المشاركه و التبادل

الحرية والمشاركة في الإنترنت
خطر المراقبة والجريمة

لقد أصبحت حرية استخدام الإنترنت دون الخوف من الرقابة أحد الشروط الضرورية لمبدأ المشاركة السياسية. ولأن ذلك ليس سهلا دائما فقد تم تطوير برامج خاصة لهذا الغرض منها متصفّح: Tor, وهو البرنامج نفسه الذي استخدمه كلّ من إدوارد سنودن وجوليان أسانج. وليت الأمر قد اقتصر على أمثال هذين الرجلين، فقد استغلّه كثيرون لأغراض إجرامية للأسف.

في البدايات الأولى للإنترنت عندما كانت لا تزال مكانا للحالمين يستطيع أن يهرب إليه المرء كلما ضاق به الواقع، تخيل الكاتب الشهير توماس بنشون Thomas Pynchon وجود نوع من الشبكة العنكبوتية العميقة Deep Web كعالم افتراضي أسطوري يشبه أرضا تقع تحت سطح الماء يستطيع المرء أن „يغطس“ إليها ويتجوّل فيها بحريّة وكأنه «أفاتار»، الكائن الافتراضي الذي هو ليس أكثر من وحدات ضوئية أو دمية سيبرانية. لكنّ بنشون يروي لنا أيضا قصّة عن نوع مختلف تماما من الإنترنت تحتلّه قوى تحوّله إلى نوع من الشبكة التواصلية التي تجعل كل عضو فيها خاضعا للمراقبة من قبل أجهزة المخابرات أو الشركات التكنولوجية الكبرى. وهذه النبوءة تحقّقت بطريقة مرعبة فيما بعد.

إن تلك «الشبكة العميقة» أو «Deep Web» التي أصبحت واقعا هي بنظرة أولى ذلك الجزء من الإنترنت الذي لا تصل إليه محرّكات البحث. وهو يحتوي على أرشيفات ضخمة جدا: ويكفي لتخيّل حجمها أن نتذكّر كتلة البيانات العملاقة لوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) أو حتّى بيانات الطقس الخاصّة بوكالة الفضاء الأمريكية ناسا(NASA)، أو بالمواقع غير المفهرسة أو بالعدد الذي لا يحصى من الروابط المهملة حيث لا تعثر فيها على أكثر من بعض الوحدات الرقمية من حين لآخر. يُفترض أن تكون «الشبكة العميقة» أكبر حجما ألف مرّة من الإنترنت الذي نعرفه ونستعمله يوميا. رغم ذلك توجد في أعماق هذه الشبكة العميقةDeep Web العملاقة شبكة لازالت تلتزم بمبدأ حرية التواصل للجميع، وهي تطلق على نفسها اسمTor تور.

وهذا الاسم جاء من تجميع الحروف الأولى للكلمات التالية: The Onion Router، أي جهاز التوجيه الشبيه بالبصلة. وهي تصف نفسها بالشكل التالي : "تور هي شبكة تتألف من أنفاق افتراضية تسمح للأفراد والمجموعات بممارسة حريّتهم على نحو أفضل. تساعد تور الأفراد على التخلّص من الملاحقة في الإنترنت أو على التواصل مع المواقع الممنوعة من قبل السلطات أو مقدّمي الخدمات المحلّيين“.

منطقة آمنة "لكاشفي الأسرار"

يشرح ذلك جاكوب أبلباوم، وهو أحد مطوّري شبكة Tor تور: "إنه مشروع للمنفعة العامة، إذ أن رمز المصدر الخاص بها ــ أي الـ Quellcode ــ متاح للجميع. ويستطيع كل من يرغب بذلك أن يطّلع على طريقة عملها. وهو عندما يستخدمها يقوّي المشروع ككلّ. وكل مستخدم لها يستطيع التواصل مع الآخرين دون أن يترك أثرا يدلّ عليه ويمكن استخدامه ضدّه فيما بعد. إنها تمنح كل فرد صوته الخاص. فلكلّ حقه في التواصل الحرّ“.

يستخدم الصحفيون تور ليتواصلوا بأمان مع من يُسمّى «Whistleblower»، أي من يبلّغون عن الأسرار والفضائح، أو مع المعارضين السياسيين. فقد استخدمه برادلي ماننغ ــ غيّر اسمه فيما بعد إلى تشيلسيا ماننغ ــ كاشف الأسرار الأكثر شهرة بعد إدوارد سنودن لكي يرسل وثائق جديدة إلى الويكيليكس Wikileaks

قد قالت المخرجة لاورا بويتراس الحاصلة على جائزة أوسكار على فيلمها Citizenfour الذي يدور حول قضية إدوارد سنودن: „يستحيل عمل الصحفيين ــ المحقّقين دون شبكة تور. وقد كان اتصالي بإدوارد سنودن وتعاوننا معا مستحيلا أيضا بدونها. فقد استمرّ تواصلنا عبر «تور» لمدة شهور بكاملها قبل أن نلتقي في هونغ كونغ. وكان يعتبر «تور» ضرورة مطلقة للحفاظ على البقاء! حيث يستطيع من خلالها حماية نفسه من المراقبة. لقد كانت أداته الوحيدة. إنني أعرف الكثير من الأمثلة عن مصير الصحفيين الذين يستغنون عن تور في عملهم“.

هذه القاعدة تنطبق على مؤسس الويكيليكس Wikileaks جوليان أسانج الذي كان يتواصل عبر «تور» حصرا: „لم يخترع الناس التشفير وإخفاء الهوية عبثا. لقد احتاج الأمر وقتا طويلا والكثير من الصعوبة للوصول إلى إمكانية التواصل الحر والمشفّر بين الأفراد. وكان تور هو أول بروتوكول بهويات مخفيّة استطاع إعادة التوازن لعالم التواصل“.

الحريّة بمواجهة الجريمة

لكنّ قضية الحرية ليست بهذه البساطة دائما. إذ أن بعض الحريّات تتعرّض لاستغلال غير متوقّع ولا مرغوب. فقد وجدت مثلا مجموعة مما يُدعى „الخدمات الخفيّة“ مكانا في شبكة «تور» وبدأت تمارس نشاطاتها مستفيدة من إمكانية إخفاء هويّتها. من هذه النشاطات تجارة المخدّرات والأسلحة وأفلام الأطفال الإباحية وعروض القتل المأجور وكل ما لا يمكن عرضه في واجهات محلاّت „العالم العلوي“. هذا النشاط الإجرامي كان هو السبب في إطلاق اسم «الشبكة المظلمة» على شبكة تور.

إذن فقد تشارك في فضاء هذه الشبكة كل من تجار المخدرات والأسلحة والمتطرّفين اليمينيين من كل أنحاء العالم مع المعارضين السياسيين من سوريا أو الصين أو الولايات المتحدة. وقد نشر الصحفي البريطاني جامي بارتليت مؤخّرا كتابا حول The Dark Net، أي الشبكة المظلمة، يقول فيه: „إن الشبكة المظلمة هي بالنسبة لي فكرة أكثر مما هي مكان. إنها عالم سفلي مستقلّ وقائم بذاته رغم أنّه متّصل بالإنترنت الذي نعرفه. وهو عالم حرّ تماما يستمتع «سكّانه» بالحريّة التامة مع إخفاء هويّاتهم. فهم يستطيعون أن يقولوا ويفعلوا ما يحلو لهم دون أن يخشوا العقوبة ومتحرّرين من أية قواعد ومعايير تحكم المجتمع العادي“. أما من الناحية العمليّة فإن «تور» مجموعة من الحواسب الموجودة ضمن الإنترنت والمرتبطة فيما بينها من خلال بروتوكول الإنترنت ذاته. رغم أنّه منفصل عنه منطقيا وتشفيريّا. وقد كان العقل المدبّر وراء مشروع تور الحالي هو جاكوب أبلباوم، صاحب الكثير من الأفكار الجديدة التي جعل بعضها الاستمرار في استخدام «تور» ممكنا في الصين مثلا. وهذا الرجل الذي يُدعى أحيانا «جاك» ببساطة هو أمريكي عمره ٣٢ عاما، وهو ليس مبرمجا عبقريا فقط، بل إنه يناضل أيضا في سبيل تحقيق التصوّرات المثالية القديمة للإنترنت كفضاء عالمي كبير للتواصل الحرّ بين كل البشر: „علينا أن ندرك الظرف السياسي الجديد وخلفيّاته وخاصّة بعد «صيف إدوارد سنودن» ٢٠١٣. وإن لم نفعل ذلك فلن نستطيع فعل أي شيء لحماية أنفسنا من وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) و مركز الاتصالات الحكومي البريطاني (GCHQ). وليس الحل في تصنيف الناس إلى فريق الخير وفريق الشر، ثم أن نقول لأحدهما: „أنتم يا من تقفون على الجانب الأيسر محرومون من حق التواصل الحرّ. هذا بالضبط هو ما لا نقوله. وإنما نقول أن هدفنا الأساسي هو تمكين الجميع عمليا من حرية الكلام وحماية تلك الحرية. وفي حين يمتلك الأشرار ــ بغض النظر عما تعنيه هذه الكلمة ــ إمكانيات كثيرة لفعل ما يريدون لا يحوز أكثرنا على إلاّ على خيارات قليلة لتصفّح آمن“.

راكم جاك أبلباوم خبرات كثيرة خلال اختباره لحدود الحرية الحقيقية فيما يدعى «العالم الحر». وقد بدأ باكرا بدعم الويكيليكس Wikileaks والتعاون مع جوليان أسانج. وقد قامت السلطات الأمريكية باعتقاله مرارا ومصادرة حاسوبه وهاتفه المحمول. وهو يعيش الآن في المانيا. ولكنّه حتى هنا لا يستطيع الاستمتاع بحريته. فقد قام مجهولون باقتحام منزله البرليني في كانون الأول/ ديسمبر عام ٢٠١٣ وحاولوا العبث بحاسوبه. إن مشروع «تور» هو مؤسسة خاصة. بل لقد ساهمت وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) في البداية بتشجيع تطويره. ومازال ٦٠٪ من مصادر تمويله هو الحكومة الأمريكية. يقول روجر دينغلدين، أحد المطوّرين الأساسيين في المشروع: „يمكن اعتبار دعم الحكومة للمشروع أمرا مفيدا جدا لأنّه مكّن كثيرا من العاملين فيه في السنوات الأخيرة من التفرّغ له دون أن يضطرّوا لعمل إضافي لتأمين أجرة بيوتهم أو ثمن طعامهم. لكنّ ثمة جانبا سيّئا لهذا الأمر وهو أن المتبرّعين يمكن أن يمارسوا بالمقابل تأثيرهم على العمل. رغم أنّه ليس هناك من يأتي ويقول: خذوا هذه الأموال واصنعوا لي بابا خلفيا. فنحن لن نُقدم أبدا على شقّ باب خلفي في تور “.

وكما هو الأمر في حالات أخرى سابقة، فقد خلقت أجهزة المخابرات الأمريكية بنفسها هنا أيضا أحد أنجح خصومها. يقول جاكوب أبلباوم: „إنه شيء غريب، فهؤلاء القوم بنوا هذا المشروع لأنهم يؤمنون بمبدأ «الكتمان» ــ أي إخفاء الهوية ــ، لكنّهم يقومون باعتقالي في المطارات ويهدّدونني. وقد قال لي أحدهم: ما تفعله في الصين وإيران عظيم، فهو يساعد الناس هناك. ولكن لماذا عليك أن تفعل ذلك هنا؟ أي أنّهم يعادون الأمر نفسه الذي يشجّعون فعله في الصين وإيران، وهو تسهيل ممارسة الحريات. إن وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) تدّعي أنها ترى كل شيء بالعين الأمنية.

تقنية تشبه البصل

يمكن لأي شخص تحميل برمجيّات تور من الإنترنت وتركيبها بنفسه وبطريقة سريعة وبسيطة. ويعمل تور باستخدام ثلاثة حواسيب بشكل متواصل: يقوم الأول بالاتصال بالشبكة وتقديم طلبه، ويقوم الثاني بتوصيل الطلب. أما الثالث، الذي يُدعى بعقدة الخروج Exitnode فمهمّته الإعادة إلى الإنترنت العادي. وهكذا فإن زبائن «تور» يستخدمون ثلاث «عقد اتصال» بحيث تقع كل عقدة منها في بلد مختلف وهو ما يقلّل كثيرا من إمكانية اختراق هذه الحواسيب الثلاثة من قبل منظمّة ما.

هذه الطريقة الثعلبية في استخدام الطرق الجانبية تتطلّب طبعا وقتا أكبر ولذلك فهي أبطأ من الاتصال العادي. لاسيّما أن «تور» يغيّر دروبه كل عشر دقائق، حتّى ولو كان مستقبل الاتصال هو نفسه. يُضاف إلى ذلك أنّه يشفّر البيانات إلى أن تصل إلى عقدة الخروج. ومن الناحية التقنية يجري في البداية تشفير ثلاثي للبيانات ثم يتم تخفيف درجة التشفير من قبل كل عقدة تالية. ويمكن تصوير الأمر كالتالي: فالعقدة الأولى تستلم طلبا مشفّرا ثلاث مرّات، ثم تقوم بنزع «طبقة التشفير» الخارجية وتسلّم للعقدة الوسطى البيانات مشفّرة مرّتين فقط، وهذه تنزع طبقة أخرى من التشفير بحيث تستلم عقدة الخروج بيانات ذات درجة واحدة فقط من التشفير وعليها عند ذلك أن تنزع هذه الطبقة الأخيرة وترسل البيانات التي لم تعد مشفّرة إلى الشبكة العادية. وهذه التقنية هي السبب في كلمة «تور» التي تضم الحروف الأولى من الكلمات الثلاثة التالية: The Onion Router، أي جهاز التوجيه الشبيه بالبصلة. إذ أن البيانات المطلوبة «مغلّفة» كما رأينا بثلاث طبقات من التشفير تماما كالبصلة. تتكوّن شبكة «تور» الآن من أكثر من ستة آلاف «خادم (Server)» يقدّمها أشخاص متطوّعون. كلّ منها يمكن أن يصبح هو نفسه جزءا من الشبكة. هذه «الخوادم» موزعة في بلدان مختلفة، وإن كان أكثرها في أمريكا الشمالية. لكن أحدا لا يستطيع أن يضمن كون بعضها أو حتّى كثيرا منها ينتمي إلى أجهزة أمن معيّنة. ومازلنا نذكر حالة الطالب الألماني سيباستيان هان من مدينة غوتنغن الذي «اخترقت» وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) جهاز الخادم الخاص به والذي كان جزءا من «تور» رغم أن ذلك الطالب لم يكن متّهما بالقيام بأية أعمال إجرامية أو نشاطات متطرّفة.

وقد عبّر في هذا السياق السيّد ميشائيل جورج خبير المعلوماتية في هيئة «حماية الدستور» البافارية ــ وهو جهاز أمن ألماني ــ عن عدم استبعاده لسيطرة أجهزة الاستخبارات على بعض «خوادم» شبكة تور في الكثير من أنحاء العالم وليس بالضرورة بسبب الشك بأنشطة إرهابية: „إذا امتلكت نقطة الانطلاق في عقدة ما، فإنك تستطيع إلغاء «الكتمان» ــ أي كتمان هويّة المستخدم ــ وبمفعول رجعي إلى درجة معيّنة. ولهذا فأنا أعتقد أن أجهزة الأمن تمتلك بعض نقاط الانطلاق هذه بالتأكيد“.

يقوم كل من جاك أبلباوم وفريقه دون كلل بتجريب كل الطرق الممكنة لتحسين أداء شبكتهم. وخاصّة بهدف تحصينها من أي هجوم محتمل. ويقدّر يوآخم زلتسر من نادي „Chaos Computer Club“ تماما قوة الخصوم كما أنّه يعرف جيّدا مواطن الضعف في الشبكة مهما ارتفعت درجة تعقيد نظام التشفير فيها. رغم ذلك فهو يقول: „ليس في الأفق حتى الآن ما هو أفضل. والجميل في «تور» هو المرونة. فالجميع يريدون بناء عقدة اتصال في «تور». وهو نظام أساسه الشك أو سوء الظن. وهذا يعني أنّني يجب ألاّ أثق حتى بمن يشغّل عقدة الاتصال، ولكن بالنظام الرياضي الذي يكمن في أساس «تور»، كما علي أن أكون واثقا من أنّ العقد الثلاث التي اخترتها لا تنسّق فيما بينها“.

طريق الحرير الرقمي

يمكّن متصفّح «تور» من العمل في الإنترنت العادي أو الواضح Clearnet بأمان نسبيّا. وإن كان المرء لا يحتاج في الواقع للخروج من الشبكة المظلمة The Dark Net أبدا، إذ أن كل شيء متوفّر هنا. فهذه الشبكة المظلمة يمكن اعتبارها فردوسا تجاريا لكل ما هو ممنوع من بضائع وخدمات. مما أدّى إلى تجمّعات تشبه مجازا الجمعيات التعاونية في مختلف المجالات. إحدى أكثر هذه التجمّعات شهرة تُدعى «طريق الحرير» (Silkroad) وقد تم منعها عام ٢٠١٤. الصحفي البريطاني جامي بارتليت قام بالتسكّع هناك وخرج بالانطباعات التالية: „من المحيّر أنّك ستجد الأشياء هناك مألوفة جدا، ويكفي أن تكون قد اشتريت ذات مرّة شيئا عن طريق Amazon أو eBay لتعرف فورا كي تجري الأمور. الفرق الوحيد يكمن في نوعية البضائع. فهناك لا تتوفّر المخدّرات فقط ــ رغم أنها المعروض الأكبر ــ لكن أي شيء على الإطلاق. وقد كان العرض الأكثر شعبية في العام الفائت هو كوبونات مزوّرة تمكّنك من الشراء في الأسواق الكبيرة بقيمة عشرين جنيها استرلينيا يمكن الحصول على الواحد منها بثمانية جنيهات فقط“.

لكن إتمام صفقة كهذه يحتاج أولا أن تعرف عنوان التاجر، وهو ما يمكن الوصول إليه عبر مايدعى (Hidden Wiki)، أي: ويكي المخبّأة، حيث تبدو العناوين بأشكال مختلفة تماما عما نعرفه في الإنترنت العادية. فإذا طلبت مثلا العنوان التالي: zqktlwi4fecvo6ri.onion في متصفّح «تور» ستنتهي في «فهرس التجّار» التابع للشبكة ثم لا تلبث العروض ذات العلاقة بموضوع طلبك أن تأتي مرتّبة بطريقة واضحة ودقيقة وموزّعة على مجموعات مناسبة..الخ. كما أن هناك روابط بمحركات بحث «تور» الخاصة يتم عرضها منذ البداية.

ولن يطول الأمر بمن يستمر في البحث في هذه الفهارس حتى يعثر على قسم المخدّرات، فهناك رابط بعنوان «سوق المخدّرات» ويجب هنا أن يسجّل المرء نفسه باسم مستعار. وعندما يفعل ذلك يظهر له أكثر من ١٤٠٠٠ عرض من تجّار متنوّعين. يُدعى أحدهم توركيمان، والآخر كابريكورن أو «مكتب العمل ١٠٠»، مثلا، وكلّهم يعدون بتوصيل البضاعة إلى أي عنوان يعطيه الزبون خلال يومين إلى ثلاثة أيام فور حصولهم على الثمن. ولكن هنا بالضبط تبدأ المشكلة. إذ ليس هناك أي عنوان لأيّ من هؤلاء التجّار. الأمر الوحيد الذي يدلّ عليهم هو عنوان الكتروني عبر تور.

بل إن الزبون لا يعرف حتّى ما هو البلد الذي يقيم فيه هؤلاء السادة، هذا إن كان لهم مكان ثابت أصلا. أي أننا بحاجة هنا إلى ذلك المفهوم النظري شبه البدائي: الثقة. وهو آخر ما كان المرء يتوقّعه في هذا «العالم السفلي». وأساس هذه الثقة هو العلامة أو «الماركة». يشرح الصحفي البريطاني جامي بارتليت ميّزات «طريق الحرير» ــ حيث جمع خبراته الأفضل ــ مثلا بالشكل التالي: „إن سرّ شهرة طريق الحرير هي أنّ فيه خدمة معيّنة تسمح للزبائن المجرّبين بأن يدلوا بنتائج تعاملهم مع التاجر والبضاعة وأن يقيّموا ذلك بشكل علني وواضح ليستفيد منه الزبائن الجدد. هذه الخدمة هي الأساس الذي مازال يضمن للسوق استمرار عمله. وهي خدمة نجدها أيضا في كل من eBay و .Amazon يكاد يتم إرغام الزبائن على الإدلاء بتقييمهم: كيف كان تغليف البضاعة مثلا؟ وهل وصلت في الوقت المحدّد؟ وكيف تقيّم العلاقة ما بين السعر والخدمة؟ وهكذا يمكن القول على العموم أن هذا السوق يعتمد على الطرق نفسها التي تضمن نجاح أي سوق آخر: الدعاية والعلاقة ما بين العرض والطلب، …الخ“.

يتم استخدام العملة الخاصة بالإنترنت „Bitcoin“ كوسيلة للدفع. وكما مرّ معنا فليست المخدرات هي البضاعة الوحيدة. فأولئك الذين يرغبون بأن „يختفوا“ بسرعة يستطيعون الحصول مثلا على جواز سفر أمريكي مزوّر وهوية شخصية وشهادة قيادة، وكل ذلك مقابل ٢٠٠٠ يورو. إنها فرصة لحياة جديدة بهوية جديدة! ثمة رخص قيادة ألمانية وفرنسية وبلجيكية وليتوانية وبولندية وجوازات من كل مكان والتوصيل سريع. وهناك الدعاية التالية أيضا: لماذا لا تصبح مواطنا أمريكيّا؟ عليك فقط أن تشتري الجنسية!“‭.‬

مرآة للمجتمع

يعرف جاكوب أبلباوم بوجود هذه الصفحات في شبكته طبعا. لكنّه يقول: „ممّا يحتج به المعادون لمبدأ «الكتمان» ــ أي الحقّ بعدم الإدلاء بهوية المستخدم ــ أنّه يفتح الباب للجريمة. وهنا نسمع كثيرا الحديث عن «طريق الحرير» وأمثاله. إنهم يعتقدون أن الإنترنت يجب أن تكون خاليا من كل ما هو غير قانوني. لكنّ الإنترنت لا يمكن أن يكون إلاّ مرآة للمجتمع البشري. وفي ذلك المجتمع توجد الجريمة ببساطة. „ولا شيء يعرض في الـ Dark web غير موجود في المجتمع العادي. وبكلمات أخرى فإن شبكة تور لا تصنع تلك النشاطات الخارجة عن القانون، ولكنّها تقدم لها أشكالا للانتشار فحسب. الجريمة مشكلة لكن الرقابة هي مشكلة أيضا. ومستخدم تور هو الهارب من الرقابة، وليس كل هارب من الرقابة مجرما“‭.‬

إن أجهزة الرقابة العملاقة تتجسّس على كل ما نفعله. إنّها توظّف أنظمة عملاقة ومعقّدة لجمع البيانات التي ننتجها باستمرار. وهي تقوم بذلك دون أية قوننة أو تنظيم، سواء أكانت جهة رسمية أم مجرّد أشخاص وشركات خاصّة. ويقول ميخائيل جورج خبير المعلوماتية في أحد أجهزة الأمن الألمانيّة: „ليس ثمة ما يمكن أن استخدامه واقعيا ضد السلطات الأمنية. لكن ذلك يجب ألاّ يعني بحد ذاته خطأ الممارسة الأمنية. كل ما يمكن للمرء عمله ليحمي نفسه من التجسّس هو المطالبة بقوانين تمنع السلطات من القيام بذلك التجسّس. ثم توفّر الإرادة السياسية لتطبيق هذه القوانين بفعّالية. إنها الطريقة الوحيدة للحفاظ على مبدأ الحق في التكتّم على الهوية. وبدونها ستتوفّر الإمكانية دائما للتحايل عليه“.

حماقة الكثير من مستخدمي الإنترنت

لا يدع الخبير المذكور أي مجال للشك: „إنهم“ سيصلون إليك. بغض النظر عن هويّاتهم التفصيلية. وإذا حاولتَ الهرب فستبقى هاربا إلى الأبد. ولذلك فلا يبقى في الحقيقة أمام مستخدمي الإنترنت إلاّ الاستجابة لنداء ميشائيل جورج المذكور آنفا. لكنّ المشكلة أن ذلك هو آخر ما يمكن أن توافق عليه „الحيتان“ من كبار أصحاب المصلحة في استغلال لعبة الإنترنت التي تشبه المتاهة. فهؤلاء يستطيعون الوثوق بحماقة المليارات من مستخدمي الإنترنت الذين يشبهون بألعابهم الإلكترونية قطيعا من الخراف المُراقبة بشكل تام والتي يتم تسمينها. وكما يقول الكاتب الأمريكي توماس بنشون Thomas Pynchon في روايته « الحافة النازفة» : "وهم سيصلون إلينا، لأننا منعزلون جميعا وفقراء ومهانون ومصرّون على الإيمان بأي شكل من الإنتماء يريدون حشرنا فيه مهما بلغ من البؤس والسخافة. إنّهم يلعبون معنا، ولكن بأوراق مغشوشة. ولا تنتهي اللعبة إلاّ بتدمير الإنترنت ــ عالما حقيقيا وحلما وحلما موعودا."

تراقب وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) جزءا كبيرا من البشرية بشكل روتيني وتجمع بياناتهم بمقادير لا نعرف حتى الآن حجمها الحقيقي ولا نوعيّتها. وبهذا فهي تمتلك مواصفات تؤهّلها إن أرادت لأن تصبح ذات يوم الوكالة المركزية لدولة مستبدّة ذات سلطة غاشمة وغدّارة. إن الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور الألماني يتم الآن تعطيلها من قبل جهاز أمن أجنبي. ونحن نعرف هذا كلّه، لكنّ السياسيين والسلطات القضائية يتعاملون مع هذه الكارثة وكأنها حادثة نشل قليلة القيمة لا يتضمّن القانون عقوبة واضحة لها. وذلك رغم أنهم أقسموا اليمين على حماية الحقوق الأساسية للمواطن. وفي مثل هذه الظروف يصبح من الساذج الاعتقاد أن هذه الدولة وفي زمن منظور تمتلك القدرة أو الإرادة لصيانة وضمان الخصوصية والتواصل الحرّ. يجب إذن أن نوطّن أنفسنا على هروب طويل ومُرهق إلى أنفاق علينا أن نتقاسمها طوعا أو كرها مع الخارجين على القانون.
فالتر فان روسوم كاتب وباحث يقيم في ألمانيا والمغرب.

ترجمة: حسين شاويش

ترجمة: هبة شلبي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...