المشاركه و التبادل

من يشارك يخسر
تجربة ذاتية مع الاقتصاد التشاركي

في أوروبا المعروفة بارتفاع تكلفة المعيشة، بات الحصول على الخدمات مباشرة متاحا اليوم للجميع وبرخص شديد بفضل التواصل عبر الإنترنت والهواتف الذكية. هل نحن أمام خطوة أولى نحو نظام اجتماعي جديد مستدام يتقاسم فيه الجميع كل شيء ورغم هذا، أو لهذا تحديدا، سيكون الجميع أفضل حالا؟ أم على العكس يتم هنا وضع حجر الأساس لنظام نزع الملكية التدريجي، والمراقبة والاستغلال خطوة خطوة؟ بحثا عن إجابات لهذه الأسئلة أخضعت الكاتبة كارولين ميشيل نفسها لتجربة ذاتية.

في آذار / مارس ٢٠١٣، أعلن قطاع التكنولوجيا في معرض سيبيت في مدينة هانوفر الألمانية عن ميلاد الاقتصاد التشاركي (sharing economy) بالقول: „إننا ننتقل من عالم الامتلاك إلى عالم التشارك“، كحدث مهم سيدخل التاريخ. وهذا أيضا رأي الباحث الاقتصادي الأمريكي جيريمي ريفكين، الذي يعتبر مؤسس الاقتصاد التشاركي. يقوم أساس رؤياه على دورة بضائع لا يتم فيها التخلص من أي شيء قبل الأوان. „نحن نتقاسم سياراتنا، بيوتنا، ملابسنا، معداتنا مع الكل وذلك مرارا وتكرارا“. وهذا «التقاسم» المفترض أن يستفيد منه الجميع، والبيئة بصفة خاصة، ممكن بفضل الإنترنت من خلال الشبكات العالمية ومنصات الوساطة على غرار: wimdu, Airb’n’b, Huffingtonpost, share a dog, rent-a-rentner, checkrobin, Car2go, ebay, Kleiderkreisel, facebook, flats9, spottify, Leihdirwas, parkatmyhouse

يتمتع ريفكين اليوم بحظوة عالية، فهو يتحدث بشكل شبه يومي في مؤتمر ما، بل إنه مستشار انغيلا ميركل. الناس يحبونه ويحبون أفكاره، ولكن كيف يجري الأمر على أرض الواقع، ولماذا يساهم الجميع فيه؟

تخمة الاستهلاك الاقتصاد الألماني يزدهر، أسعار الفائدة على القروض متدنية لأقصى الحدود، والقدرة الشرائية للألمان أقوى من أي وقت مضى، إلا أنهم ليسوا سعداء. خصوصا في المجتمعات الاستهلاكية الأغنى، تسجل نسبة زيادة مطردة لأمراض كالاكتئاب ومتلازمتي فرط النشاط والاحتراق النفسي. „نلاحظ بجدارة أن المجتمعات الحديثة تعاني من تخمة الاستهلاك“، يوضح نيكو بيش خبير الاقتصاد البيئي في جامعة أولدنبورغ معتبرا أن الذنب الأكبر يقع على عاتق الاستياء الشديد من واقع الحال، من النمو الاقتصادي الذي يمليه قطاعا الصناعة والتجارة. لأننا نعلم أن الموارد تنفذ ببطء ولكن بصورة مؤكدة. حتى الآن كانت قدراتنا الدفاعية ضد منظومة (أسرع ــ أعلى ــ أبعد) تقتصر على الحد من الاستهلاك، على الامتناع. لكن مع الاقتصاد التشاركي غدت السلطة الآن في يد الفرد، فلكل منا أن يحدد مصيره بذاته. أو هذا ما نوعد به على الأقل.

للقيام بأول تجربة مع الاقتصاد التشاركي أذهب إلى نقطة مشاركة الطعام Foodsharing لدى جمعية نويلاند غير الربحية في مدينة كولونيا. هنا يمكن الحصول على المواد الغذائية بكل سهولة ودون بيروقراطية. كي لا أذهب بيدين خاليتين أخذت معي زجاجة مربى برتقال لا أحبه، ولهذا احتفظ بها منذ زمن بعيد في مخزني. محسن آخر تصدق بخبز من يوم أمس. وبالفعل ما أن انتشر العرض في الإنترنت، حتى حضر ناس وهم سعداء حيال الأمر. أرى عجوزا يقضم قطعة خبز بسعادة غامرة. ولمن يدين بفرحته هذه؟ لي! إحساس رائع! وهذه نقطة تحسب لصالح الاقتصاد التشاركي. يإيعاز من نجاح هذه التجربة أسجل نفسي وأنا في الطريق إلى البيت عبر الهاتف الذكي في موقع الإعارة «استعر شيئا» www.leihdirwas.de، في موقع الجريدة الرقمية المجانية هافينغتون بوست www.huffingtonpost.de وفي مركز خدمات التاكسي www.uber.com. وكالعادة دون قراءة متمعنة أوافق على شروط التسجيل وعلى استخدام ونشر بياناتي الشخصية.

هذا الأمر لا يعجبني، لكنه بطاقة الدخول إلى عالم الاقتصاد التشاركي المستند على الإنترنت ولا بد لي منها. „الاستهلاك التعاوني يساعد البيئة أيضا. والسؤال هو: كم عدد جزازت العشب اللازمة لحي سكني؟“ بورصتك في الإنترنت «استعر شيئا» www.leihdirwas.de. أنا شخصيا ليس لدي ما أعرضه لهذا أقرر استعارة نبتة صغيرة أجرتها ٢ يورو في اليوم وقفل دراجة أجرته ٨ يورو في الأسبوع. الإيجار ليس زهيدا تماما وعلي أن أستلم السلع في مدينة دوسلدورف التي تبعد عني مسافة ٤٠ كم. بالإضافة إلى الموافقة على استخدام بياناتي. ثلاث نقاط تسجل ضد الموقع. لكن هذا ليس مهما في هذه الحالة ففي الطريق إلى دوسلدورف يمكنني تجربة خدمات التكسي UberPop.

بعد جديد للتكاسي السفر بالتاكسي عبر خدمة UberPop يكلف يورو واحدا كسعر أساسي، ٢٥ سنتا للدقيقة ويورو واحدا للكيلومتر. وهذا أرخص بكثير من أجرة خدمة التاكسي العادية في ألمانيا. لطلب سيارة من UberPop لا يحتاج المرء للاتصال بمكتب سيارات التاكسي وانتظار الرد طويلا. تطبيق خدمات التاكسي UberPop يعرف حال تفعيله أين أتواجد، كما يعرف من هو السائق الراغب في تقديم خدماته في اللحظة ذاتها. ولا داعي للقلق بشأن سعر الرحلة فأنا أعرفه قبل أن أحجزها بشكل ملزم. إذا أخذ السائق طرقا التفافية، فهذه مشكلته لا مشكلتي. علاوة على هذا أحصل على صورة لسائقي، ترسل لي على هاتفي الخلوي قبل الانطلاق. هذا التطبيق هو بالتأكيد ذلك المستقبل الذي غفت عنه شركات التاكسي التقليدية ولابد أنها ستحاربه بكل قواها. لكن، كما يشرح لي سائقي اللطيف يوست راينرت، يكمن خلف Uber أكثر من مجرد تطبيق ظريف. وبهذا الظرف لا يعني يوست لا زجاجات المياه المعدنية، سواء الغازية أو غيرها، ولا علب الشوكولاتة المتراكمة في أدراج أبواب سيارة اوبل كورسا المبقعة في عدة مواضع، ولا حتى كبار المستثمرين مثل غولدمان ساكس وجوجل الذين يمولون تطبيق Uber. إنما يعني فكرة أن يشارك الأفراد وقتهم وسياراتهم الخاصة مع الآخرين: „من المؤكد أن للمساهمين مصالح مالية فهم جزء من النظام الرأسمالي. مع ذلك توجد ضمن هذا النظام الرأسمالي ثغرات يمكن استغلالها وقد يكون تطبيق Uber إحدى هذه الثغرات من حيث المبدأ“.

يوست راينرت، المولود عام ١٩٦١، ممرض من حيث المهنة ويؤمن بأفكار فوضوية. وهو شخص مثالي. لا تشغله مسألة ما إذا كانت دوافع شركة Uber جيدة أم سيئة، بل ماذا يحدث عندما يرى الناس أن بالإمكان القيام بأعمال دون الحاجة إلى الامتثال للنظم السارية؟ الناس يلاحظون الآن أنه بإمكانهم القيام بالأعمال فيما بينهم دون علاقة بين رب عمل وعامل في إطار التأمينات الاجتماعية، دون علاقة واضحة ومحددة بين عميل ومورد، دون عقد من عشر صفحات ودون أجر بالمعنى التقليدي للكلمة. والأرباح لا تخضع للضريبة. فما ندفعه لتطبيق Uber لا يتعدى كونه «لقاء خدمة»، أي مشاركة كل منا في تكاليف يوست. «مقترح الدفع» (هكذا يسمى المبلغ المترتب علي فعلا للرحلة إلى دوسلدورف، أي مجموع ما ستخصمه شركة Uber من بطاقة الائتمان) يبلغ ٩ يورو فقط، رغم أن الرحلة دامت حوالي نصف ساعة. كما أني لا أدفع الإكرامية، فنحن على قدم المساواة. رائع إذن. ويشرح لي يوست: „الواضح أن القليلين فقط يعملون هنا لكسب المال“. لماذا يعملون إذن؟ هل لأن في السفر عن طريق Uber شيء من الفوضوية مثلا؟ إذن عند السؤال عن حظر تطبيق Uber من قبل الحكومة لا يتعلق الأمر بحقوق سواقي التاكسي الأزلية المثبتة ولا بالتطبيق الجميل وسهل الاستخدام.

بل إنه يتعلق بقضايا جوهرية. إن من يعمل في الاقتصاد التشاركي يتهرب من النظام الاقتصادي التقليدي، تماما كمن يستغل هذه الإمكانية ــ أنا في هذه الحالة. ما يجعلني أشعر بخيبة الأمل قليلا هو غياب ذلك الغضب العارم، المتوقع عادة نتيجة لهذه الأفكار الثوروية المتمردة. „لا نرى حاجة لتنظيم الأمر حاليا“، هذا ما سمعناه من وزير النقل كما يقول الخبير الاقتصادي دانيال فايت الذي يعمل في مشروع كبير، تموله وزارة التعليم والبحوث، للتنبؤ بالقسط المحتمل للاقتصاد التشاركي في السوق الألمانية. إذن الدولة تترك الاقتصاد التشاركي لديناميكيته الذاتية حاليا.

وهذا حسن. فهكذا يستطيع الجميع المشاركة في التقاسم المشاع للجميع. الجميع يساهم ويتشارك بشكل من

الأشكال: المؤسسون على استعداد لتحمل المخاطر لتحسين مواقع وكالات الاقتصاد التشاركي. الصحفيون يكتبون دون مقابل في جرائد الكترونية مجانية على غرار هافنغتون بوست. كبار المستثمرين وعمالقة الإنترنت راغبون جدا في تمويل التقاسم. بل إن الشركات التقليدية الراسخة ــ أي أولئك الذين يملكون المال والسلطة لإحداث فرق على أرض الواقع ــ مستعدة للانخراط في هذا المجال، فإن Car2go, drive-now و multicity ليست سوى الأسماء الانكليزية لنظام مشاركة السيارات الذي تديره مؤسسات «دايملر» و «بي ام دبليو» و «سيتروين».

الربح عن طريق التشارك يدعي البعض: „إن الاقتصاد التشاركي يسمح بالحصول على سلع وخدمات ما كانت متوافرة للمستخدم بهذا الشكل قبل اليوم“. ويعدوننا بالتالي: من يتقاسم لا يخسر بعد المشاركة ــ كما كان يحدث حتى الآن ــ بل على العكس، فإنه يربح. وفي حالتي تأكدت صحة الوعد. فلم يحدث لي قبل الآن أن حصلت على تاكسي ولا على عاملة نظافة بهذا الرخص. وإن كان السبب الوحيد يكمن في التعقيدات المرهقة للغاية للوائح المنظمة لتشغيل عاملة نظافة في ألمانيا. والأمر يختلف اليوم في زمن الاقتصاد التشاركي ومواقع خدمات التنظيف مثل helpling.de. اليوم أدفع ١٢٫٩٠ يورو بالساعة وأحصل على خدمة تنظيف يطلق عليها اسم «مساعدة». الدولة تخرج من الصفقة خالية الوفاض تماما."

ولهذا يمكن للعمل في السوق بشكل قانوني أن يكون مجديا، ومع ذلك بأسعار مقبولة للزبائن.“، كما يقول مدير موقع helpling.de بينيديكت فرانكه البالغ من العمر ٣١ عاما والذي أزوره في المركز الرئيسي لشركته في برلين. ويضيف أن هناك سببا آخر في انخفاض السعر: „إنه بنية helpling“ ذاتها. فالـ «مساعدون»، وبخلاف ما يزعم في الإعلانات، ليسوا موظفين في الموقع، كما أنهم ليسوا بمثابة أفراد «مساهمين». بل هم أشخاص مستقلون رسميا. فهم يقررون متى يؤدون العمل، كما يتحملون مخاطر مشاريعهم، مسؤولون عن الأضرار التي قد يتسببون فيها، يقع عليهم ذاتهم واجب التأمين ودفع الضرائب وتدبير أمورهم في حالة المرض. «المساعدة» المثالية فيرينا فاينرت، ٥٨ عاما، تبدي استعدادها لإجراء لقاء معي. بصفتها مستخدمة مستقلة منذ عام ٢٠٠٧ كانت تجد صعوبات بالغة في العثور على مشغلين: „عليك أن تتقدمي بطلب عمل، عليك أن تقنعي الزبون، تعملي دعاية ...

ولكل هذا تكاليفه طبعا“. منذ عام تقريبا تأتي الطلبيات بشكل أساسي عن طريق helpling. هذا هو حقا الأمر المبتكر في هذا النوع من الاقتصاد التشاركي: إذا طلبت مستخدمة لدى شركة خدمات تقليدية فإنني في ثلاثية الطلب (أنا الطالبة)، العـرض (شـركة التنظـيف هي الـعـارض) وعاملة النظافة (العاملة لدى الشركة). في نظام helpling كلانا زبونتان: عاملة النظافة وأنا على حد سواء. ولا مانع أن تنظف فيرينا شقتي اليوم وأنظف أنا شقتها غدا، كما قال لي مراد اليوم بالفعل. ولكنني بحاجة إلى رخصة عمل وتأمين صحي ورقم ضريبي. فالأمر ليس بكل هذه السهولة. إذن „الشريك كارولين ميشيل“ و “الشريك فيرينا فاينرت“ ليسا ندين تماما. والفاتورة لا تأتي من «شركة التخديم المستقلة» فيرينا فاينرت بل من موقع „الشريك helpling“‭.‬ „

الشريك فيرينا فاينرت“ راضية تماما: „نعم، يمكن العيش من هذا النوع من العمل. ليست لدي متطلبات كثيرة. ليس لدي لا سيارة ولا هواية مكلفة، ولا أقوم برحلات سياحية. لا أعمل حفلات، لا ألتقي بأحد خارج البيت ولا آكل في المطاعم“. ولكل هذا فيرينا „حرة“. لها الحق في اتخاذ القرار إن كانت تريد العمل ومتى، بل وعند من، مثلها مثل كل „عارض“، كل مدير منشأة شراكة وكل صاحب مشروع صغير، ممن عرفتهم حتى الآن. تقييمي الأولي: الزبون يربح، الدولة تخسر، والعارضون الصغار مثل يوست ومراد وفيرينا يستفيدون اليوم قليلا، لكن قد يتهمون غدا بالتهرب الضريبي أو يسقطون في الحضيض دون تأمين اجتماعي. وماذا عن المواقع؟ إنها تبتعد عن الأضواء. رغم أن الصحف تذكر أن قيمة Uber تصل اليوم إلى ٥٠ مليار دولار و helpling تصدر بيانا صحفيا مفاده أن الشركة فخورة بجمع مبلغ ٥٦٫٥ مليون يورو من مختلف المستثمرين منذ تأسيسها عام ٢٠١٣، إلا أن الجميع يصمت كليا حيال الأرباح الفعلية، أي ما تقبضه المواقع الالكترونية من خدمات التوسط والمقايضة. هذا إن كانت هناك أرباح على الإطلاق، فهناك شائعات بأن العديد من المواقع الالكترونية للاقتصاد التشاركي لا تغتني مثلا بالعمولات المقبوضة بل إنها الآن بالعكس تصرف من أموالها الخاصة عليها. لتوفير عرض لا يفترض أن يكون موجودا في الواقع. يشاع أن كبار المستثمرين يشاركون في اللعبة ويسعون عمدا لكسر سوق معينة بالكثير الكثير من المال. وكنت قد سمعت هذه التهمة بصدد Uber أيضا.

فقد انتشرت الأقاويل عن مبالغ ضخمة تدفعها Uber إلى سائقيها، ليشاركوا في اللعبة أصلا. لكن لماذا يفعل موقع Uber هذا؟ قد يكون أحد الأسباب قواعد البيانات الشخصية الثمينة التي تنشأ مع المقايضة والتشارك. ومعلوم طبعا أن عملة الإنترنت هي البيانات الشخصية.

وسطاء السكن كان الموضوع الأساسي لمعرض السياحة العالمية في برلين هو الاقتصاد التشاركي. مثل سائق التاكسي يخاف أصحاب الفنادق التقليديين على مستقبلهم، فهم الذين التزموا بكل الأنظمة المرعية، ابتداء من الحماية من الحرائق إلى التعقيم يظهرون كالنائمين المعادين للابتكار في إعصار المنافسة مع الاقتصاد التشاركي، وفي مقدمتهم نجم التسوق، موقع Airbnb الالكتروني، الذي بعث السعادة في قلوب أكثر من ٢٦ مليون نزيل من خلال تأجير حوالي مليون مبيت في ١٩٠ دولة عبر العالم. ذلك بقيمة تقدر بنحو ٢٠ مليار دولار.

أنا أيضا قمت بحجز غرفة عن طريق الموقع لدى انجيليكا، التي „تتقاسم“ شقتها المكونة من أربعة غرف جميلة مع الغرباء مقابل ٢٨ يورو لليلة. بعد زيارة سريعة لعدة عارضين في معرض السياحة يتضح لي أن موضوع الخلاف ليس صغار المؤجرين من أمثال انجيليكا، بل إن الطامة الكبرى هي شركات وأناس يستأجرون الشقق ليؤجروها من ثم عن طريق موقع Airbnb غرفة غرفة وليلة ليلة وبذلك يحصلون على أضعاف الأجرة التي يدفعونها أو ما كانوا سيحصلون عليه إذا أجروا الشقة لمستأجر „دائم“. بسبب مواقع Airbnb أو Eimfu أو 9flate.

هناك عجز في السكن يصل بين ١٢ ــ ١٥ ألف شقة سكنية في برلين وحدها. لذلك تطرح أسئلة على غرار: „هل ستغدو برلين قريبا مجرد فندق كبير؟“ في رأيي جاءت هذه الأسئلة بعد فوات الأوان، فقد صارت هذه السوق في أيد احترافية تعرف بالضبط ما هو المسموح والممنوع بموجب القوانين الألمانية. وهنا أيضا تنقطع الإيرادات الضريبية عن الدولة بعكس الإقامة في الفنادق. كما أن إيجارات الشقق السكنية في ارتفاع دائم. لكن من المستفيد من كل هذا؟ «الجميع» على ذمة الناطق باسم شركة Airbnb جوليان تراوتفاين، فأغلب مستخدمي خدمات Airbnb زوار لن يقوموا برحلاتهم بدون هذا العرض المغري وعلاوة على هذا يقيمون أطول، إذن Airbnb ليس منافسا بل تكملة للعرض القائم: „إننا فقط نكبر حجم الكعكة قليلا“. بمقدار مليون زائر شهريا!

الإدمان على المزيد أمر غريب: حدث ذات مرة أن تداول مجتمعنا فكرة مثالية للحد من الاستهلاك والحفاظ على الموارد من خلال التضامن والأعمال الخيرية. والآن، ومع الاقتصاد التشاركي، لن تكون كعكة العرض أصغر بل أكبر. ما نناله الآن ليس أقل، إنما أكثر. وحتى فكرة «السيارة المشتركة» يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى المزيد من السفريات لأن السيارات متاحة الآن لعدد أكبر وبسهولة أكثر. لكن، إذا كان كل ذلك صحيحا: كيف تم إقناعنا بالأمر؟

لقد أصابوا الوتر الحساس، حيثما نحن قابلون للغواية، حسبما يشرح لي الباحث في التوجهات المجتمعية بيتر فيبرمان، فمعظم الناس لم تعد تعبأ بالحرية والحفاظ على الموارد أو الملكية العامة، لكن ببساطة بالربح الذاتي فحسب. ووفقا لهذا الرأي لم يعد «التقاسم» في الاقتصاد التشاركي عملا خيريا، بل كل الحكاية هي استخدام الأشياء بأقل سعر ممكن. وماذا نفعل بالمال الذي نوفره عن طريق الاقتصاد التشاركي سوى أن نستهلك المزيد؟ لكن السؤال هو: هل يؤدي التشارك على المدى البعيد إلى الادخار فعلا؟ أم أن كل شيء يصبح أكثر تكلفة؟ يحلل لي عالم الاقتصاد دانييل فايت الأمر بالشكل التالي: مع انخفاض مبيعات السيارات تفرض الشركات المصنعة أسعارا أعلى لتغطية النفقات والنجاح الاقتصادي.

بهذا يتم إنتاج وبيع سيارات أقل، لكن هذه تستخدم بفعالية أكثر، ولكن نفقات الفرد لا تنخفض عمليا بشكل كبير. وقد تكلف السيارة المشتركة مستقبلا قدر ما تكلف اليوم السيارة الخاصة الموجودة دائما أمام الباب. لكن بذلك يتم توفير الموارد، حيث يتم إنتاج سيارات أقل فعلا. „إذا حدث هذا فعلا، ما ليس مستبعدا، فهناك فعلا إمكانية الحصول على الرفاهية ذاتها بموارد أقل. وهذا طبعا المطلوب“. الأسعار سترتفع، العمل، كما نعرفه اليوم، سيتلاشى والأجور تنخفض. بذلك ستكون صيغة العمل الجديدة هي التقاسم كما يتوقع خبير الاقتصاد البيئي في جامعة اولدنبورغ نيكو بيش. وهذا ينعكس على الجميع، حتى أولئك الذين لا يرغبون أصلا في مشاركة أي شيء. في «نظام ما بعد النمو» لدى بيش لا يتم التقاسم بدافع المتعة بل بدافع الضرورة. في مجتمع صغير يعتمد على الذات „دون مال، دون أسواق، دون خامات باطنية. كل هذا يستعاض بالوقت المتوفر، بالمهارات الحرفية واتساع العلاقات الاجتماعية“. في هذه الرؤية لا مكان لمواقع مثل Airbnb أو Uber لأن لا أحد سيسافر بعد. لكن لحسن الحظ لم نصل بعد إلى هذا المستوى. في هذه اللحظة تكبر الكعكة والأسعار تنخفض.

سؤال مبدئي يفضل أن لا نعير الآخرين الأشياء التي تهمنا حقا، هذا ما تعلمناه في الطفولة. وفي ضوء هذا، كان الشىء الوحيد الذي شاركته ــ عدا نقودي ــ زجاجة مربى برتقال قديمة. وحصلت على تكسي رخيص، مبيت برخص التراب وشقة نظيفة. علاوة على هذا تعرفت على أناس لطفاء. لكن هل مازال هذا يتوافق مع مبدأ الاقتصاد التشاركي؟ وهل «التقاسم» هي الكلمة الصحيحة الملائمة لما يحدث فعلا؟ ليس هناك جواب سهل دائما عن سؤال: „من يتقاسم ماذا مع من؟“

تقاسم ركوب التاكسي لا يعد مناسبا إلا بشروط معينة. المواد الغذائية أيضا. فهذه تؤكل مرة واحدة وليست للتعاون على استخدامها. لذلك لا „يتقاسم“ الذين يشاركون طعامهم عبر منظمات مثل Foodsharing.de أي شيء مع الآخرين، كما يقول الخبير الاقتصادي فايت، بل يهدون أشياء لم يعودوا بحاجة إليها. آخرون يبيعون الأشياء على موقع ebay مثلا. هذا أيضا ليس تشاركا. إذن “التقاسم مقابل النقود“ إذن، أو ما كان يسمى سابقا «تأجير» ليس تشاركا إلا إذا جرى بين فردين بصفة خاصة. ما يمكن التشارك فيه فعلا هي الملكية العامة. كما يعلن عنه الرؤيوي جيريمي ريفكين في خطاباته النارية. في رؤياه المستقبلية نتشارك في كل شي، حتى في التحكم في التشارك. أي أننا نخضع لحكومة الإنترنت التي ستدير حياتنا. الأمر السيء بحد ذاته، لأن الإنترنت ملك الجميع بحيث يتحكم الكل في الكل. لا ضرر حتى الآن. لكن السؤال المثير فعلا هو: من أين ستأتي الملكية العامة التي تعتمد عليها هذه اليوتوبيا؟ هل ملكيتي الخاصة مثلا هي المورد العظيم الذي لم يستغله الاقتصاد بعد بشكل كاف؟ وقتي، قوتي على العمل، بيتي، سيارتي، خصوصيتي، تأميني الاجتماعي، بياناتي الشخصية؟ هل علي أن أهب كل هذا طوعا كي يتمكن الآخرون من „استخدامه“؟ أفضل ترك «التقاسم» إذن للـ «كبار»، على سبيل المثال الشركات التي تشتري السلع لتتقاسمها معي.

وهذا يعني إذن أن الكعكة لا تكبر ولا تصغر، إنما يتم تقسيمها بشكل جديد وأن الدولة تفقد السيطرة وتخسر عائدات الضرائب والناس يخسرون وظائفهم الثابتة، والصفقات القديمة تعقد على قواعد جديدة، يستفيد منها شخص لن يشارك الآخرين أرباحه بكل تأكيد. رغم كل شيء يمكنني القول على الأقل: حدث ذات مرة جميلة، ولو لزمن قصير، أن كان لي أنا أيضا القدرة على تغيير شيء ما. وبينما لا زال يوست نادما على خسارة وظيفته، ومراد يتحمل أعباء ديون التأمين الصحي وفيرينا تخاف على مستقبل تقاعدها، يبكي أصحاب الفنادق في برلين على وسائدهم، تفكر انغيلينا في تأجير غرفة أخرى من شقتها، ولا يكف الصحفيون عن إطلاق صرخات الاستغاثة في شبكة التواصل الاجتماعي ــ في بحث دؤوب عن جواب السؤال: من يتقاسم ماذا مع من؟ تتضخم قواعد البيانات لدى Uber و helpling وغيرهما. لقد وضع حجر الأساس ليتقاسم الجميع كل شيء مع الآخرين، فهل نحن أسعد الآن؟
كارولين ميشيل صحفية ألمانية تقيم في مدينة كولونيا.

ترجمة: كاميران حوج

ترجمة: هبة شلبي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...