الثقافة والمناخ

نحن جميعا نجلس في قارب واحد
مقابلة مع كاظم هومايون

في مقابلة مع مدير التخطيط للوكالة الوطنية لحماية البيئة في أفغانستان (NAPA) سألناه عن الجهود الرسمية التي تُتخذ في أفغانستان من أجل حماية البيئة وما هي العقبات التي تواجه حُماة البيئة.

فكر وفن: هل من الممكن بداية أن تصف لنا الهيكل التنظيمي لدائرتكم وكم عدد الموظفين لديكم، وما هي الولايات التي تتواجد فيها فروع المنظمة؟

كاظم هومايون: بعد عام 2011 وقبل أن تنشأ الوكالة الوطنية لحماية البيئة كمؤسسة مستقلة، كان هناك قسم  مشابه له داخل وزارة الطاقة والمياه. في ذلك الوقت كان لدينا 200 موظف، وعندما أصبح القسم في عام 2005 مستقلا بذاته عن باقي الأقسام ارتفع عدد العاملين فيه إلى 400 موظف، وحاليا لدينا فروع لهذه المنظمة في جميع أنحاء الولايات الأفغانية البالغ عددها 34 ولاية، وقد وصل عدد الموظفين فيها جميعا إلى 850 موظفا.

ماهي مهمات الوكالة؟

أولاً يجب علي أن أذكر بأن الوكالة ليست هيئة تنفيذية. أما بالنسبة إلى المهام فهي تشمل التنسيق والتخطيط والإشراف. نحن نحاول وبطرق مختلفة رفع الوعي البيئي لدى المواطنين. كما نشارك أيضا في إعداد مشاريع وسن القوانين والأنظمة والخطط وأيضا نشارك في وضع قائمة الأولويات للمهمات. وأما على المستوى العالمي فقد انضممنا إلى اتفاقيات دولية عدة، البعض منها تم التوقيع عليها، والبعض الآخر لا زلنا على قائمة الترشيح.

ماذا حققتم حتى الآن عمليا؟

لا بد أن أقول بصراحة بأنه حتى الآن لم نستطع القيام بانجازات عملية تستحق الذكر وذلك بسبب الصعوبات على مستوى البلاد. نحن ما زلنا حديثي العهد في هذا المجال وعملنا إلى الآن كان بشكل رئيسي مقتصرا على صياغة تشريع القوانين، ولدينا انجازات بهذا الخصوص، فعلى سبيل المثال استطعنا أن نجعل بعض القوانين واللوائح ولأول مرة نافذة المفعول وذلك على مستوى البلاد، مثل قانون حماية البيئة.  وبالإضافة إلى هذا، لقد حددنا المواصفات والمقاييس للحد من التلوث البيئي المتعلق بموضوع محركات السيارات وحدود التلوث. هذه المعطيات وعلى أساسها يتم تحديد المخالفات البيئية. وبالتعاون مع وزارة الثقافة استطعنا أن نجعل "مادة  حماية البيئة" أن تكون من ضمن المنهاج الدراسي في المدارس لرفع مستوى الوعي البيئي لدى الطلاب. وقبل ثلاث سنوات نصحنا وزارة التعليم العالي أن يكون فرع "حماية البيئة" من ضمن برنامج التدريس في كلية الجيولوجيا بجامعة كابول بحيث يستطيع الطلاب أن يحصلوا في هذا الاختصاص على درجة البكالوريوس.  نصائحنا واستشاراتنا في هذا المجال كانت أبعد من ذلك بهدف أن يكون فرع "حماية البيئة" يُدرس أيضا في الجامعات الخاصة. نحن نحاول على مستوى الولايات أن نستفيد من قدرات تأثير رجال الدين وأئمة المساجد وذلك بتزويدهم بالمعلومات العامة عن البيئة، ولهذه الغاية ننظم اجتماعات ولقاءات معهم. وهكذا نكون قد بذلنا جهدنا في التأثير تدريجيا بشكل ملموس ونأمل أن نتمكن من رؤية نتائجها  قريبا.
 
لماذا يتدهور الوضع البيئي في أفغانستان باستمرار؟

هناك عدة أسباب وعوامل مختلفة التي تقوم على تدمير البيئة، مثل: النمو الضخم في عدد سكان المدن، وارتفاع نسبة الولادة، وانتشار الفقر، وتقلص الطبقة الوسطى، التي هي من الممكن أن تكون الداعم الأكبر لحماية البيئة والديمقراطية والحريات المدنية. والفقراء يشعرون بأنهم مجبرون على قطع الأشجار من أمام منازلهم لتدفئة بيوتهم. وعدم وجود البنية التحتية، وعدم وجود ثقافة الاستخدام السليم للموارد الطبيعية بيئيا، والتصحر واختفاء الغابات على نطاق واسع، حتى الآن كما نعلم بأن 55% من الغابات في ولايات كونار، ونورستان، ننجرهار قد اختفت منذ عام 1979، وتآكل التربة، وأخيرا الاهمال وعدم اكتراث الحكومة. حتى الآن كان اهتمام الحكومة الأفغانية بالبيئة ضعيفا، لأن مسألة البيئة ليست على قائمة أولوياتها. فبعض النصوص القانونية تشير فقط إلى الدور الحيوي للبيئة، الذي له علاقة مباشرة على حياة الناس.  للأسف إن هذا الاهتمام محدود ومكتوب على الورق فقط. فعلى سبيل المثال، خصص لميزانية الوكالة هذا العام 870.000 دولار أمريكي، بينما ميزانية الحرس الرئاسي هي أكثر منها بـ 80 مرة. ومن هنا بإمكانك أن تعرف مدى اهتمام الحكومة الأفغانية بموضوع البيئة.

ما هي الأسباب وراء عدم اهتمام الحكومة؟

السبب الأول يرجع إلى النقاش اللانهائي للحكومة مع الشركاء في الداخل والخارج. والسبب الثاني هو أن بعض كبار المسؤولين في الحكومة أرسلوا عائلاتهم إلى الخارج ليلتحقوا بها بعد أن تنتهي فترة ولايتهم في الحكم. هذا يعني أنهم لن يهتموا ببيئة البلد ولا حتى بمجرد التفكير فيها.

كيف ترون المصالح الدولية؟

التغيرات المناخية والبيئية هي أفضل مثال على "القرية العالمية"، لأن قطع أخشاب الغابات في منطقة ما يؤثر أيضا بشكل سلبي على مناطق أخرى. وهكذا نجد أنفسنا جميعا في قارب واحد.  لقد علمنا من خلال لقاءاتنا مع ممثلي المنظمات الدولية، أن معظمهم تهمهم القضايا الدولية المشتركة مثل موضوع التلوث البيئي وتآكل طبقة الأوزون في الغلاف الجوي. المجتمع الدولي مهتم بتفاصيل المشاكل المحلية لبلد ما، مثل تلوث المياه الجوفية وازدياد النفايات الصناعية والبلدية.  من خلال عضويتنا في بعض الاتفاقيات والمعاهدات الدولية نتعرف على واجبات المجتمع الدولي وخاصة لمجموعة العشرين (G20) ، كما نحاول أن نستفيد منها من أجل تحسين بيئتنا. على سبيل المثال: حصلت فيتنام في عام 2009 على 970 مليون دولار أمريكي من أموال لإعادة إحياء التربة الملوثة لديها. نحن لدينا الامكانية والقدرة للحصول على أكثر من 19 مليار دولار أمريكي وخاصة أن آثار تغير المناخ واضحة في منطقة آسيا الوسطى.

كيف يمكنك أن ترى اهتمام وتعاون السكان؟ هل حدثت تغيرات في سلوك السكان في السنوات الأخيرة؟

نعم، لقد نجحنا على الأقل في توجيه اهتمام السكان ووسائل الإعلام إلى هذه المشكلة ومنحهم الوعي. نحن نعلم أن الدول المتقدمة تبذل على الأقل 50% من جهودها لرفع مستوى الوعي العام.  فيما يتعلق بالوكالة الوطنية لحماية البيئة يجب أن أقول بأننا نركز 70% إلى 75% من جهودنا على هذا الموضوع.     تتوجه جهودنا على تعليم الناس وإيقاظ حسهم بمسائل البيئة، لكي يستطيعوا في الانتخابات الرئاسية المقبلة أن يعطوا صوتهم الانتخابي لمرشح  يقدم لهم برنامجا خاصا للبيئة، كما يقال رؤية خضراء للأشياء. أنا أعتقد أن الوضع سيستمر في التدهور طالما موضوع حماية البيئة لا يجد له مدخلا إلى عالم السياسة.   نحن نريد أن نوقظ الناس حتى يستطيعون الدفاع عن حقوقهم ولكي يستطيعوا الضغط على الحكومات والأحزاب. هناك مثال واضح على هذا التحول في الوعي هو هزيمة الرئيس الفرنسي جاك شيراك أمام الاشتراكيين أثناء الانتخابات الرئاسية وذلك عندما قطع شجرة أمام مجلس المدينة في باريس، وبسبب هذا التصرف شُتم الرئيس شيراك  ووصف بأنه إرهابي ضد البيئة. ولهذا أنا متفاءل في المستقبل.

بما أن الوكالة ليست هيئة تنفيذية، إذن كيف يتم التعاون والتنسيق لتحقيق برنامجكم مع الهيئة التنفيذية؟

في بعض الأحيان تكون الجهات الحكومية حجرة عثرة في طريقنا. وخاصة وزارة المالية تنتقد باستمرار ميزانيتنا الصغيرة وتحاول تقييدها، في حين سنويا يصرف الملايين من الدولارت على أثاث مكاتبها، نحن نلاقي صعوبات في فرض خططنا الخضراء الإنسانية والإسلامية، والتي هي دائما عرضة للسؤال. في ظل هذه الظروف شكلنا لجنة التنسيق البيئي في العاصمة وأعضاؤها هم من رؤساء التخطيط من جميع الوزارات والمنظمات الحكومية ويشاركون في الاجتماعات الشهرية.  نحن نسمح لهم بالمشاركة في التخطيط وإبداء الرأي ونطلب منهم أن يراعوا مواقفنا الخضراء في برامجهم على المدى البعيد أو القريب.

إلى جانب هذا شكلنا لجنة  تحت اسم "لجنة لمنع تلوث الهواء" تتألف من جميع نواب الوزراء ورئيس مكتب المعايير الصناعية ومحافظ مدينة كابول، وممثلي المجتمعات المدنية والنقابات  في أفغانستان. جميع أعضاء اللجنة يجتمعون شهريا لمناقشة السبل والوسائل للحد من تلوث الهواء في كابول، لأن الناس قلقون لحد كبير من زيادة تلوث الهواء في كابول.  وإذا تركنا هذه المهام للوزارات فإنها سوف لا تلقى أية اهتمام منهم. الشيء الوحيد الذي يمكننا القيام به هو إبلاغ مجلس الوزارة بتلك المهام حتى تقوم بإصدار القرارات الضرورية. فقط إلى هذا الحد نستطيع التأثير وما تعدى ذلك لا نستطيع فعل شيء. مرة تقدمنا باقتراح لتشكيل "قوة شرطة لحماية البيئة" من أجل تنفيذ البرامج البيئية ومن أجل منع تدهور البيئة. هذا الاقتراح رفض من قبل وزارة الداخلية بحجة أن جميع المؤسسات ستقوم بعد ذلك بتقديم طلباتها من أجل تشكيل شرطة خاصة بها.

هل تتوفر لديكم الامكانيات والمعدات الضرورية؟

نحن طلبنا ستة أجهزة قياس لمراقبة تلوث الهواء، لكن إلى الآن لم نحصل سوى على جهاز قياس واحد فقط ويتم استخدامه في مدينة كابول. ولا نملك على أجهزة أخرى لقياس التأثيرات البيئية الأخرى مثل تلوث المياه أو لقياس درجة الضوضاء.

ما هي أكبر مخاوفكم بالنسبة إلى مستقبل المناطق الطبيعية الأفغانية؟

للأسف الشديد تلوث الهواء هو قلقنا الأكبر. فكمية الجسيمات الضارة هي أكبر بسبع مرات من معدل المتوسط العالمي وبمعدل ثلاثة أضعاف مقارنة مع بلدان المنطقة. ووفقا لدراسة مشتركة للبنك التنموي الآسيوي فإن كمية الجسيمات الخطيرة المتواجدة في الهواء تجاوزت الخط الأحمر وتعتبر من بين الأسباب المتعددة لأمراض الرئة بما في ذلك سرطان الرئة. نحن قلقون بسبب الوقود ذي النوعية الرخيصة التي تحتوي على مادة الرصاص المسببة لتلوث الهواء والمياه، وكل هذا بسبب البيروقراطية والفساد المنتشرين في البلاد.

ما هي  التدابير التي قمتم بها فيما يتعلق بالتنقيب واستخراج الاحتياطيات الطبيعية والتلوث الصناعي؟

للأسف إن التعدين يزيد من تدهور البيئة بدءا من التنقيب وحتى يتم استخراج المعادن من باطن الأرض. من خلال تجارب دول أخرى يتبين لنا أنها أحيانا تنفق على التدابير البيئية لاستخراج المعادن أكثر مما يدر المنجم عليها من  أرباح. نحن أبلغنا وزارة الصناعة والمناجم مخاوفنا هذه، والوزارة كانت على علم بالمشكلة وقامت بانشاء قسم خاص لمواجهة تلك التحديات. وقد قام ممثلونا بقراءة عقود التنقيب قبل أن يتم التوقيع عليها وقدموا اقتراحاتهم اللازمة، وهذا بحد ذاته خطوة إيجابية. وعلى الرغم من ذلك فإننا نعتبر بأن الفساد المنتشر في المؤسسات الحكومية هو التحدي الأكبر لنا والذي من الممكن أن يحبط كل جهودنا.
تقي أخلاقي
كاتب وصحفي أفغاني يعيش في كابول.

ترجمة: م. أمين المهتدي
حقوق النشر: معهد جوته فكر وفن
حزيران/يونيو 2013
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة إصدار فكرٌ 99 "الثقافة والمناخ" على Smartphone أو Blackberry أو eReader الخاص بك! للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...