الثقافة والمناخ

عن كتابي "ذوبان جليدي"
رواية عن كوارث التغير المناخي

رغم أن التغير المناخي هو أحد مشاكل الحاضر الأكثر إلحاحا، إلا أنه لا يوجد إلا القليل جدا من المعالجات الأدبية لهذا الموضوع، ومن بينها رواية "ذوبان جليدي" للإيليا ترويانوف. في المقال التالي يشرح الكاتب أسباب اختياره لهذا الموضوع.

لا أستطيع أن أتذكر المرة الأولى التي واجهت فيها موضوعي "التغير المناخي" و "الاحتباس الحراري". تبدو لي هذه القضية مألوفة جدا وكأنها رافقتني طوال حياتي، إلا أن هذا لا يمكن أن يكون صحيحا. لا يمكن أن يزيد الأمر عن خمسة عشرا عاما. لكنني وقبل أن أسمع للمرة الأولى عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كنت قد شهدت التبعات الوحشية للتصحر. وكتبت أحد نصوصي الأولى تأثرا برحلة مدرسية إلى بحيرة توركانا بشمال كينيا. وكان عبارة عن مرثية مفعمة بالعاطفة عن الظلم النهائي والفقر المدقع وحمل عنوان: "حزن الأنهار الجافة."

رافقني منظر البشر المصابين بالهزال طوال أشهر لاحقة واحتجت لفترة حتى تمكنت من إزاحة هذا الشعور بالقلق العميق. وعندما حاولت تصور التبعات الملموسة لارتفاع درجة حرارة الأرض، تداعت إلى ذهني امرأة من شمال كينيا برزت عظامها من جلدها وتشبثت بذراعي فيما كانت تطلب مني بإلحاح ألا ابتعد قبل أن نتغلب سويا على الجفاف. ارتفاع الحرارة درجة أو درجتين وارتفاع مستوى المياه لستين أو ثمانين سنتيمترا، وأربعمئة وخمسون أو خمسمئة جزء من المليون من ثاني أكسيد الكربون المركز في الهواء ــ تنطوي مثل هذه القيم المقدرة استدلالا والمثيرة للجدل على سيناريوهات كارثية، لكنها لا تجعل هذا التهديد مرئيا. ولا تفجر الخيال. وبينما لا أستطيع ليومنا هذا نسيان المرأة المصابة بالهزال، يصعب علي أن أتذكر هذه التقديرات الكئيبة التي انتبهت لها مؤخرا بقوة في السنوات الأخيرة

جعل التهديد مرئيا

ربما لهذا كتبت رواية عن عالم متخصص في الكتل الجليدية، تذوب الكتلة الجليدية التي كان يراقبها ذات صيف حار. ويصاب باليأس والحيرة ويغرق في أزمة وجودية، ويصبح أكثر تشككا فيما يخص حضارتنا ويرفض أسلوبنا الاقتصادي وطريقة حياتنا وروحانيتنا. لكنه يجد سعادة مؤقتة في ذاك المكان الذي لم يكن مهددا (بعد) من الذوبان العظيم، إنها القارة القطبية الجنوبية. ثم يعمل عالم الكتل الجليدية السابق على ظهر سفينة ليشرح للسياح عجائب القارة القطبية الجنوبية. لكن بقدر شعوره بأن الطبيعة البكر للقارة القطبية الجنوبية قد أحيت روحه، بقدر ما يغمره الأسى لمعرفته بمصيرها، إذا ما حاول الإنسان تطويعها لأغراضه. تحاصره رؤى عن اغتصابها ونهبها، تولدت من تفاصيل صغيرة: سيجارة ألقاها جندي بين طيور البطريق، وعطب أصاب سفينة أخرى، وتصريحات متغطرسة طائشة من قِبل الركاب. فالقارة القطبية الجنوبية هي آخر أيكة مقدسة على الأرض ــ وتصور دمارها غير محتمل للباحث المتخصص في الكتل الجليدية. ولهذا يرى أن عليه أن يحول دون تدخل البشر في القارة القطبية الجنوبية.

عندما يقوم المرء بالبحث من أجل رواية، تتضح له بعض الأمور أكثر، ويعي بعضها الآخر لأول مرة. ومن ذلك أيضا أن القارة القطبية الجنوبية هي المنطقة الوحيدة في العالم المحمية بموجب اتفاقية دولية من الانتفاع الاقتصادي ومن حق السيطرة على أراضيها. وبينما تنتظر الدول المجاورة للمنطقة القطبية الشمالية بفارغ الصبر أن تستخرج ثرواتها المعدنية، فإن الاتفاقية الدولية الخاصة بالقارة القطبية الجنوبية مستمرة حتى عام 2048. وبينما يمكن حساب نهاية المنطقة القطبية الشمالية بشكل واقعي، لا يزال الحفاظ على القارة القطبية الجنوبية ممكنا. فالمنطقتان القطبيتان يمثلان حقا النقيضين المتنافرين تماما لعصرنا: ففي ناحية ثمة جليد موسمي، وفي الناحية الأخرى أرض صلبة، وفي ناحية ذوبان جليدي لا يتوقف وفي الناحية الأخرى غطاء جليدي على عمق أربعة آلاف متر، ثمة ناحية محكوم عليها بالفناء، أما الناحية الأخرى فمحمية بقدر معقول، ناحية تعد مرآة لقدرتنا على التدمير، والأخرى رمز لإلهامنا. باختصار: في الأعلى شر وفي الأسفل خيرـ في الأعلى جحيم وفي الأسفل جنة.

ذاكرة الأرض

ليست القارة القطبية الجنوبية مجرد مكان طبيعي رائع مكون من تشكيلات صخرية وجليدية ضاربة في القدم، ولا تجتازه سوى طيور هادئة ترسم رسائل خاطفة في السماء الأحادية اللون فحسب، وإنما تحتوي أيضا على مخزن ضخم للمياه الأكثر طزاجة والهواء الأنقى على سطح الأرض. كما أن الجليد هو ذاكرة الأرض. لقد تمكنت عمليات الحفر التي يجريها مشروع نواة الجليد الأوروبي في القارة القطبية الجنوبية من الوصول إلى عمق 900.000 عام.

وبامتداد الطريق لأسفل يصبح تاريخ كوكبنا مرئيا ويتضح بجلاء كيف طورنا خلال قرون قليلة قوة تدميرية لا يمكن أن تُوصف بشيء آخر سوى أنها مرضية. عندما يرى المرء القذارة في نهاية عمود النقاء الجليدي يشعر بأنه من الإهانة أن يكون المرء إنسانا. ويتساءل ما إذا كانت النزعة الإنسانية لا تزال كافية كمبدأ مثالي. لقد أنفقنا الكثير جدا من طاقتنا على إنقاذ الإنسان (أو على الأقل التخفيف من معاناته)، بحيث تحتم علينا الآن أن نتساءل كيف يمكن لنا أن نخلِّص الطبيعة.

لأنها لا تعاني من الفناء (مثلما يرد في رسالة بولس إلى مؤمني روما) بل من البشرية. ويتضح ذلك أيضا بجلاء في بثور الجدري التي استوطنها الإنسان على حافة القارة القطبية الجنوبية، إنها حطام محطات صيد الحيتان، معدات إبادة جماعية صدئة. حيثما يستقر الإنسان، لا يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى يتم إفناء الثروة الحيوانية القيّمة بواسطة الصناعة. قبل صيد الحيتان كان يتم سلخ عجول البحر الوبرية من أجل جلودها حتى انقرضت، ثم ثم قُتلت أفيال البحر وتم إحماء المدافئ بطيور البطريق لنقص الفحم، وعندما انقرضت أفيال البحر، كانت طيور البطريق تُغلى للحصول على زيوتها.

يتم الانتفاع بكل شيء ــ ينجح الإنسان الدؤوب باستمرار في أن يظهر للطبيعة مدى تعاملها المُتلف وغير المفيد مع مواردها. اختفت الحيتان، وخلت المحطات. هنا نجد في أحد الخلجان: القصة الحزينة للطمع والشطط الإنساني. ومن الحاسم أن نفهم أن صيادي الحيتان الذين قاموا خلال عام واحد بغلي نحو أربعين ألف حوت للحصول على زيوتها، لم يكن باستطاعتهم تخيل أنه لن تكون ثمة حيتان في يوم من الأيام. تماما كما يجادل كثيرون اليوم أيضا بأنهم لا يستطيعون إلحاق أي أذى بالأرض. يشرح جيرد دايموند في كتابه "إنهيار"، أن معظم الحضارات قد انهارت على مرأى من أهلها.

قد يشعر كثير من العلماء بقلق وجودي بسبب هذا التفاؤل الظاهري الضبابي الذي يشوب نظرتنا. فحتى وقت قريب كان السائد هو أنه لو حللنا المشكلة بشكل صحيح، فسنقوم بحلها. لو فهمنا كيف يعيش كائن ما، فيمكننا أن نبقيه على قيد الحياة. لم نكن نحتاج سوى لأدلة قاطعـة لكي نجعل العالم أفضل. لم يكن التقدم سوى مسألة مرتبطة بالعمل الدقيق. وكانت البيانات عبارة عن مخطط أولى للقرارات الصائبة. من ذا الذي لا يـزال يعتقـد في ذلك الآن؟ منـذ السـبعينات يـدور جدل حاد حول فرضية غايا: الكوكب كمنظومة تكافلية (والإنسان كفيروس).

وقد حملت الفرضية اسم الإلهة غايا (الأرض) التي كانت تُعبد في دلفي في الماضي كإلهة للمستقبل. لقد غرقت وسيطاتها في نشوة الإثيلين ــ واليوم تنتج صناعتنا الإثيلين بكميات هائلة، موجودة في ملابسنا وفي الأشياء التي نستخدمها يوميا، في أجسامنا، ونحن كمستهلكين مخدرين، ولذلك فقدنا القدرة على التنبؤ بما هم قادم. أحيانا تبدو الكتلة الجليدية مثل حوت لفظه البحر، وربما تكون النهاية الوشيكة للكتل الجليدية هي المجاز الأكثر تعبيرا عن القدرة التدميرية لأسلوبنا الاقتصادي الذي يدمر ما هو جوهري، لكي ينتج ما لا لزوم له.

لقد أشار أستاذ الجيولوجيا، الذي استقبلني مؤخرا في مكتبه المتواضع، إلى لقطات بالقمر الصناعي على شاشة حاسوبه تظهر نهاية كتلة جليدية. إنها لقطة مقبضة، فخلال أعوام قلائل تفقد الكتلة الجليدية بسرعة حجمها. ويظلم سطحها، يمتص الجليد أشعة الشمس ويذوب أكثر فأكثر، إنه تأثير قاتل يزداد مفعوله من تلقاء نفسه ويطلق عليه العلماء اسم تأثير الهروب (وربما بلغة أكثر شاعرية: نقطة اللاعودة). ثم تتفتت الكتلة الجليدية إلى قطع صغيرة. أوضح لي أستاذ الجيولوجيا السبب وراء عدم قدرتنا على توقع الكوارث. لا يوجد نموذج يمكنه حساب المجهول، وحساب التبعات العديدة التي قد تزيد من قوة عملية ارتفاع الحرارة، كالغازات الأخرى المسببة للاحتباس الحراري، التي ستنبعث جراء ذوبان الطبقة الجليدية. لا يوجد نموذج يأخذ تأثير الدومينو في حسبانه. بعض المدخلات البسيطة قد تقلب الأمور رأسا على عقب، كأن يسقط جبل جليدي فجأة، وبسببه لا يسمح لركاب سفينة سياحية بوطء أي جبل جليدي (لكن هذا المبدأ لا يسري على كل الكوكب).

وثمة مشكلة أخرى: كل حل موضعي يزيد من تشوش النظام أكثر فأكثر مما يقود إلى عدد لا نهائي من المفاجآت المحتملة. وإذا ما ترجمنا ذلك إلى لغة الأساطير فستعني نظرية التعقيد الحسابي أن أرضنا التي تخلخل توازنها عبارة عن متاهة، تقود فيها كل تفريعة طريق إلى دمار جديد. لقد تلاشى تفاؤلي أثناء سماعي لذلك. في المقابل، قال أستاذ الجيولوجيا، يدعي الساسة أن على المرء أن يفعل كذا حتى يحدث كذا، أي أن حل المشكلة يسير بشكل خطي. وكيف ستستمر الأمور من بعد؟ سألته أثناء الوداع. لا أعرف، قال الأستاذ بصوت هادئ وأضاف، حتى الآن وقعت أمور أسوأ بكثير مما توقعناه نحن المتخصصين. وليس ثمة ما يشير إلى أن شيئا سيتغير في هذا القانون.

فرصة البقاء الوحيدة: أقل بكثير

إلا لو تغيرنا، وهذه مهمة كبرى. معظمنا تربى على تصور الجنة والنار، الخطيئة والعقاب، الملائكة والشياطين. لدينا إطلاع جيد على سفر التكوين: "وباركهم الله وقال لهم اثمروا و كثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الارض". وإذا ما أفرغنا كل المحيطات من أسماكها وسممنا كل أراضي الزراعة، فعلام سنتسلط إذن؟ نحتاج لموقف جديد إزاء الطبيعة، ولقطيعة مع ألفي عام من طغيان المركزية البشرية. لكي نخلص البشرية، علينا نحن أن نُنزل الإنسان من عليائه. فمن المنظور التوحيدي الكلاسيكي تعتبر زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتزايدة دعما إلهيا للوصول للهدف الأخروي المنشود.

وإذا ما انشغل الإنسان بهذا الموضوع لمدة أطول، فإنه يفكر بهوس شخص متخصص ويحمل معه دائما معارفه التي لا تقبل أي مهادنة. ليس القليل بكثير، بل إن فرص البقاء هي الأقل بكثير. ليست أقل فقط بل وهي مختلفة أيضا، لأن الكوارث تترى بوتيرة أسرع مما كنا نظن ولأن الخطوات الصغيرة لن تكون كافية لن نتمكن من الحيلولة دون بعض الكوارث. ارتفاع درجة الحرارة كلمة لها وقع دافئ، لكن ترجمتها إلى الواقع الاجتماعي ستعني مزيدا من النزوح الجماعي والمجاعات الأسوأ والحروب الأكثر ضراوة. كل الأنظمة الحياة في طريقها للتقلص لأننا نفسد مجالها الحيوي. والمسؤول الرئيسي هو اقتصادنا القائم على مفهوم خذ ــ صنع ــ اتلف الذي يعمل بالطاقة الإحفورية. إن أمراض الرأسمالية هي الاستهلاك والإهلاك. والقوة الوحيدة في العالم الغنية والمتغلغلة بما يكفي والقادرة على تغيير هذا الوضع، هي القوة ذاتها المتسببة فيه. وهي لن تفعل ذلك، لذا فلا بد من التغلب عليها. وتلك هي مهمة عصرنا الكبرى.
إيليا ترويانوف
كاتب ألماني من أصل بلغاري، حققت روايته "جامع العوالم" نجاحا عالميا كبيرا وتُرجمت إلى عدة لغات منها العربية. صدرت له مؤخرا رواية "ذوبان جليدي.

ترجمة: أحمد فاروق
حقوق النشر: معهد جوته فكر وفن
حزيران/يونيو 2013
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة إصدار فكرٌ 99 "الثقافة والمناخ" على Smartphone أو Blackberry أو eReader الخاص بك! للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...