الهجرة واللجوء

المسيرة الطويلة
أوروبا في قلب الهجرة المعولمة

ليست الهجرة بالظاهرة الحديثة، بل هي جزء لا يتجزأ من الكينونة البشرية، وتمتد جذورها في أوروبا أيضا عبر تاريخ طويل. يصنف هذا المقال لـيوخن أولتمر، الباحث في شؤون الهجرة، ظاهرة الهجرة حسب التسلسل التاريخي ويساعدنا على تقييم الأحداث الراهنة على نحو أفضل.

منذ بداية تاريخ البشرية والهجرة تمثل محورا جوهريا في عملية التحول الاجتماعي. ولذا فإن اعتبار الحركات المكانية للسكان، وإن كانت لمسافات طويلة، ظاهرة من ظواهر العصر الحديث، يعد دربا من الأساطير. حيث تسنى اقتفاء أثر موجات ضخمة من الهجرة العالمية حتى في وقت سابق لتطور وسائل النقل الجماعي الحديثة. فالإنسان في مرحلة ما قبل الحداثة لم يكن يميل كثيرا للاستقرار، على عكس حاله في مرحلة ما بعد الحداثة. وكذلك من غير المعقول أن يعتقد البعض أن الهجرة في الماضي اتخذت شكلا خطيا، أي هجرة دائمة من مكان إلى مكان بهدف الاستيطان الدائم: فأشكال الهجرة المختلفة، من هجرة مرتدة ودائرية ومتأرجحة، ظلت من السمات المميزة لسلوكيات الهجرة العالمية، الإقليمية منها والمحلية في الماضي والحاضر على حد سواء. كما أن المهاجرين لم ينتقلوا إلى عالم غريب عليهم كليا، سواء في الحاضر أو في الماضي، بل إن الانتقال في إطار شبكات احتل جزءا محوريا من تاريخ الهجرات وحاضرها. وعلى مر القرون الماضية لم تطرأ أية تغييرات تُذكَر على تلك الهجرات من حيث شروطها الأساسية وأشكالها.

يمكننا التحدث على نطاق أوسع، أو بالأحرى على نطاق واسع، عن الهجرة العالمية منذ بداية توسع أوروبا سياسيا وإقليميا وكذا ثقافيا واقتصاديا إبَّان القرن الـ ١٥. وظلَّت هجرة الأوروبيين إلى بقاع أخرى من العالم بين القرنين الـ ١٦ و ١٩ متوسطة الحجم، إلا أنها أدت فيما بعد، وحتى بدايات القرن الـ ٢٠، إلى حدوث تحول بعيد المدى في إطار البنية السكانية، لاسيما في الأمريكتين وفي جنوب المحيط الهادي، بل وكذلك في أجزاء من أفريقيا وآسيا. وفي نهاية القرن الـ ١٩ ومطلع القرن الـ ٢٠، ومع بلوغ هجرة الأوروبيين ذروتها، بدأ في الوقت نفسه تاريخ أوروبا كقارة مستقبلة للهجرة.

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي كشفت بحوث الهجرة التاريخية عن طيف واسع من حركات الهجرة، وأصبح الآن بإمكانها تجسيد مسارات الهجرة وتطورها على مدار عقود وقرون. وإنه لمن الضروري أخذ تلك المسارات في الاعتبار ليتسنى لنا فهم وتفسير سلوكيات وأنماط الهجرة في الوقت الحاضر. تتناول الدراسة التالية الظروف والأشكال والعواقب المرتبطة بالحركات المكانية للسكان والتي انطلقت من أوروبا منذ القرن الـ ١٦. كما تبحث خلفيات تحوُّل أوروبا إلى قارة مستقبلة للهجرة. ويهدف المقال من خلال ذلك إلى الكشف عن دور أوروبا البارز في أحداث الهجرة العالمية التي يشهدها العصر الحديث، وتسليط الضوء في الوقت نفسه على طبيعية ونظامية حركات الهجرة واسعة النطاق وطويلة المدى عبر التاريخ.

بداية ذات عواقب بعيدة المدى

يشير مصطلح «الهجرة» إلى الحركة المكانية للإنسان. ويُقصَد به أنماط الانتقال الإقليمية التي تؤثر على المسارات الحياتية للمهاجرين على نحو بعيد المدى، والتي تسفر عن تغييرات في المؤسسات الاجتماعية. قد يشير هذا المصطلح إلى عبور الحدود السياسية والإقليمية وما يترتب عليه من استبعاد من مجتمع قانوني والانضمام إلى آخر. كما قد ينم عن تلك الحركات المكانية التي تتم في إطار الكيان السياسي والإقليمي. فهي تدفع المهاجرين والمهاجرات إلى التعامل مع معطيات ونظم اقتصادية وكذا مع أنماط ثقافية ومعايير وهياكل اجتماعية مختلفة (إلى حد بعيد)، وإلى تحقيق أو اكتساب فرصة للمشاركة في مختلف المجالات الاجتماعية الوظيفية. وعلى الرغم من أن الحركات المكانية التي حدثت في إطار التوسع الحضري، لاسيما منذ أواخر القرن الـ ١٨، لم تكن في مجملها أكثر من انتقال مكاني في إطار الإقليم أو الدولة، إلا أنها وضعت المهاجرين أمام تحديات بعيدة المدى إزاء الاندماج في أقسام وقطاعات اقتصادية أخرى (قطاع الصناعة أو الخدمات في مقابل قطاع الزراعة) ووضعت الهجرة في مواجهة نماذج مختلفة من الأشكال الحياتية (من حضرية إلى ريفية) والمواقف والتوجهات.

ربما أشارت الهجرة أحادية الاتجاه إلى الانتقال من مكان إلى آخر بشكل عام، إلا أنها اشتملت في الكثير من الأحيان على أهداف ومراحل بينية تخدم جميعها نفس الغرض، وهو اكتساب الأموال اللازمة لاستكمال الرحلة. ظلت عملية الهجرة غير محددة النتائج في المجمل، وبالتالي لم يعد الاستيطان الدائم في مكان آخر سوى نتيجة من النتائج المحتملة المترتبة على حركات الهجرة: ففي ألمانيا على سبيل المثال نمت أعداد القوى العاملة الوافدة من الخارج من ٥٥٠٫٠٠٠ نسمة في عام ١٩٦١ إلى ٢٫٦ مليون نسمة في عام ١٩٧٣، أي عندما توقف توظيف العمالة الأجنبية. مع العلم أن حجم الهجرة في هذه الفترة كان كبيرا، فنجد أن ألمانيا استقبلت نحو ١٤ مليون عامل أجنبي بدءا من أواخر خمسينيات القرن الماضي وحتى عام ١٩٧٣، بينما عاد قرابة الـ ١١ مليون، أي ما يوازي ٨٠ بالمائة، إلى بلادهم مرة أخرى.

سعى المهاجرون والمهاجرات في كثير من الأحيان إلى توفير سبل للعمل والاستقرار وتحسين فرص التعليم من خلال الإقامة الدائمة أو المؤقتة في بلاد أخرى. أي أنه كان من شأن الحركات المكانية أن تمنح المهاجرين في تلك الحالات سلطة تصرف أكبر. إلا أنه كثيرا ما ارتبطت الهجرة بنقاط تحول (مهنية) انعكست على سيرتهم الذاتية وبقرارات مصيرية، كاختيار شريك الحياة وتكوين أسرة، أو بامتهان وظيفة أو اختيار مكان دراسي أو تدريبي أو مكان عمل؛ ولذا فإن الجزء الأكبر من المهاجرين كان من صغار البالغين والشباب. وإن استغلال الفرص المتمثِّلة في الهجرة توقَّف على بعض السمات والصفات الاجتماعية والمؤهلات الخاصة بالأفراد أو أعضاء الكيانات المجتمعية (العائلات والأسر والمجموعات والشعوب)؛ وعلى رأسها الجنس والعمر ودورة حياة الأسرة والعادات والمؤهلات والكفاءات وكذا الوضع الاجتماعي (المستوى والطبقة) والمهني، فضلا عن الانتماءات «العرقية» و «الطائفية» و «العنصرية» و «القومية» والتي ارتبطت في كثير من الأحيان بامتيازات وحقوق (مكتسبة بالولادة).

وإزاء تفاوت حجم المعطيات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والحقوقية والرمزية، تفاوتت أيضا درجة استقلالية المهاجرين إلى حد بعيد، سواء كأفراد أو كأعضاء في شبكات أو كيانات مجتمعية. وترتبت مشروعات الهجرة في أغلب الأحيان على مفاوضات تمت في إطار العائلات والأسر والكيانات الاقتصادية الأسرية أو في إطار الشبكات، واصطبغت تلك المفاوضات إما بالصراع أو بالتعاون. وغالبا ما افتقر المقدمون على الهجرة إلى سلطة التصرف، لأن الهجرات القائمة على اكتساب واستغلال الفرص لم تقتصر بأي حال من الأحوال على تحقيق الاستقرار أو تحسين معيشة المهاجرين أنفسهم فحسب، بل إن الكثير من الأسر، وغيرها من الكيانات المجتمعية الأصلية، اعتادت على إرسال ذويها للهجرة من أجل تحسين أو دعم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للكيان المجتمعي المتخلف من خلال «الحوالات المالية» وغيرها من وسائل تحويل الأموال. والشرط الأساسي لنجاح مثل هذه الاستراتيجيات الاقتصادية القائمة على الانتقال من مكان إلى مكان تمثَّل في الحفاظ على الروابط الاجتماعية عبر مسافات وفترات طويلة.

إلا أن استغلال الهجرة باعتبارها فرصة للفرد أو للجماعة توقَّف بشكل أساسي على الإلمام بأهدافها ومساراتها وإمكانياتها الكامنة، سواء فيما يتعلق بالهجرة المؤقتة أو الدائرية أو تلك التي تستند إلى إقامة طويلة الأجل في مكان آخر. وإن توافر معلومات موثوقة ومتواصلة عن المنطقة المستهدفة كان سببا أساسيا وراء بلوغ الهجرات المهنية والدراسية والاستيطانية مدة محددة ومدى محدد. وتمثَّلت أهم المصادر المعرفية التي تم الاعتماد عليها في هذا الصدد في المعلومات الشفهية أو الكتابية التي حرص المهاجرون (الرواد) على تناقلها والتي تطرقت إلى موضوعات مختلفة، ما بين فرص العمل والدراسة والزواج والاستيطان، فقد اكتسبت رسائلهم قيمة معرفية كبيرة بناء على صلاتهم بالأقارب والمعارف. ووضعوا بذلك حجر الأساس لسلسلة من الهجرات، اقتفى في إطارها المهاجرون والمهاجرات مسارات سلكها أقاربهم ومعارفهم ممن هاجروا في وقت سابق.

وفي معظم الأحيان ارتبطت المناطق المصدرة والمستقبلة للمهاجرين من خلال شبكات قائمة على الصلات بين الأقارب والمعارف. وتمثلت الدعائم الرئيسية التي استندت إليها تلك الشبكات في عنصري الولاء والثقة. ولا يسعنا المبالغة في تقدير أهمية النقل المعرفي الذي انطوت عليه تلك الشبكات: فنلاحظ على سبيل المثال أنه تم إرسال ما لا يقل عن ١٠٠ مليون „رسالة شخصية من مهاجرين“ من الولايات المتحدة الأمريكية إلى ألمانيا بين عامي ١٨٢٠ و ١٩١٤ وتم تداولها بين الأقارب والمعارف في بلدان المنشأ.

وقد تسنى للمهاجرين المحتملين في معظم الأحيان الحصول على معلومات مضمونة، وكافية لاتخاذ أو تنفيذ قرار الهجرة ولكن عن وجهة واحدة فقط أو عن سبل استقرار فردية ومحدودة محليا أو عن مجالات مهنية محددة، مما لم يترك لهم مجالا فعليا للاختيار بين الأهداف والوجهات المختلفة. وعلى الرغم من أن هذا الأمر عمل على تقييد سلطة تصرف الفرد في إطار قرارات الهجرة، إلا أن الوجهات المستهدفة تضمنت طيفا واسعا من العلاقات والصلات بين الأقارب والمعارف مما أدى إلى تحجيم المخاطر وتوفير الفرص: وهو ما يبرر أن ٩٤ في المئة من مجموع الأوروبيين الذين انتقلوا إلى أمريكا الشمالية قرابة عام ١٩٠٠، انصب اهتمامهم في البداية على البحث عن أقاربهم ومعارفهم، وهو ما حد بدوره من فرص تعرضهم للأذى وعزز من سلطة تصرفهم في تلك المنطقة.

قدَّمت شبكات المهاجرين معلومات عابرة للحدود حول الفرص والمخاطر الكامنة في الهجرة والهجرة المرتدة وحول طرق الانتقال الآمنة وكذا حول العبء النفسي والجسدي والمالي المرتبط بالسفر. كما وفرت تلك الشبكات سبلا لحماية وتوجيه الأفراد في الغربة، فضلا عن إتاحة فرص للعمل والإقامة ومساعدة المهاجرين على التواصل مع السلطات وكذا المؤسسات المركزية والمحلية. وكلما اتسع نطاق الشبكات وازداد الاهتمام بما تستند إليه من علاقات اجتماعية، كلما وفَّرت المزيد من الفرص الاقتصادية والاجتماعية ــ فكانت جاذبية وجهات الهجرة تُقاس بحجم شبكات الأقارب والمعارف التي وفرت ملاذا للمهاجرين، وكذا بمدى كثافة العلاقات الاجتماعية التي حظيت بالرعاية في إطار تلك الشبكات. ونجد بالتالي أن شبكات المهاجرين لم ترفع من احتمالية وفود المزيد من المهاجرين فحسب، بل استحدثت بالأحرى تقليدا للهجرة أثَّر بدوره على دوام حركات الهجرة واستمراريتها، فأصبحت تمتد عبر فترات طويلة من الزمن وفي بعض الأحيان عبر أجيال.

لا شك أن الفضل في الحفاظ على شبكات المهاجرين ورعايتها يعود إلى التواصل وتبادل الخدمات؛ ولكن ليس هذا فقط، إذ أن نمو تلك الشبكات يُعزى في المقام الأول إلى الزواج (عبر الحدود المحلية والقارية في كثير من الأحيان) وتأسيس الجمعيات والاتحادات واتباع ثقافة معينة في التنشئة الاجتماعية وكذا إلى الأنشطة الاقتصادية المشتركة.وعلى الرغم من أن تلك الشبكات وفرت الحماية والفرص للمهاجرين، إلا أنها ألقت في الوقت نفسه ضغوطا والتزامات اجتماعية على عاتق الفرد. إذ أن صيانة تلك الشبكات، التي كان من شأنها أن تحظى بأهمية محورية في سياق الهجرة، تطلب ولاء وقبولا للمسؤولية الجماعية وما ارتبط به من خدمات تبادلية. فتحتَّم على المهاجرين والمهاجرات تقاسم معايير محددة وكذا مبادئ وأهداف إجرائية مع بعضهم البعض، وخضع أعضاء الشبكات لرقابة اجتماعية وثيقة امتدت عبر مسافات طويلة من آلاف الكيلومترات، وهو ما يُعزى إلى وثاقة العلاقات بين الأقارب والمعارف. باتت الثقة أمرا مفروضا، وتدرجت أشكال العقوبات عبر طيف واسع: ما بين ضياع السمعة إزاء انعدام الثقة والانسحاب من الخدمات والعزلة الاجتماعية والتهميش. وقد ساهمت تلك العقوبات في تعزيز الهشاشة الاجتماعية والمخاطر في سياق الهجرة وأضعفت بالتالي من إمكانية اغتنام الفرص التي توفرها الحركات المكانية.

أما في سياق الانتداب، وهو شكل خاص من أشكال الهجرة، فتقوم المنظمات أو المؤسسات (أفرع لمحلات تجارية أو شركات متعددة الجنسيات أو خدمات دبلوماسية أو القوات المسلحة) بدور شبكات الأقارب والمعارف. اقتصر الانتداب في معظم الأحيان على فترات إقامة محدودة في مكان آخر بهدف العمل في أفرع لشركات أو شركات تابعة أو لدى أطراف ثالثة. وكان الانتداب بمثابة تعبير عن استراتيجيات الشركات على المدى الطويل؛ تلك الاستراتيجيات التي حرصت على تواجد المتخصصين باستمرار في مختلف مواقع الشركات وعززت الإقامة في تلك الأماكن من خلال بنيات تحتية محددة، كالمدارس والنوادي والجمعيات والاتحادات.

بينما تمتَّع الفرد في هذا السياق بسلطة تصرف كبيرة في إطار تنفيذ مشروع الهجرة، اختلف الأمر اختلافا كبيرا في حالات أخرى، كتلك التي جاءت فيها الهجرة كرد فعل على بعض الأزمات. ففي تلك الحالات ترتبت الهجرة على التدهور البيئي أو الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية الطارئة. وفي حالات أخرى ارتبطت الهجرة بما فرضته الجهات المؤسسية (الحكومية) الفاعلة من تدابير تنظيمية وإدارية نجحت بدورها في تقييد سلطة تصرف وكذا حرية وحركية الأفراد والجماعات، بحيث لم تترك مجالا لأية بدائل واقعية. ففر الناس من العنف الذي هدد حياتهم وحريتهم بشكل مباشر وعلى نحو غير متوقع، والذي استند في معظم الأحيان إلى أسباب سياسية أو عرقية أو عنصرية أو دينية. وقد تشير الهجرة الإجبارية إلى التشريد القسري أو الترحيل أو إعادة التوطين، وامتدت في الكثير من الأحيان لتشمل فئات سكانية بأكملها.

التوسع الأوروبي فيما بين القرنين الـ ١٦ و ١٩

مع الغزو الأسباني والبرتغالي للأمريكتين إبَّان الفترة الانتقالية من القرن الـ ١٥ إلى القرن الـ ١٦ لم تتحد هجرات الأوروبيين في بادئ الأمر إلا في إطار محدود للغاية. لم ينظر الحكام الأسبان والبرتغاليين إلى أراضيهم الجديدة باعتبارها مستوطنات بل مستعمرات تخدم أغراض الاستغلال الاقتصادي. وحتى يتسنى لهم استغلال تلك المستعمرات اقتصاديا، كان من الضروري „تقدير قيمة“ ممتلكاتهم فيما وراء البحار عبر استكشاف وتعدين الثروات المعدنية أو إنتاج السلع الزراعية، وهو ما تطلَّب وجود أعداد كبيرة من القوى العاملة. إلا أن القوى العاملة لم تكن متوفرة إزاء انخفاض أعداد السكان المحليين إلى حد كبير، وذلك جراء ارتفاع معدلات الوفيات في إطار المعارك بين السكان المحليين والغزاة، ولكن ليس هذا فقط، بل هناك سبب آخر أكثر تأثيرا: فقد ظلت قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا على اتصال ببعضها البعض عبر آلاف السنين، حتى من الناحية الوبائية، وذلك عبر الهجرات والتعاملات التجارية والأسفار، على عكس أستراليا والأمريكتين. فما أن وطأت أقدام الأوروبيين هذا العالم الجديد حتى تسببت موجات من الأوبئة في هلاك السكان المحليين.

فالكثير من الفيروسات والبكتيريا التي حملها الغزاة معهم إلى هذه الأراضي، والتي كانت لديهم مناعة ضدها، كان لها تأثير مدمر على السكان الأصليين. يُقال أن أعداد السكان في المستعمرات الأسبانية، الكائنة في أمريكا الجنوبية والوسطى قبل اكتشافات كولومبوس، قد انخفضت من قرابة الـ ٤٠ مليون نسمة إلى نحو تسعة ملايين نسمة حتى عام ١٥٧٠، ثم انخفضت مجددا إلى ما لا يزيد عن أربعة ملايين نسمة بحلول عام ١٦٢٠.

وإن هذه العلاقة التي سبق وأشرنا إليها بإيجاز شكَّلت إطارا رئيسيا لحركات الهجرة العالمية في الفترة بين أواخر القرن الـ ‮٥١‬ وأوائل القرن الـ ١٩: حيث كشفت بعض الحسابات التقريبية عن نزوح نحو عشرة ملايين شخص إلى الأمريكتين في الفترة ما بين بلوغ كولومبوس منطقة الكاريبي عام ١٤٩٢ وعام ١٨٢٠؛ أي على مدى أكثر من ثلاثة قرون. وفد من بينهم نحو اثني مليون مهاجر من أوروبا وثمانية ملايين من أفريقيا كعبيد. أولئك الذين نزحوا من أوروبا كانوا من فئات الجنود والموظفين، وهي فئات ضرورية لفرض الاستعمار وإرساء قواعده، فضلا عن مجموعة كبيرة من المبشِّرين، إضافة إلى التجار وملاك المزارع ومديريها، والحرفيين المدنيين والفلاحين وكذا العمال، الذين شكَّلوا نحو ثلث النازحين الأوروبيين تقريبا ولم يأتوا إلى القارة المزدوجة كأحرار. أبقى الأوروبيون بحلول عام ١٨٠٠ على ما يصل إلى ٥٠٠ أو ٦٠٠ قاعدة تجارية وإدارية وعسكرية خارج نطاق الأمريكتين؛ في أفريقيا وأوقيانوسيا وآسيا (عدا سيبيريا)، من بينها أربعة مستوطنات قائمة على الدوام تضم ما يزيد عن ٢٠٠٠ مواطن أوروبي: المستوطنة البرتغالية المتمثِّلة في ولاية جوا على الساحل الغربي للهند والأسبانية المتمثِّلة في مدينة مانيلا على جزيرة الفلبين الرئيسية لوزون، وكذا المستوطنات الهولندية المتمثِّلة في باتافيا (جاكرتا حاليا) على جزيرة جاوة الإندونيسية وفي مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا. ‬‬

عولمة متسارعة في أواخر القرن الـ ١٩ ومطلع القرن الـ ٢٠ منذ أوائل القرن الـ ١٩ نمت أعداد النازحين من أوروبا نموا مطردا. وبلغت هجرات الأوروبيين ذروتها في المرحلة التي شهدت توسعا استعماريا مطردا في جميع أنحاء العالم وكذا عولمة اقتصادية، وقد سبقت تلك المرحلة الحرب العالمية الأولى بنحو ٣٠ أو ٤٠ عاما تقريبا. وبينما سلك الجزء الأصغر من النازحين الأوروبيين العابرين للقارات الطرق البرية واستقرت بشكل رئيسي في المناطق الأسيوية من الإمبراطورية الروسية، نجح الجزء الأكبر من النازحين في عبور الحدود البحرية للقارة. فأكثر من ثلثي الأوروبيين الذين هاجروا عبر البحار، والذين تراوحت أعدادهم بين ٥٥ إلى ٦٠ مليون مهاجر، اتجهوا إلى أمريكا الشمالية، مع العلم أن الولايات المتحدة استقبلت أكثر من ستة أضعاف الأعداد المهاجرة إلى كندا. واتجه خُمْس المهاجرين تقريبا إلى أمريكا الجنوبية، ونحو سبعة بالمائة إلى أستراليا ونيوزيلندا. جدير بالذكر أن تلك المناطق المتمثِّلة في أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أمريكا الجنوبية وكذا سيبيريا شكَّلت ما يُعرَف باسم «الأوروبات الحديثة»، بوصفها مناطق استيطان أوروبية.

إلا أن عملية الاستيطان في الأوروبات الحديثة حملت في طياتها النزعة إلى تهجير السكان الأصليين إلى مناطق الأطراف، ولم تخل في كثير من الأحيان من الميل إلى الإبادة الجماعية. وهو ما أدى إلى تهميش النظم والهياكل الأصلية المتوارثة على نطاق واسع أو القضاء عليها تماما، وانطبق هذا على النظم الاقتصادية والاجتماعية وهياكل السلطة والأنماط الثقافية. إلا أن الحافز الأكبر وراء نزوح الأوروبيين على نطاق واسع يُعزى بلا شك، وفي جميع الحالات، إلى الرغبة في سرعة إدماج المستوطنات في السوق العالمية خلال القرن الـ ١٩. وهناك عوامل أدت إلى ارتفاع الطلب على القوى العاملة في مناطق متفرقة من العالم وبالتالي إتاحة وجهات هجرة جديدة أمام الأوروبيين، وتلك تتلخص في احتياج الأوروبيين إلى المواد الخام والمواد الغذائية، فضلا عن موجة الاستثمارات التي ترتبت على تدفق رؤوس الأموال من أوروبا. وأدت هجرة الأوروبيين بدورها إلى إنشاء أسواق كبرى للسلع الأوروبية المصنَّعة في تلك المناطق، وهو ما عزز على نحو متزايد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. وتُعزى إحدى الأسباب الرئيسية لنمو هجرة الأوروبيين عبر البحار إلى ارتباط أوروبا والمناطق الواقعة فيما وراء البحار عن طريق الهجرة منذ عقود بل وقرون طويلة. فمن ناحية قدَّم المهاجرون الرواد معلومات حول إمكانيات ومسارات ومخاطر الهجرة إلى ما وراء البحار. وومن ناحية أخرى أدى التطور الكبير الذي شهدته وسائل النقل في أوروبا في إطار التحول الصناعي إلى تيسير الهجرة بعيدة المدى إلى ما وراء البحار وإلى المناطق المستهدفة، مما أسفر عن ازدياد الكثافة السكانية في تلك المناطق. كما أدى أيضا إلى تقليص مدة الرحلة وإلى انخفاض تكاليفها إلى حد بعيد.

نما حجم الهجرة الأوروبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية نموا هائلا منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، إذ اتجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الفترة نحو ١٥٢٫٠٠٠ مواطن أوروبي، ليرتفع هذا العدد في فترة الثلاثينيات ليصل إلى ٦٠٠٫٠٠٠ مهاجر تقريبا. وتمثلت ذروة هجرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة بين أربعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث وصل مجموع المهاجرين إلى نحو ١٥ مليون مهاجر أوروبي، جاء معظمهم من غرب وشمال ووسط القارة؛ من بينهم أكثر من أربعة ملايين مواطن ألماني وثلاثة ملايين مواطن أيرلندي وثلاثة ملايين مواطن إنجليزي واسكتلندي وويلزي وكذا مليون مواطن اسكندينافي، ليرتفع عدد السكان في الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة، التي امتدت على مدى نصف قرن، من ١٧ مليون نسمة إلى ٦٣ مليون نسمة تقريبا.

على الرغم من ارتفاع نسبة الهجرة إلى أمريكا الشمالية على نحو متزايد وكذا نمو أعداد سكانها، إلا أنه لم يكن هناك عجز في فرص العمل إزاء نمو السكان، بل بالعكس؛ واصل الطلب على القوى العاملة ارتفاعه. والسبب في ذلك يعود إلى الازدهار الزراعي والاقتصادي الصناعي. ارتبط النمو الاقتصادي بعلاقة تبادلية وثيقة مع التوسع الإقليمي الدائم خارج نطاق الولايات الـ ١٣ المؤسسة للولايات المتحدة الأمريكية. وفي غضون عقود قليلة اتسع المجال الإقليمي للولايات المتحدة الأمريكية ليشمل نحو خمسة أضعاف مساحتها السابقة. في عام ١٨٢٠ كانت الغالبية العظمى من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، نحو ثلاث أرباع مجموع السكان، تعيش في الولايات الواقعة على الساحل الشرقي، بينما استقر ما لا يزيد عن ربع السكان غرب جبال الأبالاش. أما بحلول عام ١٨٦٠، أدت الهجرات العابرة للقارات والهجرات الإقليمية في إطار الولايات المتحدة الأمريكية إلى استقرار نحو نصف سكان الولايات المتحدة غرب جبال الأبالاش. يمكننا تلخيص مسألة نزوح ملايين السكان ذوي الأصول الأوروبية غربا إلى المناطق المعمَّرة حديثا في أمريكا الشمالية في إطار مفهوم «الاستعمار الاستيطاني». وخلال العقدين الأخيرين من القرن الـ ١٩ بلغ هذا النزوح نهايته، إلا أنه أفضى إلى مرحلة انتهجت فيها الولايات المتحدة الأمريكية سياسة قائمة على التوسع الاستعماري فيما وراء البحار.

بلغ التوسع الاستعماري للولايات المتحدة الأمريكية واليابان ولاسيما الدول الأوروبية أوجه خلال العقود الثلاثة أو الأربعة السابقة للحرب العالمية الأولى وذلك في إطار مرحلة الإمبريالية العظمى. إن ميل الإمبراطوريات الأوروبية العظمى خلال العقود السابقة إلى السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية غير الرسمية على المناطق الأسيوية والمحيط الهادي والأفريقية والأمريكية اللاتينية أدى إلى تفاقم المنافسة الاستعمارية حول تعزيز الاستعمار الرسمي على نحو متزايد. وإن تلك المرحلة التي شهدت توسعا استعماريا متزايدا عكست في الوقت نفسه تواصلا اقتصاديا دوليا حثيثا تسبب بدوره في حدوث تحولات اقتصادية بعيدة المدى. سبق وأشرنا إلى ثورة النقل والاتصالات التي شهدها القرن الـ ١٩، والتي تمثَّلت أبرز نتائجها في انخفاض تكاليف النقل إلى حد كبير خلال الفترة الانتقالية بين القرنين الـ ١٩ والـ ٢٠. مما أدى إلى اجتياز المزيد والمزيد من البشر وكذا السلع مسافات أطول. جرى تطوير وتوسيع وسائل الاتصال على نحو مطرد (الحركة البريدية المنتظمة والتلغراف وكذا التليفون منذ عام ١٨٧٨)، وتطوَّرت الصحف لتصبح مصادر إخبارية قليلة التكلفة وفي متناول الجميع، وذلك بسبب سرعة ازدياد أعدادها وطبعاتها. وبذلك تحسَّنت إمكانات الاستعلام عن سبل الاستيطان وفرص العمل في المناطق الأخرى. وإن ما شهدته وسائل النقل والاتصالات من تنمية عاجلة ساعد على إنشاء الأسواق في قطاع الهجرة. حيث اتجهت شركات السفن العالمية في أوروبا وأمريكا الشمالية، المتنافسة فيما بينها، إلى استكشاف المزيد من وجهات الهجرة الجديدة، واستعانت في هذا الإطار بأحدث أساليب الدعاية وبنظام متطور من الوكلاء ليتسنى لها تعبئة بواخرها بالمهاجرين.

وفي القرن التاسع عشر بلغت هجرات الأوروبيين العالمية لوجهات بعيدة المدى ذروتها في تلك المرحلة التي شهدت توسعا استعماريا مطردا في جميع أنحاء العالم وكذا عولمة اقتصادية، وقد سبقت تلك الفترة الحرب العالمية الأولى بنحو ٣٠ أو ٤٠ عاما. ومع بداية القرن الـ ١٩ بلغ متوسط عدد النازحين الأوروبيين عبر البحار نحو ٥٠٫٠٠٠ نسمة سنويا. ثم حدث تحول إبان أربعينيات القرن الـ ١٩: فما بين عامي ١٨٤٦ و ١٨٥٠ هاجر سنويا أكثر من ٢٥٠٫٠٠٠ شخص في المتوسط عبر المحيط الأطلنطي، اتجه منهم نحو ٨٠ بالمائة إلى الولايات المتحدة الأمريكية و ١٦ بالمائة إلى كندا. وارتفع هذا العدد بين عامي ١٨٥١ و ١٨٥٥ ليصل إلى ٣٤٠٫٠٠٠ أي بما يعادل سبعة أضعاف المعدل السنوي إبان العقود الأولى للقرن الـ ١٩.

وواصلت الولايات المتحدة هيمنتها كأبرز مقاصد الهجرة عبر استقبال ٧٧ بالمائة من المهاجرين في مقابل تسعة بالمائة اتجهوا إلى كندا وأربعة بالمائة إلى البرازيل. لا شك أن هجرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت بشكل ملحوظ بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر والحرب الأهلية الأمريكية التي اندلعت بين عامي ١٨٦١ و ١٨٦٥، إلا أنها ما لبثت أن تزايدت مرة أخرى مع نهاية الحرب الأهلية لتفوق معدلاتها في أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر، وعادت لتنخفض من جديد جراء الأزمة الاقتصادية العالمية التي وقعت إبان سبعينيات القرن التاسع عشر. وتوالت ذرى الهجرات الأوروبية عبر البحار منذ بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر. ففي النصف الثاني من ثمانينيات القرن التاسع عشر بلغ متوسط عدد المهاجرين الأوروبيين عبر البحار نحو ٨٠٠٫٠٠٠ مهاجر سنويا، اتجه معظمهم، كما في السابق، إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وبلغت المعدلات ذروتها خلال الخمسة عشرة عاما السابقة للحرب العالمية الأولى، إذ وصل متوسط عدد الأوروبيين المهاجرين، الذين أداروا ظهورهم للعالم القديم، إلى أكثر من ١٫٣ مليون مهاجر.

جدير بالذكر أن مسارات هجرة الأوروبيين عبر المحيط الأطلسي لم تكن أحادية الاتجاه قط، وهي حقيقة يتم إغفالها في كثير من الأحيان: فكلما تراجعت أهمية الهجرات العائلية، التي ظلت مهيمنة لفترة طويلة، في القرن التاسع عشر جراء الاستيطان الزراعي، اكتسبت الهجرة الفردية للأيدي العاملة أهمية أكبر في سياق العمالة الصناعية، وتزايدت الهجرات المرتدة. نلاحظ أنه فيما بين عامي ١٨٨٠ و ١٩٣٠ عاد من الولايات المتحدة الأمريكية أربعة ملايين شخص إلى أوروبا، مع وجود فوارق كبيرة بين الفئات المختلفة، حيث عاد إلى أوروبا خمسة بالمائة فقط من اليهود الذين هاجروا عبر المحيط الأطلسي و ٨٩ في المئة من البلغاريين والصرب، بينما وصلت نسبة العائدين من المهاجرين الأوروبيين من وسط وشمال وغرب أوروبا إلى ٢٢ في المئة في المتوسط. ويلاحظ أيضا أن هجرات الأوروبيين الدائمة عبر البحار، من شرق وجنوب أوروبا والجزء الشرقي من وسطها، والتي كانت سائدة حول منعطف القرن الـ ٢٠، تراجعت في مقابل الهجرات المرتدة والدائرية. إذ تبيَّن على سبيل المثال أن نصف الإيطاليين، الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية والجنوبية بين عامي ١٩٠٥ و ١٩١٥، عادوا إلى إيطاليا مرة أخرى.

اكتسبت مناطق أخرى من الأوروبات الحديثة أهمية متزايدة على حساب أمريكا الشمالية، على رأسها أستراليا والبرازيل والأرجنتين وكذا نيوزيلندا وأوروجواي وتشيلي. فبينما استقبلت الولايات المتحدة الأمريكية نحو أربعة أخماس مجموع المهاجرين الأوروبيين قبل عام ١٨٥٠، ونحو ثلاث أرباعهم في النصف الثاني من القرن الـ ١٩، لم يتوجَّه إليها أكثر من نصف المهاجرون منذ نهاية القرن. وتعود الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها المناطق الأخرى كوجهات هجرة على حساب أمريكا الشمالية إلى افتتاح مستوطنات كبرى حديثة للمزارعين الأوروبيين وزيادة الطلب على الأيدي العاملة للتنقيب عن المواد الخام التي تم اكتشافها.

وإلى جانب استيطان الأوروبيين في المناطق الاستعمارية، انطلقت هجرات أخرى متنوعة وواسعة النطاق لأفارقة وأسيويين على وجه الخصوص، كنتيجة مباشرة وغير مباشرة للتوسع الأوروبي السياسي والإقليمي على الصعيد العالمي وكنتيجة أيضا للعولمة الاقتصادية المنبثقة من أوروبا. ومن بين تلك الهجرات ما كان فرارا أو تشريدا أو إعادة التوطين نتيجة لفرض الاستعمار وإرساء قواعده. ومن بينها ما اتخذ شكل التهجير كنتيجة للضغط الذي يمارس في العديد من المناطق المستعمرة لزراعة منتجات قابلة للتسويق أو لإنشاء اقتصاديات زراعية واسعة النطاق، والتي اعتمدت على أعداد كبيرة من العمالة (القسرية) على المدى البعيد.

أما هجرات العمل، فنتجت عن التغيرات التي طرأت على الهياكل الاقتصادية، وعلى رأسها الاستكشاف والاستغلال العاجل لموارد المواد الخام اللازمة للتصنيع الأوروبي وتحويل الاقتصاد الزراعي إلى زراعة المحاصيل النقدية، وكذا نتيجة لنمو المناطق الاقتصادية الحضرية أو عن تطوير البنية التحتية (إنشاء السكك الحديدية والقنوات والموانئ). أو أنها كانت هجرات قائمة على الاستيطان الزراعي، وتلك ترتبت على استكشاف المستوطنات الجديدة واحتلالها، الأمر الذي لم يخل في معظم الأحيان من العنف.

أوروبا كوجهة للهجرة منذ أواخر القرن الـ ١٩

في الثلث الثاني من القرن الـ ٢٠ انقضت ظاهرة هجرات الأوروبيين الجماعية عبر المحيط الأطلسي، تلك الظاهرة التي شكَّلت أحداث الهجرة العالمية على «طول» امتداد القرن الـ ١٩. ففي عشرينيات القرن العشرين لم يتعد حجم هجرة الأوروبيين عبر البحار نصف معدلاته السنوية خلال العقد السابق للحرب العالمية. وفي الثلاثينيات انخفضت النسبة إلى أبعد من ذلك جراء الأزمة الاقتصادية، فما بين عامي ١٩٣١ و ١٩٤٠ لم يتم تسجيل أكثر من ١٫٢ مليون مهاجر عبر البحار من جميع أنحاء أوروبا. ليصل متوسط عدد المهاجرين إلى ١٢٠٫٠٠٠ مهاجر سنويا، أي إلى أدنى معدلاته على مدى المائة عام السابقة. وجاءت الحرب العالمية الثانية لتضع حدا نهائيا للهجرة عبر المحيط الأطلسي.

على الرغم من ارتفاع نسبة هجرة الأوروبيين عبر الأطلسي مرة أخرى وذلك إبان خمسينيات القرن العشرين، إلا أنها لم تصل أبدا إلى معدلاتها إبان العشرينيات أو حتى إلى فترة ذروتها في أواخر القرن الـ ١٩ وأوائل القرن الـ ٢٠. بل على العكس، نلاحظ أن بريطانيا العظمى وهولندا و (غرب) ألمانيا، تلك المناطق التي ظلت لفترة طويلة من أبرز الدول الأوروبية المصدرة للمهاجرين، قد سجَّلت في أغلب الأحيان ارتفاعا في أعداد المهاجرين الوافدين في مقابل المهاجرين النازحين. أما تيارات الهجرة القادمة من غيرها من الدول الأوروبية، والتي احتلت أيضا مكانة كبيرة بوصفها دولا مصدرة للمهاجرين عبر الأطلسي، كإيطاليا وأسبانيا والبرتغال واليونان، فقد اتجهت في الأساس إلى أسواق العمل المتنامية في الدول الصناعية بشمال وغرب ووسط أوروبا.

ظلت أوروبا لفترة طويلة وجهة منسية بين غيرها من القارات، على الرغم من كونها الجهة الفاعلة الرئيسية في مجال التوسع الاستعماري والمُصَدِّر الرئيسي للمهاجرين إلى أمريكا وأفريقيا وآسيا والمنطقة الواقعة جنوب المحيط الهادي. وفي بريطانيا العظمى، مركز أعظم إمبراطوريات العالم، ارتفعت أعداد الأفارقة والأسيويين في أعقاب التوسع الاستعماري ما بين القرنين الـ ١٧ والـ ١٩، إلا أنها ظلت محدودة نسبيا. إذ نمت أعداد النازحين من المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى والمقيمين في بريطانيا العظمى لتصل في عام ١٧٧٠ إلى نحو ١٠٫٠٠٠ شخص، نصفهم يقيم في لندن وحدها. بينما استقرت أعدادا أقل من النازحين الأجانب في المناطق الأوروبية الأخرى. وهذا ما تغير تدريجيا في غضون العقدين السابقين للحرب العالمية الأولى، حيث نما حجم السكان الأوروبيين ذوي الأصول الأجنبية نموا ملحوظا. وعلى عكس المعتقد في الكثير من الأحيان، لم تقتصر تلك الفئات المهاجرة بأي حال من الأحوال على المنتمين للطبقات السفلى في المناطق المستعمرة.

اعتمد المهاجرون الرواد على اكتساب المهارات الأكاديمية في سياق التوجهات الاستعمارية كأحد السبل الرئيسية للهجرة إلى أوروبا (قنوات الهجرة). واستند نجاح السيطرة الاستعمارية من الناحية الوظيفية بالكامل إلى وجود جهاز شامل من الموظفين الإداريين المحليين. تنامى هذا الحشد الهائل من المعاونين على نحو مطرد جنبا إلى جنب مع ازدياد كثافة السيطرة الاستعمارية منذ أواخر القرن الـ ١٩. وفي فترة ما بين الحربين وصل المزيد والمزيد من الموظفين الإداريين من أهل البلاد إلى قمة الإدارات الاستعمارية، مع العلم أن فئة ليست بقليلة منهم تلقت تعليمها في العواصم الأوروبية. وليس كل من هاجر من المناطق المستعمرة إلى أوروبا بدافع التأهيل والتعليم عاد إلى موطنه الأصلي مرة أخرى، بل ظل العديد منهم في أوروبا.

إن تصفية الاستعمار عقب الحرب العالمية الثانية لم يضع حدا لتيارات الهجرة القائمة على أسباب تعليمية وسياسية في المنطقة، فالعديد من القوى الاستعمارية السابقة كانت تنظر إلى حركات الهجرة القائمة على أسباب تعليمية والنازحة من الدول التي نالت في ذلك الوقت استقلالها رسميا، باعتبارها فرصة لربط الكوادر القيادية المستقبلية بالقوى الاستعمارية السابقة بهدف استغلالها في اكتساب نفوذ وسيطرة على قطاعات السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة في الدول المستقلَّة حديثا. تجدر الإشارة إلى أن الاتجاه إلى تأهيل الفئات المعاونة للحكم الاستعماري لم يفتح بابا أمام الهجرة إلى أوروبا فحسب بل تسبب بالأحرى في تطور أنماط محددة للهجرات التعليمية العالمية، لازال بعضها قائما حتى الآن وتنتهي في كثير من الأحيان بالإقامة الدائمة في أوروبا. فقد تبيَّن أن فرنسا ضمت في العام الأكاديمي ١٩٤٩/١٩٥٠ نحو ٢٠٠٠ طالب من المستعمرات الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وتضاعف هذا العدد في غضون ثلاث سنوات ليرتفع مرة أخرى إبان نهاية الخمسينيات ويبلغ نحو ٨٠٠٠ طالب، أي الضعف مجددا. بينما يُفتَرض أن حوالي عُشر مجموع طلبة وطالبات المدارس الثانوية الكائنة في تلك المناطق، قد تابع مساره التعليمي في فرنسا خلال فترة الخمسينيات. وفي إطار استمرار هذا التقليد ضمت الجامعات الفرنسية نحو ٣٠٫٠٠٠ طالب من المناطق الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى خلال العام الأكاديمي ٢٠٠٠/٢٠٠١، وهو ما يعادل نحو خُمْس مجموع الطلاب الأجانب المُدرَجين في تلك الجامعات آنذاك.

وتعتبر الملاحة واحدة من أقدم بوابات الهجرة الوافدة إلى أوروبا من خارج القارة. إذ أن ما شهدته الأساطيل التجارية الأوروبية من تطوُّر مطرد في إطار العولمة دفعها منذ نهاية القرن الـ ١٩ إلى استئجار المزيد والمزيد من الرجال الأسيويين والأفارقة لتولي المهام المجهدة بدنيا والمرهقة صحيا داخل عنابر السفن. وصل هؤلاء العمال إلى الموانئ الأوروبية، حيث تشكَّلت بؤر استيطانية صغيرة من الأفارقة والأسيويين. فنجد على سبيل المثال أن البحارة القادمين من غرب أفريقيا والتابعين لقبائل الكرو أصبحوا جزءا من سكان ليفربول ولندن وكارديف منذ أواخر القرن الـ ١٩، وظلُّوا حتى سبعينيات القرن العشرين مرتبطين بصناعة الملاحة. بدأت الأساطيل التجارية في استئجار وقَّادين من الهند البريطانية منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، ليصل عددهم بعد وقت قصير إلى بضع مئات يعملون في الموانئ البريطانية أو يتكسَّبون رزقهم بامتهان أعمال منخفضة الأجور في إطار صناعة الغزل والنسيج. وجاء البحارة الصينيون إلى لندن وهامبورغ وروتردام لمواصلة العمل في مجال النقل، أو اتجهوا إلى تأسيس أولى الحانات والمطاعم الصينية. علاوة على ذلك، جندت القوى الاستعمارية مجموعة ثالثة من الأسيويين والأفارقة والهنود الغربيين في ساحات المعارك الأوروبية إبان الحرين العالمية الأولى والثانية، من بينهم المهاجرين الأوائل إلى أوروبا، والذين استقر الآلاف منهم فيها بعد انتهاء القتال.

إلا أن الهجرة الجماعية الفعلية إلى القارة الأوروبية لم تبدأ إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، مدفوعة بتصفية الاستعمار في المقام الأول:.إذ أدى تصفية الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية إلى حدوث „هجرة جماعية مرتدة“ من المستعمرات الأوروبية إلى أوروبا مرة أخرى. وفي إطار تصفية الاستعمار تسنَّى للجهاز المعاون للحكم الاستعماري العودة إلى «موطنه الأصلي» السابق مرة أخرى، أولئك الموظفون الإداريون والجنود والضباط الذين ساندوا الحكم الاستعماري واعتبرهم السكان المحليون بمثابة رمزا للامساواة )السياسية( المتناهية في المجتمعات المستعمرة. إن انتهاء الإمبراطوريات الاستعمارية العالمية، لاسيما لهولندا (في أواخر أربعينيات القرن العشرين) وفرنسا (إبان خمسينيات وأوائل ستينيات القرن العشرين) والبرتغال (بداية سبعينيات القرن العشرين) حمل معه تيارات واسعة النطاق من اللجوء والتشريد. فقد استقبلت أوروبا فيما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية وعام ١٩٨٠ نحو خمسة إلى سبعة مليون «أوروبي» من المستعمرات (السابقة) في سياق تصفية الاستعمار، من بينهم فئة كبيرة لم تولد في أوروبا ولم تعش فيها من قبل.

وبعد انتهاء الحكم الاستعماري في الهند الصينية وبداية حرب الاستقلال الجزائرية عام ١٩٥٤ استقبلت فرنسا، على سبيل المثال، ١٫٨ مليون شخص في غضون عشر سنوات، ممن اجتثوا من جذورهم في سياق الصراعات الناجمة عن تصفية الاستعمار. إلا أن الهجرة الوافدة إلى البرتغال في سياق تصفية الاستعمار كانت أوسع نطاقا، وذلك فيما يتعلق بعدد السكان في «الموطن الأصلي». ابتداء من خريف ١٩٧٣ استقبلت البرتغال في غضون عام واحد نحو نصف مليون من الـ «ريتورنادوس» (Retornados) أو العائدين من المستعمرات البرتغالية السابقة في أفريقيا (موزمبيق وأنجولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وساو تومي وبرينسيب). واحتلت أنجولا رأس قائمة بلدان المنشأ. وفي منتصف السبعينيات بلغت نسبة المهاجرين العائدين نحو ستة في المئة من سكان البرتغال. جدير بالذكر أن حركات الهجرة المكثفة التي انطلقت في سياق تصفية الاستعمار الأوروبي كشفت عن مفارقة في تاريخ التوسع الأوروبي، إذ أثبتت أن حضور الامبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في العواصم الأوروبية كان أقوى عقب تصفية الاستعمار من ذي قبل.

كما استمرَّت أوروبا في استقبال تيارات واسعة من المهاجرين الوافدين من المناطق المستعمرة سابقا حتى بعد انتهاء الاستعمار، وهو ما يُعزى إلى وجود بوابات هجرة امتيازية قائمة على الصلات الوثيقة بين عواصم الاستعمار السابقة والدول التي مُنِحَت استقلالها والتي لا يزال بعضها قائما حتى الآن. وانطبق هذا على كبرى الدول الأوروبية المستقبلة للمهاجرين وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا العظمى وكذا على هولندا وبلجيكا. فمنذ صدور قانون الجنسية البريطانية في عام ١٩٤٨ منحت بريطانيا العظمى جميع سكان المستعمرات والكومنولث جنسية موحدة ومكَّنتهم من دخول أراضيها بحرية وكذا العمل فيها. إلا أن هذا النظام المفتوح أُلغِيَ تدريجيا بداية من ستينيات القرن العشرين.

وفي أواخر القرن الـ ١٩ وأوائل القرن الـ ٢٠ ارتفعت أعداد المهاجرين المتجهين من المناطق الأوروبية الأخرى إلى كبرى الدول الاقتصادية الأوروبية في سياق الثورة الصناعية والتحديث الزراعي. وتكررت مجددا انتقالات العمالة عبر الحدود ولكن على نطاق أوسع من ذي قبل وفي إطار نظام محدد من الهجرة، وذلك في ظل فترة إعادة البناء الاقتصادي التي امتدت على مدى العقود الثلاثة الأولى التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية وما صحبها من ارتفاع في معدلات النمو الاقتصادي والتوسع السريع في أسواق العمل. وتوجه معظم المهاجرين الوافدين من البلدان المطلة على البحر المتوسط نحو غرب ووسط وشمال أوروبا.

الموارد المالية كشرط من شروط الهجرة

تستند العولمة إلى تكثيف التفاعلات الاجتماعية والتواصل الشبكي بين البشر والمجتمعات والاقتصاديات والأنظمة الثقافية. وقد نجحت على مدى نصف الألفية الماضية في تغيير العالم على نحو جذري. إن تلك المناطق التي تسمح باستضافة مثل تلك العمليات الحيوية القائمة على التواصل الشبكي العالمي تعتبر في كثير من الأحيان مراكز مستقبلة لأنماط محددة من الهجرة؛ وذلك لأن الهجرة تعد عنصرا مكوِّنا لعمليات توطيد العلاقات والتفاعلات الاجتماعية وكذا دليلا على وجودها، بل هي جزء أساسي لا يتجزأ من التواصل الشبكي بين الأفراد والجماعات. من جهة أخرى تساهم الهجرات في عمليات التحول الناتجة عن العولمة، فقد غيَّرت من التركيبات السكانية وعدلت من الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والممارسات الدينية وأشكال التعبير الفني. إن دور الهجرة كعنصر أساسي من عناصر العولمة لم يقتصر على القرون الماضية فحسب، بل وامتد حتى الوقت الحاضر، وسيمتد على الأرجح في المستقبل أيضا. ولذا فإنه من غير المعقول أن نتصور أن معظم المهاجرين في القرون الماضية كانوا من الفقراء والمحتاجين في المقام الأول. طالما كانت الموارد المالية شرطا أساسيا لتنفيذ مشروعات الهجرة الفردية، وليس في الوقت الحاضر وحسب. إذ تعيَّن في الماضي أيضا تسديد الرسوم لدخول ومغادرة البلاد، إضافة إلى ضخامة نفقات السفر والانتقالات وعمولات الوكلاء والوسطاء (الباهظة) التي تم فرضها في معظم الأحيان. وقد واجه المهاجرون صعوبات في العثور على وظيفة فور وصولهم إلى البلاد، فاضطر البعض إلى اللجوء للاستثمارات الأولية، مما أدى إلى استهلاك المدخرات ليصبح اقتراض المال أمرا حتميا. وبالنسبة لأفقر الفقراء كان تحقق مثل هذا المشروع دربا من الأوهام. فقد أشارت دراسات لا حصر لها إلى أن الفقر قد قيد حركية الأفراد في الماضي إلى حد بعيد.

عكس تاريخ هجرات الجماعات (كالهجرة من أوروبا عبر المحيط الأطلسي في القرن الـ ١٩) في بعض أجزائه إقدام أجدادنا وقوة عزيمتهم، بينما تجلى الانفتاح والتسامح وبعد النظر في أجزاء من تاريخ الهجرات الوافدة (كهجرة المسيحيين الفرنسيين أو «بولنديي منطقة الرور»). إلا أنه نادرا ما تُعتَمَد مثل هذه الجوانب التاريخية في المعالجات الراهنة التي تتطرق لمفهوم الهجرة والمقصود بها. ويبقى هذا الجدل منحصرا في إطار منظور واحد يرى الهجرة كنتيجة للصراعات والكوارث والعجز، ويرى أن عواقبها تهدد الأمن والرخاء والتجانس الاجتماعي والثقافي. لتبدو الهجرة في النهاية وكأنها خطر يتطلب رعاية سياسية مشددة، وقائية وتتبعية على حد سواء. ولا يُنظَر عادة إلى تجارب الهجرة والنتائج العلمية )التاريخية( المتوفرة حول الهجرات المكتملة باعتبارها نبعا يفيض بالصفاء والهدوء الاجتماعي في إطار التطرق إلى قضية الهجرة.
يوخِن أولتمر من مواليد عام ١٩٦٥. يدرس التاريخ المعاصر بمعهد أبحاث الهجرة والدراسات المابين ثقافية (IMI) بجامعة أوسنابروك. أحدث إصداراته، كتاب Globale Migration.Geschichte und Gegenwart (الهجرة العالمية. تاريخها وحاضرها)

ترجمة: هبة شلبي

حقوق النشر: معهد غوته، فكر وفن
حزيران / يونيو 2016

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...