الافتتاحية

Dome of the prayer chamber of Wazir Khan Mosque in Lahore. Photo: Stefan Weidnerفإذا كان التعامل مع كسر الذراع مثلا لا يختلف من مكان إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، فإن أسلوب التعامل مع الأمراض النفسية كالصدمات أو البارانويا أو انفصام الشخصية وغيرها يختلف كثيرا؛ إذ غالبا ما يرفض الناس التحدث بسهولة عن هذه الأمراض.

لكن ما نحن متأكدون منه هو أن العوامل النفسية تلعب دورا كبيرا في حياة كل إنسان، بغض النظر عن طريقة التعبير عنها في الثقافات المختلفة، بمعنى هل يتصرف البشر بشكل „طبيعي“ أو „غير طبيعي“. وما هو مؤكد أيضا فإن البشر في ظل ظروف معينة معرضون للإجهاد أوالضغط النفسي أو لا. ولكن ولتحديد ماهية العبء النفسي في كل حالة، أو ماهية السلوك الشاذ، أو غير الطبيعي، علينا الاعتماد في كثير من الأحيان على سياق الخلفيات الثقافية المختلفة. وهنا، وعند هذه النقطة بالذات يختفي الطابع العالمي عن كل مدرسة من مدارس علم النفس.

وبغض النظر عن هذه الإشكالية، وربما بسببها بالضبط، يبدو لنا من الأهمية بمكان أن نتناول موضوع علم النفس بالبحث والتحليل ضمن الملف الخاص في هذا العدد من «فكر وفن». وحين نراقب ردود الفعل المختلفة على الأمراض النفسية سنتعرف على جوانب جديدة من الثقافات، إذ يقدم علم النفس الكثير عن ماهية الثقافات وخلفياتها.

ونستهل العدد ١٠٢ من «فكر وفن» بمساهمتين من وجهة نظر علماء نفس يعملون في حقل التحليل النفسي حول عالمية علم النفس من عدمها. فالسؤال المطروح هنا هو: هل تحمل أبحاث وكتابات سيغموند فرويد في التحليل النفسي أي قيمة اليوم للناس في الهند أو في العالم العربي؟ ويبدو أن الجواب، وهذا هو المفاجئ، سيكون بنعم. ويشرح سلمان أختر، الأستاذ الجامعي في الولايات المتحدة وأحد أبرز علماء النفس المسلمين من أصول هندية، في مقالته «عولمة فرويد؟» الحدود الثقافية الجغرافية التي وضعها عالم النفس النمساوي للتحليل النفسي ومدى إمكانية تجاوزها. ويرى أختر في النهاية أن التحليل النفسي، يصلح لكل البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الثقافية والمكانية. ونتناول الموضوع أيضا من خلال مقابلة مع عالم النفس المغربي جمال بناني.

ولا نكشف جديدا حين نقول إن هناك علاقة وثيقة بين العنف وعلم النفس، بيد أن لهذه العلاقة وجهان. فمن جهة يتسبب العنف بالمشاكل النفسية، ومن جهة أخرى يمكن لهذه المشاكل (النفسية) أن تعبر عن نفسها بالعنف، وهو ما يتجلى في العديد من الصراعات.

وعموما، وفي كل الصراعات العنيفة، يكون الضحايا من الجانب الضعيف في المجتمعات التي ينخرها العنف، أي من النساء والأطفال. وكمثال على ذلك يلقي جمال خليل صبيح و حورية عبد الواحد الضوء على الوضع المأساوي للأطفال والنساء في سوريا في ظل الحرب الدائرة هناك والتبرير الإيديولوجي لاستهدافهم. كما أن المجتمعات التي لا تشهد حروبا أهلية ونزاعات مسلحة ترزح هي أيضا تحت المشاكل النفسية ويدفع الضعفاء مرة أخرى الثمن أكثر من غيرهم. وتجد بعض هذه المجتمعات صعوبة في مواجهة المشاكل النفسية أو ما ينتج عنها وفتح حوار حولها، كما هي الحال في إيران مثلا حول ملف الاستغلال الجنسي للأطفال. وإذا كانت هذه هي الحال مع الدول النامية فإن الغرب الغني يعاني من مشاكل أخرى لها جذور نفسية، إذ ثمة اعتقاد أن معاداة الإسلام، أو ما يعرف بالإسلاموفوبيا تنتمي إلى هذا النوع من المشاكل. أما بالنسبة لملف الهجرة، فإن الغرب يعاني صعوبة في مواجهة هذه الظاهرة حتى أنه لم يحدد علاقته بها بوضوح بعد. بيد أن المهاجرين من ذوي الأصول الإسلامية يواجهون مشاكل نفسية ذات طبيعة مختلفة. من هنا تكتسب مساهمات مريم شولر ـ أوجاك و زيغريد شايفله و حاجي خليل أوسلوجان في هذا العدد أهمية خاصة. وتلعب الموضوعات والتجارب النفسية دورا كبيرا في الأدب والفن أيضا، سواء اتخذت كموضوع أو كوسيلة لمعالجة موضوع أدبي أو فني. وكمثال على ذلك يتناول الباحث والمترجم الألماني شتيفان ميليش رواية الكاتبة السورية روزا ياسين حسن «حراس الهواء».

نتمنى أن نكون قد قدمنا مساهمة تنال اهتمامكم مع ملف هذا العدد حول علم النفس.
حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...