مواجهة هذه المسألة وإيجاد حل لها. لكنّ ثمة فرقا كبيرا بين موقف المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية فيما يتعلق بالتعامل مع المشكلة.

المنظمات غير الحكومية والأجهزة الأمنية

إن المنظمات غير الحكومية والعاملين الاجتماعيين والناشطين في مجال حقوق الطفل هم من يقومون بشكل أساسي بالاهتمام بضحايا الاستغلال الجنسي للأطفال ومحاولة منع حدوثه. ورغم أن الحكومة اعترفت بوجود هذه المشكلة وأسّست بعض المرافق المخصّصة للتعامل مع مشكلات الأطفال عموما وذلك منذ عام ١٩٩٩ فإنها لم تستطع أن تؤمّن للأطفال الذين تعرّضوا للاستغلال جوّا آمنا وقادرا على أن يبعث فيهم الثقة. بل إن بعض التقارير تفيد بأن بعض أولئك الأطفال المقيمين في ملاجئ الجمعيات الخيرية يهربون منها لأنهم يتعرّضون هناك أيضا للاستغلال نفسه.

وتركّز المنظمات غير الحكومية في عملها على الأطفال المنحدرين من أسر فقيرة كالأطفال العاملين مثلا. وتتمثّل المشكلة الكبرى التي تعانيها هذه المنظمات في تأمين التمويل من خلال تبرعات المواطنين. ويضاعف من صعوبة هذه المشكلة الشك الذي تواجه به أجهزة الأمن الإيرانية عملها. فالمنظمات غير الحكومية ترفض مثلا أية تبرعات مالية أجنبية خوفا من اتهامها „بالعمالة للدول الأجنبية“ وممارسة نشاطات مضادة للثورة وهو ما عانت منه في الماضي. فبالنسبة للأجهزة الأمنية تُعتبر حتى المقابلات الصحفية التي تجري في الخارج والتي يتم فيها التطرّق للمشاكل الاجتماعية وتوجيه النقد لطريقة عمل الحكومة „دعاية ضد الحكومة“ وجريمة يجب معاقبتها بشدّة. وقد تم فعلا إدانة وسجن بعض الناشطين في مجال العمل من أجل حقوق الطفل في السنوات الأخيرة لأسباب مشابهة. وليس صعبا أن نفهم الحساسية المفرطة التي تواجه بها مؤسسات الدولة الرسمية نشاطات المنظمات غير الحكومية في المجال الاجتماعي، إذ أن التطرّق للمشاكل الاجتماعية يؤدي إلى نقد عمل الحكومة والقوانين التي تستند إليها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى تخشى السلطات الحكومية من إضعاف مركزها في المجتمع وفقدان السيطرة على القطاع الاجتماعي. ولهذا السبب فإن الحصول على ترخيص بهدف تأسيس منظمة غير حكومية في إيران هي عملية شاقة ومعقدة وطويلة.

الاستغلال الجنسي للأطفال والقوانين السارية

هناك فرق جوهري ما بين تصور الناشطين من أجل حقوق الطفل وبين القوانين السارية في إيران. فالقانون الإيراني يسمح للإناث في سن الثالثة عشرة وللذكور في سن الخامسة عشرة بالزواج. بل وحتى في سن أقل إذا طلب الأب ذلك رسميا أمام المحكمة ووافق القاضي. لكن الناشطين يرون أن هذه القوانين تعارض تماما حقوق الطفل بل إنها ترخّص استغلاله الجنسي. لأن الطفل في هذه الحالات لا يستطيع اتخاذ قرار واعٍ وحرّ بعقد الزواج. الحكومة الإيرانية من جهتها تعتبر تلك القوانين مطابقة للشريعة وتمنع توجيه أي نقد لها.

وحسب الإحصائيات الإيرانية الرسمية فقد تم تزويج ٩٢٫٠٠٠ من الفتيات ما بين سن العاشرة والرابعة عشرة و ١٥٠٠ تحت سن العاشرة فقط في الشهور التسعة الأخيرة من العام الماضي. وهذه الأرقام هي مجرّد جزء من الرقم الحقيقي، إذ أنها تُغفل الزيجات التي لا يتم تسجيلها رسميا، وهو ما يحدث عادة في بعض المناطق والأقاليم الإيرانية حيث تجري زيجات تقليدية دون تسجيل حسب العرف الجاري. وعدد الأطفال الذين يتم تزويجهم قسرا كل عام أعلى بكثير في الواقع.

ورغم أن سن الزواج في الطبقات والشرائح العليا والوسطى من المجتمع الإيراني قد ارتفع منذ سنوات عديدة، إلاّ أن تزويج البنات الصغيرات ما زال طريقة تتبعها العائلات الفقيرة لتخفيف أعبائها المالية. . وهكذا فإن الظلم الاجتماعي وغياب القوانين المنسجمة مع المعايير الدولية الحديثة والعهدة الدولية لحقوق الطفل والتي صادقت عليها الأمم المتحدة والتي تحدّد سنّا أدنى للزواج، كل ذلك أدّى إلى جعل الاستغلال الجنسي للأطفال يتمتّع بالشرعية الرسمية.

إن تغيير هذه القوانين سيحتاج إلى سنوات كثيرة على الأغلب. لكن هذه الحقيقة بالذات تضع أمام ناشطي حقوق الطفل مهمة ملحّة هي أن يولوا مسألة توعية المجتمع لخطورة زواج الأطفال أهمية تساوي أهمية التوعية بخصوص مسألة الاستغلال الجنسي للطفل.
پريسا تنكابنى كاتبة وصحفية تقيم في مدينة دوسبورغ

ترجمة: حسين شاويش

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...