المشاركه و التبادل

هل التشارك ممكن على مستوى العالم؟
فكرة «التعايشية» باعتبارها أممية جديدة

إن «التعايشية» ((Konvivalismus هي توجه فكري يقوم على فكرة التشارك والتبادل ويقف في مواجهة المنفعة الذاتية والفكر الاقتصادي المحض ويحرص على علاقة سليمة بين الإنسان والطبيعة. لكن هل من الممكن للتجربة الناجحة في سياقات محلية محدودة، أن تنجح أيضا على المستوى العالمي؟ المفكر الألماني المعروف والناشط في الحركة «التعايشية» كلاوس ليغيفي يجيب هنا على هذا التساؤل

تكمن خصوصية «بيان التعايشية» الذي تم تداوله في عام 2013 في كلمات فرانك أدلوف المحرر الألماني المشارك في صياغته، إذ قال „إن مجموعة كبيرة من العلماء والمثقفين ذوي القناعات السياسية المختلفة، قد تمكنت من الاتفاق على نص يذكر على وجه التقريب الإخفاقات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة. وهنا حدد البيان أمرين أساسيين: هما أولوية الفكر والسلوك النفعيين، أي الموجهين للمنفعة الذاتية، والتعامل مع الاعتقاد في التأثير المخلص للنمو الاقتصادي باعتباره اعتقادا مطلقا. من جهة أخرى تقف رؤية إيجابية للحياة الجيدة في مواجهة هذه التطورات، إذ تأتي مراعاة جودة العلاقات الاجتماعية والعلاقة مع الطبيعة في المقام الأول. ولهذا يستخدم مصطلح «التعايشية»، (Konvivalismus) المشتق من التعبير اللاتينيcon-vivre أي العيش معا. يشير المصطلح إلى أن المهم هو تطوير فلسفة جديدة وأشكال عملية للتعايش السلمي. ويسعى البيان لتوضيح أنه من الممكن أن يكون ثمة عالم مغاير ــ لأن هناك الكثير من أشكال التعايشية، لكن وجود هذا العالم ضروري أيضا، نظرا لسيناريوهات الأزمات المذكورة أعلاه “ (فرانك أدلوف).

يتساءل هذا المقال عن مدى صلاحية المبدأ التعايشي لحماية موارد النفع العام العالمية (الموارد التي تعد من حيث المبدأ ملكا للجميع) ولتطبيق أهداف التنمية المستدامة، أي مدى أهليتها للتأثير ليس فقط في المحيط القريب لعالم الحياة، بل وأيضا في العالم «الواقعي» للعلاقات الدولية.

تبادل دولي للعطايا؟ تستند السياسة الدولية التعايشية إلى نهج فكري لتبادل العطايا وضعه عالم الإثنولوجيا والاجتماع الفرنسي مارسيل موس، وأستطيع هنا تلخيصه بإيجاز. تتخطى العطية مبدأ التبادلية المجردة (بمعنى التأثير المتبادل)، حينما ينطوي فعل العطاء الطوعي على علاقة بالآخر ذات طابع انتشائي متجاوز للذات، وعندما يتم باضطراد عبر سلسلة مجهّلة من العطاء والأخذ والرد، بافتراض أن العطية تنطوي على خبرة كينونة التأثر وقضيته. يكمن التناقض في أنه لا يوجد من الناحية التعاقدية أو المعيارية التزام بالعطاء أو القبول أو الرد. يمكن لكل مشارك أن „يغادر“ هذه الدورة في أي نقطة تحلو له. وهو لا يستطيع إذا أن يتوقع من البداية حصوله على شيء مقابل عطيته. صحيح أنه كثيرا ما يوجد رد مقابل للعطايا في الواقع، لكن دافع العطاء لا يمكن أن يُرد بشكل مباشر إلى السعي للحصول على شيء. لهذا فإن الحرية أمر جوهري للعطية مثلها تماما مثل الالتزام. إن الإلتزام الناضج المحسوس الذي كثيرا ما ينبع من العطاء أمر لا جدال فيه: في المقايضة وحدها يكون مبدأ التبادلية حتمي، حتى ولو لم يكن الضروري أن يكون الرد موجه مباشرة إلى المانح. يُتداول رد العطية بين جماعات متنوعة وعبر الأجيال.

يختلف نقل الموارد المستند إلى العطية (على خلاف اللفتات/العطايا الرمزية) مبدئيا عن المقايضة ذات الشكل السوقي. لأن المرء لا يعرف إن كان سيتلقى شيئا في المقابل يمكن „مبادلته“، ولا متى سيحصل على شيء في المقابل. ويكون الأمر في كلتي الحالتين بيد متلقي العطية. ومن هنا يمكن استخلاص نتائج مستنبطة من إعادة التأسيس لأشكال التصرف التضامنية، الاقتصادية الأخلاقية: التعاونيات، والمساعدات الخيرية، والمنظمات غير الربحية والتبرعات والمؤسسات الوقفية والعمل التطوعي ــ بهذه المصطلحات يوصف هذا المجال الواسع والمتنوع (يطلق عليه في اصطلاح آخر «القطاع الثالث»)، الذي لا يمكن اختزاله في منطق السوق ولا منطق التخصيص الحكومي. يتعلق الأمر هنا بنقل الموارد على أساس الثقة دون توقع مقابل ملموس، لكن مع أخذ الاقتصاد الأخلاقي للعيش معا، والنفع المادي للجميع أو لكثيرين في الاعتبار.

المثير للاهتمام هو أن موس قد طور نظريته الإثنولوجية المعمقة على خلفية إشكالية معاصرة وفي ارتباط واضح بها وهي تحديدا قضية سداد الديون أو دفع التعويضات التي توجب على الرايخ الألماني أن يدفعها كدولة مهزومة في الحرب العالمية الأولى للدول المنتصرة. وقد اتخذ موس في مؤلفه «كتابات سياسية» الذي لم يحظ باهتمام كبير موقفا يرى بأنه بالرغم من أنه كانت لدى ألمانيا التزامات بالسداد وبالتعويضات، لكن يمكن تخفيفها عبر تأجيلات السدادات وإعفاءات الديون، من أجل تفادي ردود الفعل القوموية المعاندة من قبل المدينين (والدائنين). وفوق كل ذلك، فإن كان دوركهايم معلم موس (وخاله) قد فهم التضامن باعتباره تضامنا داخل المجتمع، فإن موس اعتبره تضامنا بين المجتمعات. وهو يعتبر أن المجتمعات تعتمد دائما بصورة جوهرية على التبادل «الأممي» أي التبادل العابر للثقافات.

أمثلة على „السياسة الخارجية“ الكونفيفالية

أ) خفض الديون يتركز الاهتمام على إشكالية الديون وعلى غرق الموازنات العامة والخاصة في الديون، سواء في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الغنية، أو على وجه الخصوص في دول الهامش، في الجنوب، فعوضا عن أن يفرض الدائنون (الدول والبنوك) على المدينين سداد ديوانهم (والثمن سيكون في هذه الحالة الانهيار المتواصل)، ينبغي عليهم أن يمنحوهم إعفاء من الديون وتأجيلات للسداد، مرتبطة بإجراءات تسمح بنمو ذاتي مستقل. وتبدو فكرة الإعفاء من الديون أقل غرائبية إذا ما استعرض المرء الترابطات المتشابكة المتبادلة بين الدائن والمدين ــ والخسائر المرتبطة بها أيضا بالنسبة لهؤلاء أيضا الذين يتحتم عليهم في حالة انهيار اقتصادات جنوب أوروبا المثقلة بالديون أن ينتظروا دهرا سداد الفوائد والديون، ويُجرون بهذه الطريقة إلى خضم الأزمة.

لا بد أن ندرك أن لكل من الجانبين يد في صنع أزمة الديون الراهنة. إذ لا يمكن منع الانهيار إلا بمزيد من العطايا أملا، في أن تؤتي الاستثمارات أكلها. وبهذا سيكون الإعفاء مقابلا للسداد والحرية مقابلا لعبودية الدين. إن وقفا راديكاليا لصفقات السداد المجدبة هو وحده ما سيتيح من هذا المنظور بداية جديدة وسيعيد ــ على الأرجح يثير ذلك عجب المتضرر نفسه ــ لهذه البداية حريتها. خيارات بديلة لليونان أحد الإمكانات المتاحة لإعادة إنعاش اليونان ذات البنية الاقتصادية الضعيفة والمنهكة (بسبب أصحاب المشاريع اليونانيين وبسبب الضغط الخارجي)، هو استخدام أموال الدعم والاستثمارات من أجل الانتفاع بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمياه في هذا البلد الذي يعتمد، مقارنة مع دول البحر المتوسط الأخرى، على واردات النفط والفحم الباهظة بدرجة تفوق المتوسط. وتعد اليونان من ضمن أكثر دول الاتحاد الأوروبي تلويثا للمناخ، مع أن عدد الأيام التي تسطع فيها الشمس طويلا على سواحلها يقارب ضعف الأيام التي تسطع فيها في شمال غرب أوروبا. وحتى ولو كان الوعي بمشكلة التغير المناخي أو موضوع كفاءة استخدام الطاقة في اليونان غير متطور كثيرا لدى القطاع العريض من السكان ولدى النخبة السياسية والاقتصادية ــ ألن يكون من الأجدر التفكير في الأمر وإطلاق مبادرة تختص بالسياسة الصناعية وسياسة الطاقة؟

حاليا لا يتم التعامل مع أهداف الاتحاد الأوروبي لحماية المناخ في اليونان بجدية كبيرة (وفقا لشعار: لا صوت يعلو فوق صوت الأزمة…) وكثيرا ما يُنظر إلى هذه الأهداف في أوساط اليساريين المتطرفين والقوميين باعتبارها «إمبريالية خضراء». لكن هذا خطأ فكري جسيم، إذ من الممكن للجهود في مجال التحول في استخدام الطاقة على وجه الخصوص أن توقف اقتصاد البلاد المتعثر على قدميه. وقد أصبح ذلك أمرا مسلما به، على الأقل بلاغيا، مع مشروع هيليوس، أي خطة „أكبر حظيرة صناعية لتوليد الطاقة الشمسية في أوروبا“ (حسب تعبير مفوض الطاقة السابق غونتر أوتنغر(، والتي يفترض أن تصدر بحلول عام 2050 عشرة غيغا وات من الكهرباء المولدة بالطاقة الشمسية. وكان من المفترض أن يبدأ تشغيل أولى محطاتها في عام 2015. لكن المشروع لم يتعدى طور التخطيط، نظرا لأن الأمور ظلت غير واضحة بشأن التمويل وأيضا مد الشبكات وأشكال التغذية. وهذا أمر مؤسف للغاية على خلفية أخطار المنافسة الراهنة على اكتشاف مصادر جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط وخصوصا في جنوب قبرص. وحول قبرص تخوض كل من اليونان وتركيا ومصر وإسرائيل وسوريا مواجهات أقرب إلى النزاع في البحر المتوسط حول أحقية كل منها في الانتفاع بهذه المصادر.

ونظرا لأن قبرص جزيرة مقسمة، لا تعترف أغلبية سكانها اليونانيين بوجود جمهورية تركية مستقلة في شمال الجزيرة، وأن موقعها المكشوف في شرق البحر المتوسط يجعلها عرضة لادعاءات ومطالب العديد من القوى المتوسطة والكبيرة، لا يعد التركيز على توفير مضمون للطاقة عبر الغاز الطبيعي بشكل خاص حلا أمثل. إن الخيار السياسي الأفضل في منطقة البحر المتوسط، التي .زعزعت الأزمات أركانها هي مصادر الطاقة المتجددة المتوافرة بكثرة في دول البحر المتوسط نفسها. ومن شأن التحول إلى الطاقات المتجددة في دول الجنوب أن ينعكس إيجابيا على مجالات أخرى. فمنطقة البحر المتوسط لا تزال تحظى بنحو الثلث من حجم السياحة العالمية التي تركت أثرا عميقا على بنية المنطقة التحتية وعقليتها. ولا تعد السياحة إقليميا قطاعا رائدا فحسب، بل هي أيضا صناعة فريدة حقا، تنعكس آثارها خلال الأزمات السياسية والطقس السيء مباشرة بشكل سلبي. وفي المجمل فإن السياحة الجماهيرية قد تسببت على مر العقود في أضرار جانبية بيئية واقتصادية خطيرة. لذلك فمن الضروري التحول من الغزو الجماهيري من الشمال إلى المناطق السياحية، إلى تلاقٍ محترم ومبدع بين الناس من الشمال والجنوب، يسمح بتعاون ومشاركة وجدانية تتجاوز أسابيع العطلة. ظلت دول البحر المتوسط رغم التطور الصناعي وتشكل قطاع الخدمات مرتبطة بتقسيم غير متكافىء للعمل مع دول الاتحاد الأوروبي الغنية التي أبقتها في تبعية مستمرة لها، وقد جذبت إليها حاليا هجرة كثيفة للقوى العاملة المؤهلة وغير المؤهلة. لذلك من الضروري التفاوض من أجل اقتصاد زراعي ملائم للبيئة وموجه بشكل أساسي للاحتياجات والأسواق المحلية، وتبادل تجاري عادل، ونظام معقول للهجرة يخدم كلا الطرفين.

ولا بد بشكل عاجل من حماية الأساس البيولوجي الهش للبحر المتوسط. وفي الوقت ذاته يمكن للمرء التفكير في التطويرات الملائمة للبيئة في صورة الصيد المستدام (بما في ذلك المزارع المائية) وخدمات الطاقة المتجددة المولدة من البحر. وكلا الأمرين يعني أن نكف عن النظر إلى البحر المتوسط إلى كنبع ومصرف وونتوقف عن إساءة استخدامه، بل أن نتعلم تقديره باعتباره في الوعي الأوروبي "بحرنا".

ب) عدالة عابرة للأوطان وضع مارسيل موس خلال المفاوضات حول التعويضات بين خصوم الحرب العالمية الأولى إمكانية التفاهم المشترك والمقبول من الجميع حول الأضرار التي وقعت في الماضي (المقصود هنا النزاع الحربي). وقد تحقق توقعه بعد عام ١٩٤٥ خلال «المصالحة» الألمانية ــ الفرنسية والألمانية ــ البولندية. ووفقا لذلك فإن العنصر المماثل للتعويض المادي هو الجانب الأخلاقي لـ «معالجة الماضي». ومن المثير للاهتمام في هذا السياق هو أن مطالبات قديمة بدفع تعويضات حرب عن الجرائم التي ارتكبها الرايخ الألماني قد ظهرت مجددا في إطار التدخلات من قبل ألمانيا أو التدخلات المنسوبة للحكومة الألمانية لحل أزمة الديون في اليونان. ومن بين ذلك أيضا أن رفعت الطائفة اليهودية في سالونيكي بعد أكثر عقدين من نزاع قضائي لم يسفر عن نتيجة أمام القضاء اليوناني، دعوى ضد ألمانيا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مطالبة بتعويضات. ويتعلق الأمر هنا بـ «أضرار غير مادية» وفدية قدرها 2،5 مليون درخمة، دفعتها الطائفة اليهودية في عام 1943 للقائد المحلي النازي ماكس ميرتن. ويعادل المبلغ حاليا نحو ٤٥ مليون يورو، ودُفع آنذاك لتخليص 9000 يهودي من العمل القسري. عاش في سالونيكي قبل الحرب العالمية الثانية أكثر من خمسين ألف يهودي، لم ينج منهم من المحرقة النازية سوى أقل من 2000. أشارت الحكومة الألمانية إلى أن مسألة التعويضات قد سُويت منذ فترة طويلة عبر اتفاقية دولية. وبغض النظر عن السؤال إن كانت المطالبات مشروعة من الناحية القانونية، تجسد هذه القضية مرة أخرى الترابط الوثيق بين الذنب والديون ــ فمطالبات الدائنين تقابل بمطالبات بالتعويض. ثمنت الفيلسوفة والباحثة السياسية الألمانية الشهيرة حنا آرندت اثنتين من قدرات الإنسان ككائن سياسي zoon politikon: القدرة على الصفح (وهي الوسيلة لعدم إمكانية إلغاء ما حدث) والقدرة على إعطاء الوعود والإيفاء بها (ضد افتراض صعوبة التكهن بالمستقبل). „بالعودة إلى مصطلح التصرف لحنا أرندت، الذي يقترب جدا في الأساس من مفهوم موس للعطية، يمكن وصفه تحت التصنيف العام الذي يمكن أن نطلق عليه «التصرف البناء».

مثل هذه التصرفات تفتح وتولد إمكانات لم تكن متوفرة من قبل وتتيح نشوء شيء هناك حيث لم يكن ثمة شيء من قبل.“ (آلان كاييه 2008: ص 218). تتيح مثل هذه التصرفات إعادة بناء الثقة، حيثما سادت الريبة في الماضي. لقد انشغلت حنا أرندت طويلا بالصفح، لأنه يتيح البداية الجديدة غير المتوقعة. لقد تناولت موتيفة مسيحية، غير أنها قامت بوضع خبرة الجماعة الأولى لحواري المسيح في إطار تاريخي ودنيوي وفسرت حب شخص المسيح بالمعنى „الدنيوي تماما“، الذي يتجاوز العلاقة الفردية والخاصة بين شخص مذنب والشخص الذي يصفح عنه. كان الشيء الجوهري بالنسبة لها، هو أن ينال كلا الطرفين حريتهما للبدء من جديد، أن يتحرر هؤلاء الذين يُصفح عنهم، وكذلك أيضا هؤلاء الذين يصفحون من تبعات الماضي المريع أو تبعات الجريمة البشعة. لا ينكر الصفح تماما مثل العقاب ضرر الجريمة، لكنه يوقف دوامة كارثية من التركيز على الماضي المحمل بالذنب.

إن الترابط بين أموال التعويضات و «معالجة الماضي» أو العدالة العابرة للأوطان بعد جرائم حرب وجرائم دولة، وتطهير عرقي وما شابه، أي التعويض الأخلاقي والمادي للظلم الذي وقع في الماضي، قد أدى منذ النقاش حول الهولوكوست في الثمانينات إلى حركة عالمية من أجل التعويضات، تصل في الماضي إلى العبودية التاريخية وتضم طرد والسكان الأصليين وإبادتهم وكذلك الجرائم الاستعمارية والعديد من الإبادات الجماعية، وكذلك أيضا الحملات المتواصلة لاستعادة الأعمال الفنية المسروقة بتنوعاتها المختلفة. ودون أن نخوض في تفاصيل أكثر، يكون على الأرجح مثيرا مناقشة هذه التفاعلات العالمية ليس فقط من جانب القانون الدولي والجوانب التاريخية السياسية والأخلاقية فحسب، بل وتأملها أيضا بخلاف ذلك في ضوء نظرية العطايا: يجري «تعويض» النهب العنيف والقتل الجماعي من خلال الاعتراف الأخلاقي والتعويض المادي من منظور التعاون الشامل.

ج) العمل الخيري على المستوى العالمي يتمثل الوجه الآخر للـ «سخاء» المالي في العمل الخيري بأشكاله المتنوعة والذي شهد انفجارا كميا في العقود الأخيرة وبزغ كأحد عوامل السياسة العابرة للأوطان، ويجسده رعاة من كبار الأثرياء مثل بيل غيتس ووارن بافيت (ويتوافق عليه النقاد أيضا). في هذه النشاطات الخيرية التي تهدف في الأغلب على مكافحة الأوبئة والأمراض المهددة للحياة، يجري تعديل النموذج الاقتصادي السائد القائم على المقايضة، ويصبح غير متسق مع طبيعة البنية الاقتصادية. ونظرا لأنه كثيرا ما يكون هذا النشاط الاجتماعي محل شكوك بأنه يخدم الدوافع الأنانية للمانح، فقد حان الوقت لوضع العمل الخيري الحالي في سياقاته التاريخية والإثنوغرافية والدينية ورصد ممارسته المتعددة الطبقات في مختلف أنحاء العالم. ورغم أن تحقيق الإشباعات الأنانية قد يلعب دورا، لكن تظل الأولوية لتلك الجوانب الأصيلة للاهتمام الخالي من المنفعة الذاتية والمساندة والدعم، والتي تعبر بعيدا عن الجانب المادي الملموس للعمل الخيري عن «محبة للإنسانية» عموما.

هنا تكمن الفوارق الجوهرية بين العمل الخيري ونشاطات السوق التجارية وكذلك النشاطات السياسية الحكومية، علما بأن هذه النشاطات تلعب بالتأكيد دورا في العمل الخيري، عندما يجري العمل على المشروعات الخيرية بطريقة احترافية.

وحتى إذا اتسم العمل الخيري بمعناه المادي بعدم اتساق حاد داخل منظومة التفاعل، فإن هذا لا يشكك في صلته بنظرية العطية. فالأمر الإشكالي بالأحرى هو أنه خلافا لخدمات الضمان الاجتماعي الممولة من الضرائب وما شابه، ومثلما هي الحال مع التحويلات التجارية، يمكن للعمل الخيري أن يتخذ تفضيلات انتقائية وغير قائمة على مبدأ المساواة ويفتقد إلى الالتزام بمبدأ المحاسبة العامة. ويمكن لتعريف «احتياج» المجموعات التي يتوجب دعمها أن يتحدد على أساس عرقي أو ديني أو جمالي أو على أساس أحكام مسبقة وقوالب جاهزة أخرى، وهو أمر لا يستوجب الإدانة بالضرورة، لكنه في المحصلة النهائية قد يزيد الظلم الاجتماعي وقد يسمح رغما عنه، أو بشكل مخالف للمقاصد، بإعطاء دفعة لأنواع التمييز المختلفة.

د) مواطنة عابرة للأوطان في هذا الصدد يمكن في نهاية المطاف أن يتبدى شكل العطية غير المباشرة في منح الجنسية لمن لا جنسية لهم وهو الأمر الذي تحث عليه الأمم المتحدة وتطالب به في العديد من المعاهدات. فوفقا لحسابات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في جنيف بلغ تعداد عديمي الجنسية في عام 2014 عشرة ملايين شخص على الأقل، أي أنهم لا يمتلكون جنسية البلد الذي يقيمون فيه. وهذا يحد بشكل هائل من إمكانية حصولهم على التعليم والرعاية الصحية ودخولهم إلى سوق العمل وكذلك حرية حركتهم ويخلق لديهم الخوف المستمر من الترحيل.

معظم الأشخاص عديمي الجنسية هم ضحايا لتمييز حديث ذي دوافع عرقية ودينية، والغالبية العظمى منهم قد فروا من الحرب أو الحرب الأهلية. ولا تزداد أعداد عديمي الجنسية بسبب الهروب فحسب ولكن أيضا، لأنه „يُولد (حسب تصريح المفوضية العليا لشؤون اللاجئين) كل عشر دقائق طفل عديم الجنسية في مكان ما في العالم“، أي أن هذه الوضعية غير القانونية تُورث ويمكن أن تصبح دائمة. لذا لا بد أن يكون من الواضح للجماعة الأوروبية التي شوهت نفسها تاريخيا حتى فترات قريبة عبر الجرائم الاستعمارية وجرائم التطهير العرقي والسياسي بمختلف أنواعه، والتي تستطيع في الوقت ذاته أن تستذكر قصة النجاح الفريدة للاتحاد عبر الوطني، أن عليها تسهيل منح أي جنسية أوروبية وإنهاء انعدام الجنسية.
كلاوس ليغيفي باحث سياسي ألماني، ومدير معهد الدراسات الثقافية في مدينة إيسن.

ترجمة: أحمد فاروق

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...