.نينار أسبر تحاور أدونيسعن الحب والصداقة والزواج

Adonis and Ninar Esber; Copyright: Ninar Esberنينار: كيف كانت علاقتك بجسدك؟ هل أدركت بسرعة أنك رجل وسيم وجذاب؟

أدونيس: لا، لم أدرك ذلك إلا مؤخرا. للأسف، في وقت متأخر!

نينار: ( ضحك) أتظن بأني سأصدق مثل هذا الكلام؟

أدونيس: صدقيني، منذ زمن قصير ... سنوات فقط!

نينار: لا أستطيع تصديق ذلك!...(ضحك)

أدونيس: أضيفي إلى هذا أن ما يحز في نفسي هو أن يمتلك المرء هذه الطاقة من الإغواء دون أن يكون يوما ما على علم بها! (ضحك)

نينار: مستحيل!

أدونيس: قبل عشرين سنة فقط اكتشفت هذه المزايا! أو لنقل عندما بلغت سن الأربعين...

نينار: في كل الأحوال، رأيت بعض صورك حينما كنت في الأربعين. لقد كنت فعلا "قنبلة نووية" كما نقول! لكن، هل حقا لم تنتبه لذلك عندما كنت في العشرين؟

أدونيس: لا، البتة. أردد دائما قصة الفتيات اللواتي كن يحببنني دون أن أفهم السب! لم أعر ذلك أدنى اهتمام. كنت منغمسا جدا في تكوين هويتي وثقافتي... كما أني كنت فقيرا جدا. كانت تعدمني الوسائل...

نينار: ليست القضية قضية وسائل، بل هي بالأحرى قضية وعي بالذات...

أدونيس: لم أكن أشعر بالحاجة أو بضرورة الخروج مع امرأة. لم أفكر بذلك... ويمكن أن أرجع السبب إلى انغماسي الكبير في تكوين شخصيتي وعالمي... كنت مشغولا أيضا بمشاكلي الشخصية... ولم أمتلك الوسائل التي تسمح لي بدعوة امرأة للشرب أو الأكل؛ كنت فقيرا جدا، وبالكاد كنت أستطيع العيش...

ولم أكتشف إعجاب النساء بي إلا بعد فوات الأوان! (ضحك) وبعضهن أصغر مني بكثير، ولا ريب أنهن يرين فيّ أبا. أقول لإحداهن: "لكني بعمر والدك!" وتصرخ أغلبهن:"أنت شاعر وتتكلم عن العمر!"

نينار: (تضحك)

أدونيس: وكنت أجيبهن:"لكنه الواقع!". وفي جميع الأحوال لم أكن لأنفق وقتا على مثل هذه القصص. فمع التقدم في العمر، يصبح الزمن رأسمالك الوحيد. والزمن الذي تبقى لي هو شيء ثمين للغاية... عليّ أن أستفيد من كل ساعة تمر، سواء في العمل أو في القيام بشيء بناء، وإلا فإني سأشعر بأنه وقت ضائع..

نينار: أعود إلى قضية الإغراء من جديد. كيف واجهت هذا الأمر؟ من الصعب للغاية أن يكون المرء جميلا ومغريا في الآن ذاته وأن يكون، بالإضافة لى ذلك، شاعرا ومفكرا كما هو الحال معك... هل هو أمر صعب تدبيره؟ أليس أمرا مقلقا؟

أدونيس: لم يشغلني ذلك قط.

نينار: تعني أنه لا يمكن الإحساس بثقل الأمر إلا إذا كنا واعين به؟

أدونيس: عندما يكشتف المرء بأنه جميل، معشوق، مطلوب ومتبوع، فإن ذلك الأمر يمكن أن يطرح مشاكل أو يخلق تعقيدات في العلاقة التي يمكن أن تجمعنا بالآخرين. ربما يوجد سبب آخر؛ فأنا لا أظن بأني سأعثر على جواب لمشاكلي في الحب أو في العلاقات الغرامية. وإذا ماكان هناك جواب فيما يتعلق بي، فلا يمكن العثور عليه إلا في الكتابة والشعر... وإذا ما خيرت بين أن أكتب أو أن أعيش قصة مع امرأة خارقة الجمال، فسأختار الكتابة دون تردد... ليس لأن الشعر يظهر لي أفضل من تجربة مع امرأة... فالمرأة شعر، شعر حي... لكن لأني (لا) أعتقد أن شيئا يعبر بشكل أفضل عن وجودي مثل الخلق الشعري...

نينار: وجسدك؟ هل أنت حر مع جسدك؟

أدونيس: أجل، أحب كثيرا جسدي وأعتني به. لكن "حبي لجسدي" جاء هو الآخر متأخرا. كنت دائما حرا مع جسدي. لكن الحرية تحتاج إلى بعض الشروط. لم أخلط يوما بين الحرية والابتذال. عاشرت العديد من الأشخاص الذين أخطأوا فهم الحرية ولم يحترموا جسدهم. أما أنا فاحترمت جسدي دائما وحميته، لكني حين أمنحه، أمنحه كله.... وبالنسبة لعمري، فإن جسدي في حال جيدة! (ضحك) ولما ألتقي أصدقائي أو إخوتي، يندهشون لذلك...

نينار: لكن اشرح لي معنى "أن يبتذل المرء جسده"، هل أبتذل جسدي حين أمارس الجنس مع عدد كبير من الأشخاص؟ ودون أن نسقط في كليشيه "مارس الحب ولا تمارس الحرب"، أعتقد، بالطبع شرط أن نحسن اختيار شركائنا، أن إقامة علاقات جنسية متعددة شيء مهم؛ إنه يسمح لنا بمعرفة جسدنا بشكل كامل. إنه شكل محتلف للحوار مع الآخر، معرفته... فجنسية متفتحة تشبه فعل الخلق، إنها تعطينا الإحساس بالوجود، تذكرنا بأننا نملك جسدا له رغبات وشهوات... لا أقول بأنه يتوجب علينا أن نكتفي بالجنس... سيكون أمرا مملا بشكل مرعب... لكني لا أستطيع البتة القول بأن ذاك أو تلك، لا يحسنان التصرف بجسدهما لأنهمايقيمان علاقات جنسية متعددة! وطبعا هناك اختلاف في هذا الأمر بين الرجال والنساء. فالمرء يصف المرأة التي تملك العديد من العشاق بالعاهرة، في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن الرجل كزير نساء أوبطل! إنه أمر غير مقبول بالنسبة إلي. فممارسة الحب طريقة من طرق الاحتفال بالحياة والاحتفاء بالجسد...

وفي هذا السياق تستوقفني قصة صغيرة علمتني بأن الحظر المفروض على الحب والجسد لا يقتصر فقط على العالم الاسلامي. فقد كنت في نيويورك سنة 1998 مع سامر وكنا مأخوذين ببعضنا البعض، وكان سامر قد أنهى للتو دراسته في جامعة كولومبيا وأراد أن يطلعني على المدينة. نمشي يدا بيد، وبين هنيهة وأخرى، وتحت وقع العاطفة والرغبة، كنا نمطر بعضنا بالقبل مثل كل عشاق العالم، أو في بعض مناطق العالم... ذلك أنه ولدهشتي، في مانهاتن، في نيويورك، في الولايات المتحدة الأمريكية، بلد الحريات الفردية، كانت السيارات تتوقف بمحاذاتنا ويصرخ ركابها فينا بعصبية:"إذهبوا! وافعلوا ما تفعلونه في مكان آخر!" أو :"شيء قبيح هذا الذي يقومون به، هناك أماكن مخصصة لذلك!"...

أدونيس: أنا تحدثت عن الابتذال لأني أعتبر الجسد البشري هو الأكثر جمالا. وحين نبتذله يفقد خصوصيته ويصبح مثل أي شيء آخر. الجسد شيء متميز ويجب الحفاظ على تميزه. هذا يعني أني أؤمن بأن الجسد من ناحية جنسية يحتاج إلى أجساد أخرى، لكن دائما في إطار علاقات الاحترام المتبادل، الصداقة والحب... الجسد طبيعة، إنه محسوب على الحيوانية... لكنها حيوانية تستطيع أن تتجاوز الطبيعة لتنتهي إلى الحرية. ولا يمكن أن تكون الحرية أمرا مبتذلا. إن الحرية مسؤولية.

نينار: أكان للنساء دور مهم في حياتك؟

أدونيس: لاشك في ذلك. فالحياة بدون نساء فارغة من المعنى. وكان لدور النساء في حياتي جوانب إيجابية وسلبية... والجوانب السلبية هي التي تعلمت منها الكثير. لقد علمتني بأن الحب أو ما نسميه الحب ليس حلا لمشاكل الحياة الحقيقية. وبالنسبة لي فلا وجود لحب دون صداقة قوية. فإذا لم نستطع أن نحكي للزوجة أو الزوج ما نحكيه لأفضل صديق، فهذا يعني بأننا لا نحبه أو لا نحبها. وكل حب كبير عليه أن يقوم على صداقة كبيرة. أنا أيضا عرفت الكذب، وشعرت بأن الكذب جزء لا يتجزأ من الحياة الغرامية. كيف يتسلل الكذب إلى حياة العشاق؟ سؤال يشغلني. ويبدو لي أننا لن نضطر للكذب إذا ما ارتبط الحب بالصداقة...

نينار: أجل، لكن الكذب غير مرتبط بحب الكذب...

أدونيس: إنها طريقة للدفاع عن النفس...

نينار: لا، إنها طريقة لحماية...

أدونيس: لا تليق بشخص يحب. عاشقان يعيشان معا طوال الحياة فلماذا يكذبان على بعضهما البعض؟ هذا يرغمنا على طرح أسئلة... هناك نوع من الخلل في مكان ما...

نينار: أعتقد بأن هناك أشياء لا يمكن اقتسامها، أشياء يتوجب أن نحتفظ بها لأنفسنا وأن لا نقتسمها مع شريكنا...

أحيانا يكون قول الحقيقة للآخر مثل "بيع لروحنا" لأن الحقيقة أو "لعواطف خالصة"، أمر غير موجود.

إنه نوع من الاستعباد أن نطلب من أحد أن يكون صريحا ومخلصا، أن يقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة... إن ذلك عائق أمام الحرية ونوع من الرقابة من طرف الآخر. أن نطالب الآخر بقول الحقيقة، هو تنصيب لأنفسنا مثل قاض، أو مراقب، مثل سلطة ستحكم على الأشياء بهذه الطريقة أو تلك... فمن يقول لنا كيف سيتصرف الآخر أمام هذه الحقيقة التي "نعترف" له بها؟ والآخر، إذا ما جرحته الحقيقة، يمكن أن يدعي الحقيقة حين يقول :"سامحتك". أعتقد أن علينا احترام الشريك دون الاضطرار لقول كل الحقيقة له. يجب أن نبقي لأنفسنا هامشا من الحرية...

قول الحقيقة كل الوقت هو نوع من الإكراه بالنسبة إلي، لأن هناك أشياء أرغب في الإبقاء عليها لي ولست مستعدة لاقتسامها مع الآخر، حتى وإن كنت أعيش معه. أنا مع الاستقلالية داخل العلاقة. وإذا ما أردنا البحث عن النقاء الخالص أو الحقيقة فما علينا سوى الانصراف إلى الدين والزواج من الرب!، وهنا، سنكون على يقين بأن أملنا لن يخيب! أمام كمال لا يمكن اختباره...

أفضل الرجال "غير الكاملين"، الناس "الكاملون" يشعرونني بالملل...

هذا يعني بأني أؤمن بالحب المطلق، بأخطائه ... أؤمن بحب أقوى من كل شيء، أقوى من الموت، أقوى من الأبناء، أقوى من الحياة... طبعا إنه حلم مراهق، لكني أؤمن بذلك وأريد أن استمر بالإيمان بأنه يمكن أن نحب أحدا بجنون رغم كل الصعوبات، هذا أمر لا يخيفني...

أدونيس: لكن إذا ما كذب العشاق على بعضهم البعض، فلماذا يعيشون مجتمعين؟ لينفصلوا. أعتقد بأن الذي يكذب في رأسه يكذب في جسده أيضا. الكذب يشوه حتى العلاقة الجسدية ويصبح الجنس مجرد عملية ميكانيكية...

نينار: يمكن لشخصين أن يعيشا معا لأسباب متعددة. أعتقد بأن الكذب جزء لا يتجزأ من الحياة، ويجب أن آخذ ذلك بعين الاعتبار وأحيانا أن أقبل بهذا الواقع. أما فيما يتعلق "بالجسد الذي يكذب"، فيبدو أن الرجال أكثر حساسية من النساء تجاه هذه القضية... إنهم يكثرون من طرح السؤال فيما إذا كانت المرأة قد تمتعت بممارسة الجنس معهم أم لا...(يضحكان)

لكن السؤال الأصلي يدور حول دور النساء في حياتك، ليس فقط فيما يتعلق بالعلاقة أو الجنس، ولكن بصفة عامة...

أدونيس: أعتقد بأن الصداقة بين الرجل والمرأة شيء معقد. فإذا ما نمت صداقة بينهما، يمكنها أن تتحول إلى حب، لكن هل يمكن للحب أن يتحول إلى صداقة؟ أعرف أصدقاء أحبوا بعضهم، ثم افترقوا وظلوا رغم ذلك أصدقاء. أتساءل أحيانا كيف استطاعوا ذلك... أعتقد بأن هذا الموقف غريب... إذا ما كانت هناك صداقة عميقة وقوية بين رجل وامرأة، تم انتهت قصتهما، فإن هذا يعني بالنسبة إلي أن كل شيء انتهى...

نينار: أجل، أنا أيضا أعتقد بذلك.

أدونيس: أعود إلى ما قلناه حول الكذب... أعتقد بأن معك حق. أحيانا يصبح الكذب ضرورة، لأن مواجهة الحقيقة مثل مواجهة الموت... الحقيقة المطلقة نوع من الموت...

نينار: أتعتقد بأنه بإمكان المرء أن يقضي كل حياته مع نفس المرأة؟ أتعتقد بأن الكائن البشري لا يقبل بتعدد الشركاء؟

أدونيس: لا، أعتقد بأن الجسد يحتاج إلى العديد من الأجساد...

نينار: طبعا إن طبيعة الرجل مع تعدد الشركاء...

أدونيس: الرجل؟

نينار: الكائن البشري...

أدونيس: أمر يجب أن يصبح بديهيا...

نينار: ربما يتحقق ذلك بعد خمسين أو مائة عام! أما اليوم، فإننا في حقبة انتقالية. يحتاج الأمر إلى وقت حتى يخرج من دائرة التابوهات... نعرف جميعا بأننا نحتاج إلى شركاء كثيرين في حياة واحدة، لكن هناك العديد من الحواجز الأخلاقية أو الدينية... خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالنساء، إننا نعود في نهاية المطاف دائما إلى هذه اللامساواة ...

لكن اليوم يبدو صعبا أن يقبل المرء بتعدد الشركاء أو الشريكات... العالم كله يدعي البحث عن "الرجل المثالي" أو "المرأة المثالية"...

أدونيس: لهذا السبب أقول بأن الكذب أسوء الأشياء...

نينار: أعتقد بأن الخيانة جزء من الزواج أو العلاقة بين رجل وامرأة. إذا ما تزوجنا يجب أن نأخذ هذا بعين الحسبان أي احتمال أن يخدعنا الآخر يوما... لهذا السبب لم أتزوج... لا أستطيع أن أتحمل قضاء كل حياتي مع رجل واحد! حتى وإن كان ذلك في العمق حلمي، فإني أعرف بأنه مستحيل التحقق!...

أدونيس: قد تدفعين ثمن ذلك غاليا!

نينار: في جميع الأحوال فإن الواقع هو نفسه...فإما أن تحب أحدهم، تم تعشق آخر وإما أن يعشق صديقك شخصا آخر.. تلك أشياء تحدث... إنك تفترض بأن الأمور مستقرة وتدوم طوال الحياة. دون أن نتحدث عن الداعي هناك شركاء توقفوا عن حب بعضهم البعض بعد سنوات قليلة من الزواج... هل يمكن أن نحب أحدا طوال الحياة وبنفس القوة؟

أدونيس: ما الحل إذن؟

نينار: إما أن نطلِّق كل مرة نخون فيها الآخر أو أن نتوقف عن حبه ونتزوج من جديد. وإما أن نستمر في العلاقة حتى وإن كنا لا نحب الشريك، وكل يعيش حياته كما يريدها مع الإبقاء على العلاقة الزوجية ... ليس هناك حل ثالث ... أمر مرعب... لكني أنظر إلى الأشياء بهذه الطريقة. أعرف بأن الانفصال شيء صعب، إنه نوع من الحداد، تمزق، يفضي إلى فقدان مطلق للثقة بالنفس... نشعر برغبة في الموت، في الانتقام.. عشت قصصا من هذا القبيل، إلام نعيشها حتى لحظة المراهقة، ولربما أيضا بقوة كبيرة لأننا بعد سذج، ونعمل على أمثلة الحب والمحبوب. وإذا ما قبلنا فكرة الزواج وفكرة أن ننزوج، فيتوجب علينا أيضا أن نقبل شروطه وحدوده على السواء.

أدونيس: أنا أؤمن بضرورة إلغاء مؤسسة الزواج...

نينار: حقا؟...

أدونيس: يجب، بكل بساطة، إلغاؤها.

نينار: هناك شيء ننسى التنويه به، وهو أننا نعيش في أوروبا، وأنه من الممكن هنا أن نعيش مع شخص ما دون أن نكون متزوجين؛ بل من الممكن أيضا أن يكون لنا أطفال دون أن نكون متزوجين. لكن إذا ما عشت في بلد، لا مكانة فيها للمرأة إذا لم تكن عذراء أو متزوجة أو أم (وأحيانا لا حقوق لهن كما هو الحال في البلدان العربية الإسلامية)! فلا يمكنك حينئذ سوى الزواج، ولا تستطيع حتى أن تتزوج زواجا مدنيا.

أدونيس: بعض الناس بدأوا رغم ذلك بالعيش معا دون زواج؟

نينار: أجل، لحس الحظ؛ لكن متى أرادوا أطفالا، يتوجب عليهم الزواج، وإلا فلن يكون للأطفال أي حقوق مدنية وأي وجود.

أدونيس: يمكن اللجوء إلى زواج المتعة كما الحال لدى الشيعة...

نينار: لكن يجب أن يكون المرء شيعيا...

أدونيس: يمكن ادعاء ذلك شكليا، لكن تلك صيغة موجودة...

نينار: أجل، لكن دائما في إطار الدين!

أدونيس: أجل.. إنما بتجاوزه...

نينار: في حديثك عن النساء، فضلت دائما النساء "الطبيعيات".. لا أحمر شفاه، لا ماكياج، لا عطر الخ. لم أفهم يوما هذا الذوق. هل تخيفك المرأة التي تضع كل ذلك؟ أفضل أن يكون للمرأة الخيار بين استعمال الماكياج من عدمه، أن ترتدي ملابس ضيقة، أحذية بكعب عال، فساتين مثيرة أو جينز مع أحذية رياضية. أعشق النساء اللواتي يزينن جسدهن بالماكياج والوشوم.

أدونيس: هل ستحبين رجلا يضع ماكياجا؟

نينار: لكني أكلمك عن النساء... في جميع الأحوال، أن يضع رجل كحلا على عينيه، أمر أجده رائعا! وإذا ما وضع حلقا في أذنيه ، أمر جميل جدا ومثير...

أدونيس: بشرة المرأة شيء جميل جدا. يجب أن نترك البشرة تحيا وتتنفس... لماذا طليها بشيء أقل أهمية؟

نينار: يجب أن نكون جديين وأن نفصل بين الشيئين: إذا أردت أن تضاجع امرأة تلتصق من كل ناحية لأنها بالغت في استعمال الماكياج، أو لأن شعرها مليء بالدهان.. طبعا هذا الأمر ليس بمغر ولا جذاب أبدا! (ضحك) أكلمك عن المرأة في سياق آخر، وليس في وضعية جنسية...

أدونيس: يمكن أن أفهم حين تضع امرأة تملك عيونا جميلة بعض الأشياء على عينيها لكي تبرزهما، لكن بشرط ألا يكون الماكياج هو الغالب.

نينار: أنا أحب الزينة... أجد ذلك أمرا مهما...

أدونيس: وأنا لا أحب ذلك...

نينار: لماذا؟

أدونيس: إنها مسألة ذوق. ليس عندي شيء ضد أحمر الشفاه، عليه أن ينسجم مع الوجه فقط ... يمكن أن أفهم الجانب المتعلق بالزينة، لكني لا أحبها. أفضل امرأة بلا ماكياج، وبلا شك لأني أعتقد بأن البشرة هي الوسيلة الأكثر إيروتيكية في التواصل مع العالم الخارجي. لا أستطيع تصور حاجز بين البشرة والعالم...

نينار: الإغراء هو بالضبط وسيلة للتواصل مع العالم...

أدونيس: أقول للمرأة التي أحبها:"أحبك هكذا، دون ماكياج... لمن ستضعين ماكياجا؟ إذا كنت تفعلين ذلك لي، فأنا لا أحبه!"

نينار: لكنها تضع ماكياجا لنفسها! إذا ما أحبت صورتها بأحمر الشفاه ، فماذا ستفعل؟

أدونيس: لا أفعل شيئا، لا أقول شيئا.. أقبل بذلك في نهاية المطاف...

نينار: حقا؟

أدونيس: كنت أكلمك فقط عن ذوقي...

نينار: إذن فأنت لا ترفض قطعا النساء اللواتي يضعن ماكياج؟

أدونيس: لا، أبدا.

نينار: من بين كل أولئك الذين لا يحبون أن تضع المرأة ماكياجا، النسويات المتطرفات، اللواتي يعتبرن أنفسهن رجالا... وطبعا أيضا الرجال التقليديون أو المتدينون، الذين يعتقدون بأن المرأة "كائن خالص" و"طبيعي"... إنهم يعتقدون أن المرأة "من الطبيعة" كائن غير خالص ويجب إبعادها عن كل مظاهر الزينة التي تؤدي إلى الإغراء... وفي اليوم الذي تصبح فيه أما، حينئذ تتغير وضعيتها ويتم منحها بعض الحريات!...

وفي يوم آخر...

نينار: توجد هناك العديد من الأدبيات الإيروتيكية العربية. نصوص ليست مهمة من حيث الأسلوب، لأنها كتبت بأسلوب شعبي ومبسط. لكن مضامينها، بعكس ذلك، مثيرة ومدهشة! النصوص التي قرأتها ظهرت بين القرنين العاشر و الثامن عشر. ماذا تمثل هذه الكتب في الثقافة العربية؟ ماالذي قدمته للمجتمع؟ أي مكانة احتلتها وأي تأثير لها حتى يومنا هذا؟

أدونيس: هناك كمية كبيرة من النصوص الإيروتيكيية لدى الشعراء العرب. أما النصوص التي أشرت إليها فتنتمي إلى الثقافة الشعبية. إنها لا تنتمي إلى الثقافة العارفة لأسباب دينية، أخلاقية ولغوية بلا شك... وهذا يعني بأن هذه الكتب تمت قراءتها في السر، من طرف أناس تكونت ثقافتهم الإيروتيكية والجنسية بفضل هذه الكتب. هذا كان في الماضي. أما اليوم فالأدب الإيروتيكي تم ابتذاله، ويمكن لكل شخص، خصوصا بوسائل التواصل الحديثة... أعتقد أنها كتب مهمة جدا، والمثير للدهشة أن أغلب مؤلفي هذه الكتب هم من رجال الدين أو من المتدينين... ما يثبت انفتاحا فكريا كبيرا ورؤية إلى حياة ملؤها الحب. إني أقدرهم جدا، لكن هذه الكتب لم تلعب دورا في الحياة الثقافية...

نينار: أمر غريب ومؤسف!

أدونيس: بسبب الدين والضغط الاجتماعي...

نينار: ما يحيرني هو وجود كل هذه الأدبيات الإيروتيكية التي تدور حول الجسد والمتعة الجنسية، إلى جانب قصص عن رجال أحبوا نساء ونساء أحبوا رجالا ورجال أحبوا رجالا ونساء أحبوا نساء، وزيادة على ذلك وجود شعر إباحي، مثل قصائد عمر بن ربيعة وآخرين. ماذا تبقى من ذلك؟ لماذا بالرغم من كل هذا الميراث الثقافي، ظلت المجتمعات العربية جد محافظة؟ لماذا لا يزال الجسد بمثابة تابو حتى اليوم، بل أكثر من أي وقت مضى؟.. لماذا هذه النزعة نحو التجريد؟ إننا نتخيل، نحلم ونأمل.. الكل يبقى في الرأس، ممارسة ذلك يظل صعبا.. هل بسبب الثقافة الشفوية؟ هل النص أهم من الأفعال؟ نتكلم لكنا لا نفعل شيئا؟ ربما يخاف العرب من قوتهم الإيروتيكية، ولهذا السبب يقدمون على إخفائها، عن طريق ممارسة الإعلاء النفسي (دون الحديث عن الحريم)، الذي ساهم في إيروتيكية العالم العربي ـ الإسلامي، وهو ما يغذي خيالات الغرب. النساء هنا، كأشياء، عبيد، دون أخذ رغباتهن بعين الاعتبار. هل الأحلام والأوهام هي الوسائل الجيدة للهروب من الواقع اليومي الواقع تحت وطأة التقاليد والدين؟

أدونيس: أعتقد بأن هذه الفرضية الأخيرة هي الأكثر معقولية. يضغط الدين بقوة على حياة الأفراد، ولهذا السبب كانت للعرب حياتين دائما: حياة سرية فردية، حيث يمارسون الجنس، والمتع بمختلف أنواعها، وأعتقد أن لا أحد عاش تلك المتع التي عاشها العرب! وحياة دينية رسمية. وما نقرأه في التاريخ العربي عن العلاقة بين النساء والرجال قوي جدا. إذ كان من الممكن أن يموت الرجال بسبب حبهم لامرأة، يمكن أن يطاردوها من بلد إلى آخر، قتل زوجها من أجل تملكها، أو حتى اختطافها... كانوا يمارسون كل المتع ولكن سرا، حتى لا يدخلوا في صراع مع الدين وبقية المجتمع. الجانب الآخر من المجتمع العربي متدين، محافظ ويحترم التقاليد والنصوص القرآنية.. وحتى اليوم يسلك المجتمع العربي هذين الطريقين. طريق إيروتيكي، سري وآخر متدين. ومن أجل ذلك يمكننا القول بأن الشخصية العربية مزدوجة، قائمة على الكذب والنفاق. لنتوقف؟

ترجمه عن الفرنسية: رشيد بوطيب

نينار أسبر، فنانة من مواليد 1971، تقيم في باريس.

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي