1989 – سقوط جدار برلين

جنوب إفريقيا بين عامي 1989 و1990
نهاية سياسة التمييز العنصري

طوابير أمام مركز الاقتراع خلال أول انتخابات حرة تشهدها جنوب أفريقيا، 1994; تصوير: David Brauchli/APبالنسبة للقارة الأفريقية عامة، ولجنوب إفريقيا على وجه الخصوص، تجسد الحقبة الواقعة بين عامي 1989 و1990، تحولاً جوهرياً، تجسد نهاية نظام التمييز العنصري. ولكن، ما هي العوامل التي قادت إلى هذه النهاية؟ وما هي النتائج التي تحققت بعد مضي عشرين عاماً على هذا التحول؟

في الحادي عشر من شباط/فبراير من عام 1990 غادر نيلسون مانديلا، أشهر سجين في العالم، غياهب سجن يقع بالقرب من كيب تاون. وكان مانديلا قد قضى في هذا السجن سبعة وعشرين عاماً بصفته سجيناً سياسياً قاوم نظام التمييز العنصري بلا هوادة. وقدم مانديلا، في سيرته الذاتية، الموسومة بـ"المسيرة الطويلة إلى الحرية، السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا"، وصفاً مؤثراً، للحظة خروجه من السجن، فقد جاء فيه: "وبعد حوالي ثلاثين متراً من البوابة أخذت الكاميرات تُحدث صوتاً كاد أن يكون كصوت يتعالى من قطيع حيوانات معدنية كثيرة العدد. وراح المراسلون يطرحون أسئلتهم صارخين؛ وتدفق، في الحال، مراسلو محطات التلفزة؛ من ناحية أخرى، احتشد أنصار حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) هاتفين مهللين. لقد عمت الفوضى المكان كله، وإذا كانت هذه الفوضى قد أثارت شيئاً من الحيرة، إلا أنها منت بسعادة غامرة. وحين صوب نحوي مراسل، من مراسلي التلفزة، آلة طويلة، سوداء اللون، ما كان مني إلا أن تراجعت خطوة إلى الوراء، محدثاً نفسي فيما إذا كانت هذه الآلة سلاحاً جديداً تم تطويره خلال الزمن الذي قضيته في السجن. لكن، ويني (زوجته في ذلك الوقت) همست في إذني قائلة بأن هذه الآلة ليست سوى ميكرفون.

وحين توسطتُ الجموعَ الغفيرةَ ولوحتُ، عالياً، بقبضةِ يدي اليمنى، تعالت الهتافاتُ وهاجت الأصواتُ مهللةً فرحةً . وهكذا، وبعد سبعة وعشرين عاماً، استطعت، لأول مرة، أن أرفع قبضة يدي عالياً. وشعرت بقوة تسري في بدني وسعادة تغمر روحي. وبعدما قضينا بضعة دقائق، فقط، في وسط الجماهير الحاشدة، ركبنا السيارة، ثانية، قاصدين كيب تاون... وحين خلفت ورائي، بعد انتظار طويل، بوابة السجن، وعبرت إلى الجانب الآخر من الطريق لأصعد في سيارة واقفة هناك، غمرني، برغم بلوغي الحادية والسبعين من العمر، الشعور باني قد بدأتُ حياةً جديدةً، وأن العشرة آلاف يوم، التي قضيتها سجيناً، قد صارت من مخلفات التاريخ."

وفي الواقع، لم يكن مانديلا، هو الشخص الوحيد، الذي انتابه الشعور، بأنه صار قادراً على بدء حياة جديدة، لقد انتاب هذا الشعور إفريقيا كلها.

الوقائع التي سبقت سنوات السجن

لقد رحب العالم أجمع بإطلاق سراح مانديلا. ولا يزال هذا اليوم المشهود يجسد منعطفاً ذا أهمية عالمية. فخروج مانديلا من سجنه، شكل خطوة رئيسية، على الدرب الذي قاد إلى الإطاحة بالنظام العنصري في جنوب إفريقيا، واندرج ضمن التحولات الكبيرة، العالمية الأبعاد، التي عاشها العالم في تلك السنوات، على وجه الخصوص، التي كان سقوط جدار برلين في تشرين ثاني/نوفمبر عام 1989، حدثاً من أكثر أحداثها بروزاً. وبرغم اعترافنا بأن نهاية الحرب الباردة قد شكلت إطاراً عظيم الأهمية بالنسبة للوقائع التي تحققت في جنوب إفريقيا، إلا أن الأمر، الواضح أيضاً، هو أن نهاية الحرب الباردة ما كانت، بأي حال من الأحوال، العامل الوحيد، أو العامل الحاسم، في تفكيك نظام التمييز العنصري. فعند استحضار أحداث الماضي، يتبين بجلاء أن التطورات التي قادت في التسعينات إلى تقويض أركان النظام العنصري، قد طفت على السطح في وقت سابق على هذه الحقبة بكثير، في أواخر السبعينات على وجه التحديد. وكل ما في الأمر، هو أن المعاصرين استخلصوا نبوءات مختلفة من هذه التطورات. ففيما تطلع البعض إلى قرب سقوط النظام العنصري بفعل تصاعد المقاومة العارمة التي يواجهها هذا النظام، اعتقد البعض الآخر، أعني أنصار النظام العنصري، أن بإمكانهم الحفاظ على هيمنتهم بنحو مستديم.

وكان القمع الوحشي لحركة التمرد الطلابية في سويتو في حزيران/يونيو عام 1976 قد شكل، باعتراف الغالبية العظمى من المؤرخين، بداية النهاية بالنسبة لدولة التمييز العنصري. فمنذ هذا الحين، لم تعرف البلاد الهدوء والاستقرار. واستخدمت الحكومة، في الوهلة الأولى، شتى ضروب القمع، لمواجهة المعارضة، التي أخذت تزداد قوة بنحو متصاعد. وعلى خلفية هذا التطور، ازداد تلاحم الكثير من الملاحقين والمقهورين بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي المحظور، هذا الحزب الذي كان أقدم وأهم التجمعات المناوئة لسياسة التمييز العنصري. ومع أن هذا الحزب لم يتنبأ بحركة العصيان، إلا انه راح الآن يحصد النفع العظيم منها. على صعيد آخر، كان النظام قد بدأ، وقتذاك، وبتأن ملحوظ، في التراجع عن بضعة من العقائد التي ركن إليها النموذج المتطرف في تطبيق سياسة التمييز العنصري في خمسينات القرن العشرين، هذا النموذج الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بهيندريك فيرورد السياسي الذي عمل وزير "شئون السكان الأصليين" في بادئ الأمر وتقلد منصب رئيس الوزراء لاحقاً. وكانت السلطات، آنذاك، قد طبقت سياسة الفصل العنصري في كل المجالات، بتطرف فظ، وبلا رحمة أو هوادة. وخطط بيتر فلهلم بوتا، الذي تقلد منصب رئيس الوزراء عام 1978، لحشد فئات أكثر لتأييد سياسة التمييز العنصري وذلك من خلال إشراك الأقليات "الهندية" و "الملونين"في نظام المزايا التي يتمتع بها البيض. وكانت الخطة تقتضي، في ذات الوقت، كسب تأييد المواطنين "السود" للنظام القائم وذلك من خلال تحسين أوضاعهم المادية وإصلاح البنية التحتية التي يعيشون في كنفها.

ولعل من نافلة القول الإشارة هنا إلى أن المراد من هذه "الإصلاحات" كان، في المقام الأول، تأمين سلطان البيض بنحو مستديم؛ أي أن الحل كان يتطلب من وجهة نظر سياسيي ذلك الزمان العمل على: "تقاسم السلطة من أجل الحفاظ على الهيمنة".

إلا أن هذه الإستراتجية لم تحقق الهدف المنشود منها. فبعد عام 1984، على وجه الخصوص، تصاعد الكفاح ضد سياسة التمييز العنصري وتفاقم الصراع في المناطق التي خصصها النظام العنصري للمواطنين الأصليين. وردت الدولة على هذه التطورات من خلال العسكرة المتزايدة لما تحت تصرفها من أجهزة حكومية، ومن خلال تشكيل فرق في الجيش والشرطة مهمتها اغتيال المتمردين. وفي مطلع عام 1989، وبعد تنحي بوتا عن رئاسة الحزب الوطني، حل محله دي كليرك في رئاسة الحزب. ولأن دي كليرك كان قد جاء من صفوف البوير، أي من صفوف المستوطنين البيض الذين أسسوا النظام العنصري أصلاً، لذا رأى فيه الكثير من الناس، حزبياً يمينياً. ومهما كانت الحال، ففي أيلول/سبتمبر من نفس العام، جرى انتخابه رئيساً لجنوب إفريقيا. وبعد فترة وجيزة من انتخابه، أصدر دي كليرك قراراً يقضي بالعفو عن الكثير من قادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي. وكان من بين الذي تمتعوا بقرار العفو ولتر سيسولو وأحمد كاترادا. وفي سياق خطابه المثير، الذي كان قد ألقاه في الجلسة الافتتاحية للبرلمان، أعلن دي كليرك، في الثاني من شباط/فبراير من عام 1990، عن منح حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وحزب المؤتمر الإفريقي والحزب الشيوعي الرخصة لمواصلة النشاط السياسي ثانية، وعن إطلاق سراح نيلسون مانديلا. وبعد تسعة أيام من هذا الإعلان، غادر مانديلا، بالنحو الذي جرى وصفه في السطور السابقة من هذه المقالة، سجن فيكتور فيرستر، واستقل سيارة نقلته إلى كيب تاون، حيث وقف في شرفة صالة المدينة ليتحدث إلى جمهور من الناس عظيم العدد. لقد وقف في هذه الشرفة رجل ذو قامة طويلة، وطلعة مهيبة، وشعر خطه الشيب، رجل بدا وكأنه جاء من عالم آخر، بدا وكأنه جاء حاملاً في فؤاده الحل للخلاص من المحن والمعاناة. وليس ثمة شك في أن الصور، التي التقطتها كاميرات محطات التلفزة، لهذا الحدث التاريخي، قد كانت من أكثر الصور إثارة للمشاعر، قد كانت صوراً نادراً ما سجلت الكاميرات مثيلاً لها حتى ذلك الحين. وكانت هذه الصورة بمثابة رمز لبداية عملية تحول جذرية، لعملية تحول قد تنجح في تحرير جنوب إفريقيا من سياسة التمييز العنصري.

أسباب التحول

لماذا، يا ترى، اتخذ دي كليرك، ومعه مجلس وزرائه، الإجراءات التي سبق ذكرها؟ ففي المنظور العام، ما كان، بأي حال من الأحوال، أمر طبيعي، أن تهدم الطبقة المهيمنة على الحكم، تلك الأسس بالذات، التي تقوم عليها هيمنتها؛ فتحول من هذا القبيل لا يمكن أن يتخذه النظام العنصري طواعية، ما كان يتخذه إلا مكرهاً. إلا أن الوقائع تشهد، أيضاً، على أن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ما كان، في تلك الحقبة من الزمن، يمتلك القوة التي تسمح له بالهجوم على بريتوريا واحتلال مكاتب الحكم والسلطان فيها. وكبديل عن عمليات الإصلاح، كان بوسع ذوي السلطان أن يواصلوا العمل بأساليب التنكيل والانتقام المعهودة، فالدولة كانت لديها القوة الكافية للقضاء على التمرد على مدى سنوات كثيرة. بيد أن التكاليف المرتبطة بهذه الأساليب كان يمكن أن تصل إلى مستويات، تدمر، ليس اقتصاد البلاد فحسب، بل ومستقبل البيض أيضاً. وأحاط علماً بهذه الحقيقة ليس رجال الأعمال البيض فقط، بل وفئات عديدة من الطبقة العليا المحيطة بدي كليرك. إن الأزمات المختلفة، التي عصفت بالبلاد في الثمانيات، كانت، بلا أدنى شك، العامل الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ موقف مختلف. لقد تم القضاء على حركات العصيان في المناطق المسماة Townships وHomelands، أي في المناطق التي خصصها النظام العنصري للمواطنين الأصليين. كما أن الحروب، الدائرة رحاها في جنوب القارة الأفريقية (وفي انغولا وموزامبيق على وجه الخصوص)، وحرب العصابات التي كانت تقودها بعض عناصر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، ما كانت تشكل خطراً يتهدد دولة جنوب إفريقيا بنحو جوهري. إلا أن الأمر الأكثر من هذا وذاك أهمية، هو أن الأزمات في الداخل وفي الخارج كلفت الكثير من المال وتسببت في وفاة الكثير من البيض. أضف إلى هذا أن الضغط الدولي على جنوب إفريقيا كان قد تصاعد بنحو عظيم وأدى إلى نتائج عسكرية واقتصادية ومعنوية وخيمة. لقد بذلت حكومة بريتوريا كل ما في وسعها من أجل تهدئة خاطر الممولين الدوليين، إلا أن هؤلاء كانوا يزدادون تحفظاً من يوم لآخر. من ناحية أخرى، ألقت المقاطعة التجارية بظلالها، على الكثير من السلع المنتجة في جنوب أفريقا، وتسببت في تراجع الاستثمارات، أي تسببت في تراجع ما هو أمر حيوي لتنشيط اقتصاد البلاد. ومهما كانت الحال، الأمر البين، أيضاً، هو أن الحملة الأخلاقية، التي شنتها الحركة المناهضة، في العالم أجمع تقريباً، لسياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، قد أثمرت حتى في داخل البلاد نفسها. فالكنيسة نفسها، أعني الكنيسة التي ينتمي إليها الكثير من أصحاب السلطان والثروة من البوير، أخذت، الآن، توجه، ولو بصوت خفيض، النقد إلى نظام التمييز العنصري. وأخيراً وليس آخراً، كان انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية، هذا الانهيار الذي صار سقوط جدار برلين رمزاً صارخاً عليه، قد دفع المجموعة المهيمنة على السلطة في البلاد، لأن تحترم المعارضين لها وأن تدرك مخاطر ما انتهجت، لحد ذاك الوقت، من سياسات عنصرية. فهذه الجماعة ما عادت قادرة، على إظهار نفسها، بمظهر القلعة الحصينة، المدافعة عن الحضارة المسيحية ضد نوايا الهمج الأشرار. وحقاً، عقدت الحكومة الأمل على أن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي سينتابه الوهن الشديد، وذلك لأنه ما عاد يحصل على المساعدات المالية، التي كان الاتحاد السوفيتي يمده بها. إلا أن سقوط جدار برلين، كان يعني، في ذات الوقت، أن ارتياب الأمريكيين بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الشيوعي زعماً، وما نتج عن هذا الارتياب من إصرار على عدم تغيير الواقع القائم في جنوب إفريقيا، كان قد أمسى من الماضي. وفي المنظور العام، ليس هناك شك في أن دي كليرك ومؤيدوه قد آمنوا أن بوسعهم السيطرة على عملية الانتقال في جنوب إفريقيا والحفاظ على مصالحهم الخاصة، لا بل ربما الحفاظ على ما هو أكثر من هذا وذاك، الحفاظ على مواصلتهم الهيمنة على السلطة في البلاد. إلا أن هذا الأمل كان تطلعاً زائفاً كما تبين لاحقاً.

عواقب اتسمت بفوضى عارمة

إن تاريخ جنوب إفريقيا في الفترة الواقعة بين شباط/فبراير من عام 1990 ونيسان/أبريل من عام 1994 اتصف بفوضى عارمة وبوقائع دموية كثيرة. فقد ذهب ضحية أعمال العنف السياسي أربعة عشر ألف شخص، لا بل أن بعض الكتاب يتحدثون عن ثلاثين ألف قتيل. وكان قد تعين على الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الإفريقي إجراء مفاوضات طويلة ومضنية بشأن ماهية الطرف الذي سيحكم البلاد مستقبلاً ونوعية المصالح التي سيتكفل بتحقيقها الحكام الجدد، وبشأن الهيكل الحكومي الذي ستكون عليه جنوب إفريقيا مستقبلاً. وكادت المفاوضات أن تنتهي بالإخفاق في العديد من المرات. وجرى تعليقها لبضعة شهور فعلاً. وشكل الرئيس بوتيليزي ، الرجل الذي شغل منصب رئيس منطقة كوازولو، أي رئيس إحدى المناطق المخصصة لعزل المواطنين السود، عقبة كأداء ما كان يمكن الاستهانة بها. فبوتيليزي، الرجل الذي كان يستند على حركة جماهيرية قوية اسمها حركة أنكاثا، رأى أن الوضع الجديد سيهمشه سياسياً. وعلى خلفية هذه الرؤية، راح بوتيليزي يؤجج المشاعر القومية لدى شعب الزولو، ويحشد، من حوله، كثيراً من أنصار عقدوا العزم على تحقيق مآربه بقوة السلاح. في هذه السنوات، كان هناك، إذاً، خطر حقيقي من أن تدخل جنوب إفريقيا في دوامة عنف لا نهاية له وأن تتفكك عراها سياسياً. من هنا، وإذا كانت البلاد قد شهدت، في نهاية المطاف، "معجزة متواضعة" بحسب العبارة التي استخدمها مانديلا، فلا ريب في أن تحقق هذه المعجزة ما كان أمراً متوقعاً بالضرورة. إلا أن مظاهر العنف اختفت مع بداية أول يوم من أيام الانتخابات. فبين السادس والعشرين والتاسع والعشرين من نيسان/أبريل من عام 1994 شارك حوالي عشرين مليون مواطن في أول انتخابات حرة تشهدها بلادهم. وبدا المواطنون المشاركون في الانتخابات كما لو كانوا يشاركون في فعل تحريري، فعل يطهر الروح، ويضاهي الأفعال الدينية. إن وقوف الجماهير الحاشدة، بكل صبر، في طوابير طويلة وتحت أشعة الشمس الحارقة، انتظاراً للإدلاء بصوتها، كان رمزاً على المستقبل الذي يتمناه المرء لمجمل إفريقيا. وكان حزب المؤتمر الوطني الإفريقي قد حصل على ثلاثة وستين في المائة من مجمل أصوات الناخبين. بهذا المعنى، فإن الحزب حقق نجاحاً باهراً فعلاً، إلا أنه لم يحصل على أغلبية الثلثين التي تسمح له إجراء تغييرات دستورية. وعلق مانديلا على هذا التطور، في كتابه "ذكريات"، فقال: "إن البعض من مؤيدي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ساورتهم مشاعر الخيبة من جراء عدم حصولنا على ثلثي الأصوات. إلا أني لم أشعر بهذه الخيبة أبداً، لا بل كنتُ سعيداً بهذه النتيجة، وذلك لأننا لو كنا قد حصلنا على ثلثي أصوات الناخبين وصرنا قادرين على تغيير الدستور بلا مشاركة من الآخرين، لزعم بعض الناس بأننا شرعنا دستوراً يلبي تصورات حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وليس تصورات جنوب إفريقيا. من هنا، فإني كنت عازماً على تشكيل حكومة تلبي متطلبات الوحدة الوطنية حقاً وحقيقةً."

ومهما كانت الحال، ففي العاشر من أيار/مايو من عام 1994، أدى اليمين كل من دي كليرك وتابو مبيكي بصفتهم نواباً لرئيس بلاد أمست تسودها الوحدة الوطنية. وجرى، من ثم، وفي حفل مهيب، تنصيب مانديلا رئيساً لجمهورية جنوب إفريقيا. وألقى مانديلا في هذا الحفل، الذي حضره عدد كبير من ضيوف جاءوا من كل أرجاء العالم، خطاباً جاء فيه: "لا يجوز أبداً، نعم، لا يجوز أبداً، وأكررها مرة ثالثة، وأقول لا يجوز أبداً، أن يشهد هذا البلد الرائع، ثانية، ظلم طرف لطرف آخر... لندع الحرية تسود البلاد برمتها... ولنتضرع إلى الله لأن يبارك إفريقيا."

إن الزمن الذي يستسلم فيه أحد البلدان إلى الآمال العريضة، يظل محدوداً، حتى وإن كانت الآمال التي تحدوه عظيمة عظم الآمال التي عمت جنوب إفريقيا في عام 1994. فالمشاكل الهيكلية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد، كانت قد تراجعت بسبب غلبة الصراع السياسي عليها لحقبة طويلة من الزمن. من هنا، فإن انتقال السلطة من حكومة إلى أخرى ترك، الآن، هذه العيوب الهيكلية تطفوا على السطح بكل وضوح. فميراث سياسة التفرقة العنصرية، أعني انقسام المجتمع على نفسه على وجه الخصوص، كان لا يزال واقعاً ملموساً وحقيقة بارزة للعيان. أضف إلى هذا أن الروح العنصرية، التي تطبع بها الكثير من البيض كانت لا تزال قائمة، وأن الهيمنة التي يمارسها الرجال، البيض والسود سواء بسواء، على النساء، كانت لا تزال واقعاً قائماً، يؤثر في الحياة اليومية، وفي المناحي السياسية أيضاً. ومع أن أصحاب الشأن قد ساروا قدماً في تسليط الضوء على وقائع الأيام الخوالي، إلا أن لجنة الحقيقة والمصالحة، التي ترأسها الأسقف ديزموند توتو، والتي كانت قد حظيت باهتمام عالمي واسع، ظلت تثير الجدل ولم تفلح في تضميد كافة الجروح، التي نشأت عبر عقود زمن طويل صالت وجالت فيه سياسة التمييز العنصري. على صعيد آخر، استمر التباين الاقتصادي بين فئات المجتمع المختلفة. فثمار النظام الجديد لم تتمتع بها سوى فئات اجتماعية محدودة العدد؛ ولا غرو في أن تطوراً من هذا القبيل لا بد أن يزيد من تفاقم الإحباط الموجود أصلاً. وهكذا، شعر الكثير من مواطني جنوب إفريقيا أن الأمل بتحقيق "الأمة المتنوعة الألوان" ليس سوى أسطورة لا سند مادي يدعمها.

القلق على المستقبلt

بعد خمسة عشر عاماً على مرور أول انتخابات حرة في جنوب إفريقيا، لا يزال هناك كثير من الأسباب التي تدعوا المرء لأن ينظر إلى المستقبل نظرة متشائمة. بيد أن هذه النظرة المتشائمة لا يجوز أن تحجب عن ناظرينا حقيقة أن "الثورة التي اتفقت عليها الأطراف المتصارعة"، في السنوات الأولى من التسعينات، قد مكنت سكان جنوب إفريقيا من أن يحققوا تحولاً سياسياً واجتماعياً مثيراً للدهشة. حقاً لم يتحقق هذا التحول بلا عنف وأنه كان قد تطلب ثمناً باهظاً، بيد أن الواقع يشهد، أيضاً، على أن هذا التحول قد تحقق بلا حرب أهلية يختلط فيها الحابل بالنابل. فالدستور الجديد ضمن للجميع التمتع بالحريات الفردية وانطوى على الكثير من المواد التي تعترف بحقوق الإنسان. ومنذ ذلك الحين، صارت البلاد تتمتع باستقرار داخلي كبير نسبياً. وتبقى هذه الحقيقة قائمة حتى وإن اعترفنا بأن مستوى الجريمة قد اتخذ أبعاداً خطيرة في المناطق المختلفة من البلاد. لقد صار بوسع السكان التحرك والتنقل بحرية كبيرة وصار بإمكان المواطنين السود ممارسة حقوقهم كأي مواطن آخر، وليس، كما كانت الحال أيام سياسة التمييز العنصري، كمواطنين عليهم الخضوع والاستكانة لما يؤمرون به. من ناحية أخرى، أمست علاقات جنوب إفريقيا بالعالم الخارجي تتسم بما هو مألوف في العلاقات بين الدول. وثمة دلائل عديدة تشير إلى نشأة ثقافة وطنية جديدة معتزة بنفسها ومنفتحة على المؤثرات القادمة إليها من العالم الخارجي. ومع اعترافنا بأن النظام في جنوب إفريقيا لا يزال هشاً محفوفاً بالمخاطر، إلا أن واقع الحال يشهد على أن الانتقال من النظام العنصري إلى النظام الديمقراطي قد كان، في المنظور العالمي، أحد التطورات التي أثارت إعجاب العالم في الحقبة الأخيرة من القرن العشرين.

آندرياس أكيرت
أستاذ تاريخ إفريقيا في جامعة همبولت في برلين ومدير معهد الدارسات الآسيوية والإفريقية.
المصدر:كتاب "1989/قصص عالمية" ("1989/Globale Geschichten).

ترجمة: عدنان عباس علي
معهد غوته ومجلة فكر وفن
ديسمبر / كانون الأول 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي