الصراع على دور الجنس

طائفة الخصري: الجنس الثالث في باكستان
تجاوز لحدود الهوية الجنسية كبلته الحداثة

غوغي، كبير الخصري، 1993. © Jürgen Frembgen >أتذكر أنني كنت جالسا ذات مرة في أحد أيام شهر نوفمبر/تشرين ثاني من عام 1989> > في باص مزين برسومات مبهرجة يسير عبر شوارع كراتشي، عندما صعد ثلاثة أشخاص نحاف وطويلي الشعر إلى الصف الخلفي للباص المخصص للرجال. كان الثلاثة يرتدون ملابس نسائية صارخة تتكون من قمصان وسراويل حريرية، إضافة إلى شال أبيض وأقراط ذهبية. أما قصة شعرهم فكانت على شكل ذيلي حصان طويلين مستعارين. ولمعت جوهم بفضل مساحيق التجميل الكثيفة، وذلك على خلاف الراكبات الجالسات في الصف الأمامي للباص المخصص للنساء. أصواتهم كانت قوية وخشنة بشكل لافت للنظر، وفي الوقت نفسه كانت عالية النبرة وتحمل ترخيمة نسائية. وقف أحدهم بالقرب مني، فلاحظت آثار لحية نابتة، لكني لاحظت أيضا خطوط شدادة الصدر، كما لاحظت استخدامه لأظافر مصقولة ومطلية ووضعه رموشا صناعية. ثلاثتهم كانوا يرتدون ساعات يد ضخمة من ذلك النوع الذي يفضله الرجال. أحد الركاب شاكسهم قائلا: “لماذا لا تركبون في قسم السيدات في الأمام؟” فردوا عليه بدلال قائلين "لكنك أكثر جمالا". واستمر الضحك والأحاديث الجانبية والإيماءات النسائية المبالغ فيها حتى ترجل الثلاثة من الباص ونزلوا في مركز المدينة.

كان هذا أول لقاء لي مع الأشخاص الملتبسي الهوية الجنسية والمعروفين على نطاق واسع في باكستان باسم خصري khusre (المفرد خصرا khusra ) وهو مصطلح بنجابي، أو باسم هجري hijre (المفرد هجرا hijra ) وهي الكلمة المستخدمة عادة في اللغة الأوردية والهندية عبر جنوب آسيا. إضافة إلى ذلك يعرفون باسم خواجه سارة khwaja sara لأنهم كانوا جزءا من البلاط المغولي. جماعة الخصري تتألف عادةً من أفراد يصنفون استسهالا على أنهم إما متشبهين بالنساء، أو خصي، أو من قاموا بتغيير جنسهم، أو خنثويين؛ أي باختصار كل من لا تتطابق هويته الجنسية مع الإمكانيتين الوحيدتين للهوية الجنسية في المجتمعات الانجلو أوروبية ومستعمراتها: الذكر والأنثى.

في كتابها الرائد "لا رجل ولا امرأة” تشدد سيرينه نانده على أن ظاهرة الهجري تشكل "مغناطيسا يجذب أفرادا لديهم أشكال كثيرة من السلوك والخواص والهويات العابرة للجنس.” وبخلاف عدد محدود نسبيا من الخنثويين الذين ولدوا بأعضاء جنسية مذكرة ومؤنثة معا، فإن فرد جماعة الخصري التقليدي يولد كذكر ويسلك سلوك الأنثى ويلبس ملابسها.وكثيرا ما يوصف هؤلاء الأفراد بأن لديهم "عقل امرأة مسجون في جسد رجل”، لكن من المناسب أكثر القول بأن هويتهم الجنسية ليست مذكرة ولا مؤنثة. ومن أجل التنظير في هذا المجال يستخدم علماء الإنسان فكرة الأجناس المتعددة أو فئة الجنس الثالث. والأخيرة ليست فئة حديثة كما يعتقد بعض الدارسين، بل يمكن تقصي آثارها حتى العصر الفيديكي المتأخر في الهند (من القرن الثامن حتى السادس قبل الميلاد). لذلك تشير نصوص السانسكريتية القديمة إلى ما يدعى trtiya prakti أي الجنس الثالث أو الطبيعة الثالثة، للحديث عن الكليباس klibas الذين رفضوا لعب دور الرجال، وعوضا عن ذلك فضلوا الرقص وارتداء ملابس النساء وزينتهم، أي باختصار السلوك مسلك النساء. بالنسبة للمجتمع الهندي القديم كان إحجام هؤلاء الأفراد عن الإنجاب وعزوفهم عن النساء أمرا ذي أهمية حاسمة. ويمكن القول أن أحفادهم اليوم هم جماعتا الخصري والهجري المعاصرتان، واللذان يخرقان على نحو مشابه الحدود الجنسية الموضوعة من قبل المجتمع. كلا الجماعتين وُصفا بأنهم "ذكور عابرون للجنس male transgenders ” أو "ذكور مؤنثون” بسبب طريقتهم في اللبس العابرة للجنس، لكني أفضل استخدام المصطلح المحلي من أجل الحفاظ على الثراء الطقسي والدلالات الأسطورية لجماعتي الخصري والهجري. إنهم يعيشون كجنس ثالث، tisri jins باللغة الأوردية، ومعترف بهويتهم بقرار من المحكمة الباكستانية العليا عام 2009 ، ليس بمعزل عن التركيبة الاجتماعية التقليدية التي تتكون من الذكر والأنثى، ولكن على خلفيتها ومن خلالها. ويقدر عددهم هذه الأيام في الهند بنحو 4 ملايين شخص، وفي باكستان بنحو 300 ألف شخص.

غوغي – طقوس الرقص

بعد شهور من لقائي بطائفة الهجري في كاراتشي قمتُ بزيارة إقليم باختونخوا الحدودي شمال غرب باكستان، وقادني فضولي إلى سوق غير معروفة في بيشاور تدعى دابغاري، وتقع في حي عتيق يضم بين جنباته موسيقيين وراقصات وأفراد من جماعة الخصري. ومن خلال حديثي مع بعض هؤلاء الفنانين علمتُ أن أفراد جماعة الخصري معروفون في المدينة بقيامهم بالغناء والرقص في الاحتفالات الاجتماعية مثل الاحتفال بمولد طفل أو طهوره، وخاصة الأعراس وحفلات الخطوبة. وعادةً ما تجمع أفراد الجماعة بعائلات المدينة شبكةُ علاقات قوية، فيتسنى لهم الاطلاع على مواعيد الاحتفالات السعيدة ومعرفة من يحتفل بها. وبالإضافة إلى تلك الاحتفالات التقليدية العابرة يُدعى الخصري أيضا لحضور حفلات مخصصة للرجال فقط.

نصحني ميرو كبير الخصري في سوق دابغري بزيارة هيرا ماندي أو سوق الماس في لاهور، والذي يعد أهم أماكن لقاء "الجنس الثالث" في باكستان. ومن أجل التعرف على المزيد من المعلومات حول أهمية الدور الثقافي للخصري والدلالة الجنسية لجماعتهم قررت أن أسافر إلى لاهور في ابريل نيسان 1992 بمرافقة زوجتي. هناك في قلب البنجاب تدعى هذه الطائفة بالخصري.

في لاهور عرفني أحد صناع الأدوات الموسيقية، الذي قابلته سابقا لدراسة صناعته، عرفني إلى جيرانه في الطابق الأعلى، وهما غوغي كبير الخصري في هذا البيت، وكان في الثلاثينيات من عمره، وماهواش مريدها المقرب، وهو شاب خجول يرتدي ملابس النساء ويعمل كخادم، فيقوم بأعمال التنظيف والطبخ وغيرها من المهمات. ثلاثتهم كانوا يمضغون التنبول، وهي مضغة منبهة تصنع من نبتة التنبول ومنتشرة في مناطق جنوب شرق آسيا. الشقة كانت مكونة من غرفة واحدة، ورأيت بعض الدجاجات تخطو برشاقة على أرضيتها. في الركن تقبع ثلاجة، وبجوارها على الحائط عُلقت مرآة ووُضع جهاز تليفزيون على خزانة. وزينت الحائط صورٌ لغوغي وهي ترتدي ثيابا أنثوية مغرية ومبهرة، وروت لنا أنها قامت ببعض الأدوار الصغيرة في أفلام بنجابية. وبجانب ملصقين لمكة المكرمة والمدينة المنورة وُضعت صورة أيقونية تظهر ضريح المتصوف الشهير لال شهباز قلندر، "صديق لله” الذي مجّده برقص صوفي منتشي وروح ثملة، فأصبح عرّاب الفنانين ونصيرهم. وبعد تبادل التحيات أحاطت ماهواش زوجتي بشال مطرز باللون الذهبي مؤكدةً أنها بهذه الطريقة تصبح أختها. بعد ذلك جلسنا لشرب الشاي وبدأنا نثرثر حول حياتهم في هيرا ماندي وخاصة رقصاتهم الطقسية.

بصوت عالي النبرة ودقات قوية من يديها شرحت غوغي طريقة الخصري المميزة في أداء أغانيهم التي تقال في الأعراس وتذكر عادةً العريس والعروس بواجباتهم الزوجية. وتتميز أغاني الخصوبة تلك بفظاظتها واحتوائها على الكثير من التلميحات الجنسية. وأضافت غوغي أنهم بجانب تلك الأغاني يسلون مشاهديهم بأداء أغانٍ من أفلام عاطفية. الغناء والتصفيق عند الخصري يكونان مصحوبان عادةً بطبلة صغيرة. وفي حالة الاحتفال بمولد طفل يقومون بتعرية عضوه الذكري ليراه الجميع. ثم أوضحت غوغي أن جماعتها يقومون بإحياء كافة أنواع الاحتفالات العائلية وغيرها من المناسبات السعيدة لضمان الخصوبة والفأل الحسن، كذلك يقوم الخصري بالمشاركة في الاحتفالات الخاصة ببناء بيت جديد أو افتتاح محل جديد، حتى لو لم يدْعُهم أحد. وإذا جرؤ أحدهم على صرفهم دون منحهم نقودا يقومون بلعنه، ما يعد فألاً سيئاً في مثل تلك المناسبات الميمونة. لذلك يُعتقد على نطاق واسع أن الخصري لديهم قوى مقدسة، ليس فقط بين المسلمين في باكستان وإنما أيضا بين الهندوس والسيخ وغيرهم من أتباع الديانات في جنوب آسيا. وتقوم طائفة الخصري بدور يحظى بقبول المجتمع من خلال منحها البركات والخصوبة والشفاء. ولا تزال الأمهات يصطحبن أبنائهم المرضى في كثير من الأحيان إلى الخصري من أجل الحصول على الشفاء الروحي. من ناحية أخرى فإن طائفة الخصري مهابة الجانب بسبب مقدرتها على استنزال اللعنات وجلب الشؤم والنحس. هذا الجوانب المتعارضة لطائفة الخصري لا تتصارع وإنما تتكامل، وفقاً لعالمة النفس الباكستانية دورا أحمد المتأثرة بمدرسة عالم النفس السويسري كارل يونغ، كما أنها تكشف عن القدرة على التصالح والشفاء المجسدة في مثال متعالٍ متعادل الجنس(ذكر وأنثى في الوقت نفسه) ويحتضن الكل، كالإله الإغريقي هرمس. وهي ترى أن طائفة الخصري تشكل رمزا أسطوريا يجسد الوحدة في التعدد، على خلاف بطل الحداثة الذكوري على وجه الحصر.

وعلى أي حال فإن الجسد يلعب دورا مركزيا في بناء هوية "الجنس الثالث"، خصوصا بسبب تبني طريقة النساء في اللبس والزينة. لذلك تكمل غوغي حديثها موضحة أن جماعتها تبدأ بعد ظهر كل يوم بارتداء الملابس، والبحث في مجوهراتهم عن الحلي المناسبة ووضع مساحيق الزينة. وتضيف أن البعض يضع مسحوقا على صدورهم تسهل ضغطها بحيث تبدو كأثداء أنثوية صغيرة. وجميع أفراد الخصري الذين تحدثت معهم عبر السنين عبّروا عن رغبتهم في الحصول على رمز الأنوثة ذلك(الثدي). الكثير منهم حاول أن ينحت جسدا أنثويا خاصا به عن طريق الإفراط في الطعام، أو حقن الذات بهرمونات أنثوية. ومن أجل خياطة ملابسهم يلجأ الخصري كما توضح غوغي إلى القيام بزيارة دورية لخياط خاص يدعى "جوجو دارزي” يعيش في حي آخر من لاهور. ومن حين لآخر تزور غوغي مركز تجميل بالجوار. بعدها تذهب هي وأصدقاؤها لإحياء ليلة متفق عليها، حيث يقومون بالرقص على طريقة الديسكو أمام جمهور من الرجال. مثل هذه الحفلات يقومون بإحيائها ثلاث إلى أربع مرات في الأسبوع. سألتها إذا ما كانوا يرتدين الملابس المبهرجة واللامعة عندما ينزلن إلى السوق لجمع الصدقات، فنفت موضحة أنهم يقمن بهذه الجولة اليومية في السوق مرتدين ملابس نسائية عادية، وأن المبالغ المالية الصغيرة التي يحصلن عليها من التجار ليست صدقات وإنما استحقاقات (vadhai ) من حقهن المطالبة لها. وأضافت أنهن يغطين أنفسهن خلال شهر رمضان كما تفعل النساء.

وأكدت غوغي أن هناك طقسا يؤدَى للترحيب بكل عضو جديد تتم الموافقة على انضمامه للجماعة، حيث يرتدي العضو الجديد ملابس نسائية ويجلس في صحبة عدد كبير من أفراد الخصري، ثم يقوم كبيرهم بثقب فتحة الأنف اليسرى للعضو الجديد ووضع خيط أسود خلالها. بعدها يقدم الحضور هداياهم على شكل أوشحة وأموال من أجل شراء الأساور.

الخصري طبقة اجتماعية متكاملة

تشكل طائفة الخصري طبقة اجتماعية متكاملة يتطلب الانضمام إليها أداء طقسي، فالمنضم الجديد يترك أسرته ويقطع صلاته بطبقته البنجابية الأصلية، ويعيش في كنف صاحب أحد بيوت الطائفة، كما يطلق عليه اسم جديد، وفي بعض الحالات يتم تدشين الانضمام بعملية خصي تدعى "نيرفان nirvan ” لإزالة العضو التناسلي الذكري. الخصري يعتبرون فعل الخصي هو قتل "للنفس الدنيا" أو "الروح الحيوانية"، وهي من مصطلحات الصوفية التي تشكل رافدا قويا لمعتقدات أفراد "الجنس الثالث” من المسلمين. الأفلام الوثائقية التي تدور حول الهند تركز على إظهار تفاصيل عملية الخصي الخطيرة، وتقوم بالتلصص عندما يخصي شيخ من شيوخ الخصري عضوا جديدا بسكين حادة، ويعالج الجرح بزيت مغلي وأعشاب لتجنب الالتهاب. لكن هذه العمليات تجرى اليوم في الهند وباكستان تحت إشراف طبي في المستشفيات. وقد سمعتُ عن شعيرة أقل إثارة لانضمام عضو جديد للخصري تُجرى في سوق دابغري ببيشاور، حيث يتم إيلاج قضيب خشبي مغموس في الزيت في المريد من خلال إجلاسه عليه.

قبل سنوات عرفت أن غوغي لم تخصِ نفسها، وأن لديها طفل، كما أنها أطلقت لحيتها مرة أخرى. وهذا يُظهر أن الهوية الاجتماعية الجديدة المكتسبة أكثر أهمية من طقوس الخصي. وطائفة الخصري في باكستان تعي نفسها كطبقة مميزة لها هوية خاصة. وتنقسم طبقتهم إلى جماعات ووحدات أصغر أو شرائح تحمل أسماء الأحياء التي تستقر فيها، أو أحد الرواد القدماء، ولكل شريحة منزلة مختلفة في الطبقة. لكن على خلاف باقي الطبقات البنجابية فإن طبقة الخصري تفتقر القرابة بين شرائحها إلى شجرة نسب واضحة، لذلك فبإمكان الأفراد والوحدات الصغيرة تغيير ولاءاتهم والانضمام إلى بيت آخر يحكمه كبير آخر. وكبير البيت هو الراعي الروحي والاقتصادي لمريديه، الذين يتراوح عددهم بين خمسة وستة مريدين، لكن في بعض الأحيان يكون عددهم أقل، ويعيش جميعهم في كنف كبير البيت، بعد أن يُمنحوا عادة أسماء نسائية لعوبة مثل آشي وبوبي وجوشي وانمول. أما كبير البيت فهو وحده من يقوم باتخاذ القرارات وحل النزاعات بين أفراد البيت. وطبقا لتقاليد الخصري يتعين على الأفراد منح كبيرهم ثلث دخلهم، إضافة إلى تقديم الهدايا على شاكلة مجوهرات أو حلوى. العلاقات بين بيوت الخصري وغيرها من المواضيع السياسية يتم النظر فيها وتنظيمها خلال مجالس يترأسها كبير الطائفة أو chaudhry guru . وتتفاوت منزلة كبراء بيوت الطائفة وفق عدد مريديهم وجمالهم. ويتعين على كبير الطائفة أن يحج إلى مكة، بعدها يرتدي الملابس البيضاء فقط، أو على الأقل الملابس ذات الألوان الهادئة. وعندما يموت كبير أحد البيوت يخلفه أكبر مريديه في البيت، ويقوم بدعوة جميع أفراد الخصري في لاهور لمدة ثلاثة أيام احتفالا بأربعينية الميت.

وفيما يتعلق بمساعي ضم أفراد جدد للطائفة فإن بعض الإشاعات وبعض الأعمال الأدبية الكولونيالية تذكر أن الطائفة تطالب بالأطفال ذوي الأعضاء التناسلية المشوهة أو الضامرة. لكن وفقا لرأي آخر فإن الآباء يقومون بأنفسهم بتسليم هؤلاء إلى الطائفة. على أي حال فإن ما سمعته من بعض الخصري الشباب هو أن ما جذبهم إلى الطائفة هو طريقة حياتها المميزة بما تتضمنه من التزيي بملابس النساء وتقديس ما هو أنثوي.

وأفراد الخصري ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم زاهدين أو فقراء (faqir ). ووفقا لما أوضحه عالم الإنسان غيورغ بفيفر فإن "الخصري ضحوا بإشباعهم الجنسي وخصوبتهم من أجل الآخرين. لذلك فهم قاموا بتخصيب الآخرين. ومن أجل هذا السبب فهم فأل خير استثنائي.” ولذلك فيمكن فهم ماهية طائفة الخصري على أنها تضحية، حيث قدموا حياتهم الجنسية إلى العالم في سبيل الله ومن أجل خدمة الإنسانية. ذلك الملمح من الهوية وتقديم الذات ظهرا واضحين لي عندما التقيت برجل متقدم في السن من الخصري، منعه سنه من المشاركة في الرقص والغناء، فأخذ يمارس حياة التقشف من خلال التسول. فعندما يكبر أفراد الخصري في العمر ويفقدون جاذبيتهم، فإن معظمهم يعيش في ظروف معيشية بائسة، وقليل منهم فقط ينجح في الوصول إلى منصب كبير البيت. لذلك يضطرون للعمل كخدم لأفراد الخصري الآخرين. والمحظوظين منهم يجدون عملا منزليا لدى عائلات الطبقة العليا في باكستان.

نيلي - الخادمة المخلصة

وينظر إلى طائفة الخصري في أقاليم باكستان المنبسطة عادةً على أنهم خدم وطهاة ماهرين، وفي الفترة الاستعمارية عملوا كطهاة في الجيش وبقي بعضهم في هذه المهنة في الأماكن العمومية. على سبيل المثال لا يزال كثيرون في مدينة ابوتاباد يتذكرون بولع صانع كباب من طائفة الخصري كان يبيع طعامه بجوار الطريق، واشتهر في فترة الستينيات بسبب طيب الكباب الذي يبيعه. وبالمثل تؤكد العائلات على إخلاص وصدق خدم الخصري الذين يعملون في كنفهم.

نيلي، 2010. © Jürgen Frembgen انضمت نيلي إلى بيت مضيفي في لاهور حيث تعمل كخادمة منذ 15 عاما. والآن هي في أوائل أربعينياتها. ولا تزال نشأتها في بلدة جانج الواقعة في قلب البنجاب لا تجعلها مرتاحة في المدن الكبيرة. عملها المخلص والدؤوب جعلها محل ثقة ربة المنزل. من حين لآخر يستبد الشوق بنيلي فتنضم إلى أصدقائها من الخصري لتختفي لأيام أو أسابيع قبل أن تعود إلى البيت نادمة. وعادة ما ترتدي نيلي بنطالا وقميصا عاديين كما يفعل  الرجل الباكستاني العادي، لكن شعرها أطول قليلا من المعتاد، وترتدي ملابس النساء في المناسبات من أجل تسلية الضيوف. عندها تبتهج وهي ترقص وتحاكي حركات بطلات أفلام السينما الهندية.

التهميش من خلال الحداثة

استمرت طائفة الخصري في القيام بدورها الاجتماعي والطقسي لقرون حتى تسببت الحداثة في إحداث خلل أدى أخيرا إلى خسارة جزئية لوضع الطائفة الرمزي. ففي باكستان اليوم المتزمتة والتي تزداد فيها سلطة الإسلاميين المتأثرين بالإرهاب الأخلاقي الوهابي، تقل دعوة الخصري إلى الاحتفالات العائلية كما كان الوضع عليه في السابق. مما اضطرهم للجوء إلى التسول وممارسة الدعارة، التي كانت دائما مصدرا سريا للدخل بالنسبة لهم. في كثير من الأحيان يتخذ تسولهم بجانب إشارات المرور أو الأسواق في لاهور أو كراتشي شكلا عدوانيا أو شريرا في بعض الحالات. والبعض يكسب قوته من خلال الرقص في "بئر الموت" بينما تحيطه الدرجات النارية المزمجرة والتي تسير على جدران البئر، وبئر الموت هو مهرجان يقام في الهند وتسير فيه الدراجات على جدران بئر كبيرة بسرعة كبيرة تمنعها من السقوط فيه. أفراد الخصري يتعرضون كثيرا للمضايقات وسوء المعاملة من قبل رجال الشرطة، ونادرا ما يحصلون على حقوقهم إذا وقعوا ضحية للاغتصاب أو غيره من الجرائم. وفي الآونة الأخيرة تعرض "الجنس الثالث"، الذي شكل جزءا من الثقافة التقليدية لجنوب آسيا منذ قديم الأزل، للإدانة من قبل ملالي الإسلام المتشدد. والنتيجة أنهم يعامَلون الآن بمزيد من الاحتقار ويتعرضون لهجمات عنيفة. ويسعى الإسلاميون إلى وصم الخصري اعتمادا على حديث نبوي يلعن المخنثين.

لكن بالرغم من إقصائهم إلى هامش المجتمع في عصر طالبان المظلم، فإن القوى المقدسة للخصري ما زالت قادرة على الوميض من حين لآخر عندما يجلبون الضحك والسعادة والبركة لمشاهديهم، لكن أيضا عندما يستنزلون اللعنات على أحد الأشخاص. وفي باكستان يستمر أفراد الخصري في الحج إلى مقامات أوليائهم المتصوفة مثل لال شاهباز قلندر وباري امام ومادو لال حسين وبول صالح وآخرين. وهناك يقومون بفخر برقصات مذهلة مؤرجحين فيها شعورهم الطويلة.

النشطاء الاجتماعيون من الخصري أمثال بنديه رانا من كراتشي التي أنشأت تحالف الجندر التفاعلي، أو ليلى ناز من لاهور التي أسست مؤسسة ساثي، يسعون في الوقت الحاضر لدعم موقع جماعتهم. من بين أهدافهم الرئيسية استخراج بطاقات هوية رقمية، وزيادة الوعي إزاء مخاطر مرض الايدز، والعمل على تعليم المهارات المختلفة، والسعي لافتتاح منزل للمسنين من الطائفة، وكذلك ضمان حقوق الجنس الثالث الإنسانية في باكستان.

>يورغن وسيم فريمبغن باحث في العلوم الإسلامية ورئيس قسم الإسلام في متحف ميونخ للاثنولوجيا. وقد أصدر العديد من الكتب حول باكستان، آخرها مذكرات حول رحلة حج، بعنوان "في ضريح الصوفي الأحمر".
يورغن وسيم فريمبغن
باحث في العلوم الإسلامية ورئيس قسم الإسلام في متحف ميونخ للاثنولوجيا. وقد أصدر العديد من الكتب حول باكستان، آخرها مذكرات حول رحلة حج، بعنوان "في ضريح الصوفي الأحمر".

ترجمة: هيثم الورداني
معهد غوته ومجلة فكر وفن
2011يناير

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...

– حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

زنيت

تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي