1989 – سقوط جدار برلين

عندما يفقد المرء بلده
صدمة الوحدة

P2  نموذج للمساكن في ألمانيا الشرقية، طراز; تصوير:  Sibylle Bergmannكيف يكون شعور مواطن من "جمهورية ألمانيا الديمقراطية"،سابقا، قدم إلى غرب ألمانيا ثم شهد بلده ينهار أمامه بعد نصف عام؟ وما هو الفرق أصلاً بين غرب ألمانيا وشرقها فيما يتعلّق بنمط الحياة والطبيعة النفسية؟ وكيف يمكن للمرء التغلّب على هذا الفرق ثمّ يتعايش معه؟

أصابني عام 1989 بالصدمة قبل كلّ شيء. فقد اختفى بلدي خلال ثوان، حتّى لو كنت غادرته بطريقة محفوفة بالمخاطر، وأنا أجرجر أذيال الخيبة. ثم جاءت الصوّر المعبّرة للناس المبتهجين الذين تمنوا هذا الانهيار بالذات، فبدوا مطمأنين تماماً لوضعهم الجديد. لقد كنت أجلس مذهولة أمام التلفزيون، متمنية أن أتجاوز هذا الفقدان دون أضرار كبيرة، لكنه كان مستحيلاً بطبيعة الحال. وبدأت عملية تفكيك نوعية ومعقدّة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية، انتهت بصورة جيّدة، فأضافت إلي تجرية جديدة. وهذه التجربة لم تكن إطلاقاً ضرورية بالنسبة لحياة إنسان، مقارنةً بمفارقة زمن الطفولة والأهل واختيار المهنة. لكن إذا ما أتيحت للمرء الفرصة فإن عملية التحوّل الشاملة تجلب معها الكثير من الثراء والوضوح والفائدة. لاسيما وأن ألمانيا الديمقراطية كانت نظاماً اشتراكياً، داخل ألمانيا نفسها، بل داخل أوروبا والعالم أيضاً تقوّض وانهار في أعماق المجهول، وديكتاتوريةً أثّرت في جوارحنا مثلما كنت أشعر في مجرى الأعوام، تماماً مثلما يفعل النظام الديمقراطيّ والرأسمالي. فذهبت معايشاتنا وخبراتنا في محاولة بناء الدولة والشخصّية الاشتراكية هباءً، وباتت عتيقة وخالية من أيّ قيمة. فلم أعد أتمتع بخلفية محددة، بل أدور في فراغ حول نفسي، واتطلع إلى الأمام فأرى نفسي غريبة.

الرحلة غير المتوقعة

غادرت ألمانيا الديمقراطية في تموّز/ يوليو، وكنت قد حصلت، ومن غير المتعاد، على تأشيرة لمغادرة "زيارة جمهورية ألمانيا الاتحادية لمدة أربعة عشر يوماً، ولمرّة واحدة". لم أكن متزوجة آنذاك، ولم أكن امرأة ثريةً، بل كنت شابة لم تنه الدراسة الجامعية بعد. وكان لدي أصدقاء في ألمانيا الاتحادية كانوا يعيشون معي في لايبزغ. فكانت هذه كلّها تعدّ أسباباً تحول دون منح تأشيرة المغادرة. لكننّي وددت أن أزور أصدقائي في مكانهم الجديد؛ فقدمت التماساً إلى الشرطة، كان بمثابة اختبار صامت، للموافقة على زيارة أحد أقربائي بمناسبة عيد ميلاده. أمنية الزيارة هذه، بل فكرة الذهاب إلى بلد بدا لي مختلفاً من نواح كثيرة، كانت مترسخة في أعماق نفسي وعقلي الباطني، لدرجة أن الموافقة على الرحلة "غير المكررة"، واستلام جواز السفر الأزرق جعلاني أغرق في حالة شكّ لم أكن عرفتها من قبل. فوقفت في حجرة موظفّة في جهاز الشرطة، وهي امرأة فظّة ومتغطرسة كالعادة، ثمّ أجهشت في البكاء. وكنت أعلم بأن عليّ الإجابة الآن عن سؤال: ما الذي ستفعلينه بهذه التأشيرة؟

كنت آنذاك على دراية تامة بما سأفعله في بلدي، ألمانيا الديمقراطية، وهو الذهاب إلى المدرسة قبل كلّ شيء، والسكن في شقّة خاصة بي، ثم القيام برحلة إلى الخارج فيما بعد. وبغض النظر عن تقلّبات مرحلة المراهقة والشباب والاضطرابات التي جلبتها دراسة العلوم الإنسانية، فقد كنت أعي ماذا أريد تماماً في بلدي. فقد التحقت بمدرسة مرموقة وتعلّمت حرفةً يدوية، ثم درست الفرع التي اخترته في الجامعة؛ فثمّة وظيفة جيّدة كانت تنتظر ابنة العائلة العمّالية. وهذا هو أحد الأمثلة على التجاوز والنجاح اللذين كان جهاز الحزب والدولة يعرضهما بلا ككل وبارتياح تام باعتبارهما التجسيد الوحيد لهذه الفكرة. وبلا شكّ فإن التمتّع بفرصة التعليم كانت كبيرة ومتاحةً للجميع بغض النظر عن الوضع الطبقيّ. ولولا هذه الفرصة لما أصبحت اليوم كاتبةً. لكن الدعاية، التي كانت ترافق هذه الإنجازات، كانت قوية، وقد مارست تأثيراً كبيراً عليّ مثلما أدركت مؤخراً؛ فكان كلّ شخص في ألمانيا الديمقراطية عبارة عن مشروع تاريخيّ. فلم أمض أنا نفسي، روزفيتا هارنغ، في هذا الدرب، منحدرة من هذه العائلة، قاصدةً تلك الوجهة، بل إنّ مطلباً ثوريّاً تحقق في داخلي، فأصبحت امرأة كبيرة وراسخة مثل هذه الفكرة، فأثبت تاريخ الطبقة العاملة صحته عبر مصيري الشخصيّ الضئيل الأهمية. فالصراعات والشكوك والانقسامات والانتكاسات التي يحملها هذا الدرب تمّ تجاهلها ببساطة ضمن هذا السياق الثوري، إذ أنّ كلّ شيء كان مهيئاً ومحلولاً وممكناً. ومثلما هو الحال مع جميع شرائح المجتمع، فإن القوى الشيوعية المعادية للفاشية، وبالأخص الرجال، كانوا يناضلون في الحرب العالمية الثانية من أجلي أنا، والبعض منهم دفع حياته ثمناً لذلك، والآن جاء دوري في تقديم إنجاز عظيم وتجسيد الحقيقة والصدق. فكلّ شيء في ألمانيا الديمقراطية كان عظيماً، وكلّ شيء كان متحققاً: المساواة والحرية والأمن والصداقة.

القراءة والسفر والشعور بالذنب

لكن هذه المعرفة جاءت متأخرة، فقد كنت آنذاك مفعمةً بالأمل ومتلهفةً للمعرفة ومجردةً من الشكوك. فقرأت ماركس أثناء دراستي وهيغل وكانط وأدورنو وماركوزه وهوركهايمر وفرويد وكافكا وسارتر. هذه القراءات والكثير غيرها بالطبع، وهبتني العالمَ الكبير الذي كنت أبحث عنه، فبدا هذا العالم قائماً فعلاً. وازدادت قاعة المطالعة في المكتبة الألمانية بمدينة لايبزغ، في المبنى الذي أنجز عام 1913، أي في العام الذي شهد ولادة أبي، ازدادت سعةً وجمالاً وغنىً فيما يخصّ موادها. فحتى المكتبة العامة يمكن أن تقف شاهداً على الفرصة المتاحة والمصداقية والمستقبل. وقمت بزيارة لجمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية ومن ثمّ إلى رومانيا وبعض الجمهوريات السوفيتية. وأوروبا الشرقية واسعة الأرجاء، وإلى اليوم لم أصل إلى مدينة فلاديفوستوك أو مورمانسك أو الحدود الجنوبية لذلك العالم السابق. وتعاملت مع لغات وثقافات أخرى في الواقع، فوقعت من ناحية في حيرة، عبر غرابة المعمار الآخر وسحره والطبيعة الغريبة ونمط الحياة ، وشعوري من ناحية أخرى بأن الصداقة بين الشعوب والأسرة الاشتراكية، المدوّنة بأبعادها التاريخية، كانت أقلّ قيمةً من أوراق للسفر مزوّرة. فالتفتيش الجمركي على الحدود وتفتيش جوازات السفر عند الحدود، حتّى داخل أراضي ألمانيا الديمقراطية، يمكن أن يستحيل إلى اتهام للمسافر بارتكاب جريمة كبرى تقتضي التفتيش والاستجواب ساعات طويلة. هذه الإجراءات كانت تولّد في نفسي شعوراً بالذنب، وتعمّق كذلك، ومثلما أدركت فيما بعد، من وطأة هذا الشعور بالذنب، الأمر الذي استغله النظام بصورة فعّالة لتنفيذ سياسة القهر والاضطهاد. ووفقاً للشعور الأبدي بالذنب الذي حمله الشيوعي الراحل، المعادي للفاشية، والذي يحمله الشيوعي، عدو الفاشية اليوم أيضاً، نشأ شعور آخر الآن وهو أن عليك أن تكون حرّاً وذا مزاج جيد وتكون حياتك سهلة إلى حدّ ما وتستمع بالجمال. والإيماءات المليئة بالعتب والتي كانت تصدر من رجال الحدود كانت كالمسرح، بل كالسينما العظيمة.

ومنذ سنّ الواحد والعشرين أقمت في سكن مشترك، تمكنت من تأجيره بوصفي عضوة في جمعية تعاونية، وبهذا كنت محظوظة تماماً مقارنةً بآخرين كثيرين. لم يكن العالم مثالياً آنذاك، لكنّه كان واسعاً ويتطور، فبدأت أدرك العالم بلغة الفنّ أيضاً. ونصوص مثل "الصديق الغريب" لـ كريستوف هاين و"رؤوس مستديرة ورؤوس مدببة" لـ بريشت والتي أخرجها ألكسندر لانغ على منصّة "المسرح الألماني"، إضافة إلى فيلم "حكاية باول وباولا" لـ هاينر كارو وفرق موسيقى الروك في ألمانيا الديمقراطية وغيرها من الفعّاليات كانت تولد لدي مشاعر وأفكار لم أعثر عليها في أيّ مكان آخر. فشخصية كلاوديا في رواية هاين تقول "إنني على مايرام" فتكذب بهذا القول. بينما عرض لانغ المشاهد الساخرة وحالة اليأس على المنصّة. وكانت باولا تخيط لنفسها ثوباً جديداً كلّ يوم من فرط سعادتها بلبسه؛ فثمة يوم وردي وآخر أخضر وهلم جرّاً، وتغنّي بصوت عال وهي جالسة أمام صندوق الحساب، لدرجة أن جميع الزبائن في المتجر كانوا يتجابون مع غنائها: كلّ هذه السعادة في يوم عادي! وأصبحّ الفن بيتاً بالنسبة لي بمرور الوقت. فالفنّ يعبّر عن شيء ما، ويمتلك شعوراً. ثم إنّ الفن يتساءل قبل كلّ شيء بدقة وبأسلوب مهذّب، دون أن يبحث حتى عن إجابة. ولولا الفنّ لفارقت الحياة داخلياً في ألمانيا الديمقراطية. وبما أنني لم أتصالح مع فكرة الجامعة باعتبارها منطقة عازلة بين الحقيقة والمثال، لأنني أنهيت الدراسة واشتغلت في منظمة ثقافية، فقد انهارت منظومة الأمل، ولم يعد يسعفني في هذه الحالة حتّى الفنّ نفسه.

نهاية الوهم

ولاحظت بأنّ الامتيازات المحاطة بنظام بليد من السريّة والكتمان كانت تفهم بوصفها حقّاً من حقّوق أصحاب السلطة. وكان غورباتشوف يحكم آنذاك منذ أربع سنوات، أي في عام 1988، فأدخل الرعب والارتباك إلى قلب كادر الحزب والدولة المسلّط مدى الحياة. ولم يكن هذا الكادر مهتماً بالمستجدات، بل كان يخشى فقط على موقعه. ورأيت ذات مرّة استعراضاً لفنّان من لايبزغ، هو هانس شولتسه الذي طوّر نظرية خاصة بالشيوعية ورسمها على الورق، ثمّ أنهى عمله بالقول: "إن هذه العملية ستستغرق فقط ستمئة عام".

وكانت حياتي عبارة عن محطة زمنية قصيرة للغاية على طريق يؤدّي إلى حدث لا علاقة له بأطفالي الذين أنجبتهم فيما بعد. حدث لم أشعر قطّ بأنني سأشهده: وهو أن حكّام ألمانيا الديمقراطية منحوا الديكتاتور شاوشيسكو وسام كارل ماركس عام 1988. وعلى الرغم من أن هذا الحدث، الذي كان يهدف من حيث رمزيته، إلى تعزيز الجبهة المضادة لغورباتشوف، لم يلق اهتماما كافيا، فإن شاوشيسكو كان مجرماً جلب الفقر لبلاده وجعل الناس يشعرون بالمهانة ويعانون من الأمراض النفسية والجسدية، وهو ما لاحظته أثناء رحلاتي، فشعرت بصدمة شديدة إثر منح الوسام هذا. وكذلك حظرُ بعض الأفلام القادمة من الاتحاد السوفيتي عام 1988 والتي كانت معدةً للعرض في المهرجان السنوي المقام بـ لايبزغ في كانون الأوّل/ ديسمبر. وفرضت تأشيرة السفر لمدة بضعة شهور مطلع عام 1989 على كلّ من يغادر الحدود البولندية والتشيكية. ورفع سعر سيّارت فارتبورغ إلى خمسة وثلاثين ألف مارك، وقد فهمت ذلك باعتباره دعوة لممارسة الغشّ. وكنت على علم منذ زمن بالمظاهرات أمام كنيسة نيكولاي. فلماذا لا يتركون المرء يعيش في المكان الذي يختاره بنفسه؟ ومجرد رحيل أصدقائي قبل أعوام طرح عليّ بمرور الوقت أسئلة لم أستطع الإجابة عنها، إلا عبر اللجوء إلى الإجراءات القسرية والمقيدة والخالية من المعنى وإلى القوانين الملتبسة.

ولم يعد الفنّ قادراً على مواساتي. فبدا لي تفهّم الضرورات مثل طاعة عمياء وذلك خلال عام واحد، وعجزاً لا ينسجم مع نهاية القرن العشرين، ولا يلائم إنساناً يتمتع بثقافة قائمة على أفكار الحريّة والسعادة.

في الثامن من تموز/ يوليو عام 1989 جئت إلى ألمانيا الاتحادية، فشعرت بارتياح شديد، لأنني كنت مستعدة للعيش في بلد غريب. وشعرت بفرح أيضاً لأنني لم اكتشف فرقاً في النباتات، وفرحت بالودّ غير المتكلّف للناس أحياناً، وبمعروضات المتاحف والعروض السينمائية. ثمّ سافرت إلى أمستردام وبروكسل وهامبورغ. كان الناس يتحدثون بلغة مختلفة تماماً فيقول البعض منهم: "سأذهب إلى السينما" بدلاً "نحن نريد الذهاب إلى السينما". وكانوا يضحكون من مواقف وعروض وأحداث أخرى مازالت غريبة بالنسبة لي حتّى اليوم. البعض منهم كان مسترخياً لدرجة أنني كنت أحسبه مهملاً، وافتقدت المعاملة بالاحترام. ورأيت الآباء يتحدثون إلى أبنائهم بطريقة مختلفة ويتصرفون معهم على نحو مغاير لما كنّا نعرفه. وكنت أرى الحذر والابتعاد، بدلاً من الاقتراب والتفاعل المشترك. وكان الأزواج يتناقشون في أمور لم أرها جديرة بالنقاش، فكان ثمة ثقل كبير يرزح فوق حياة الناس. وكان هناك أناس متقدمون في السنّ يرتدون الملابس الزاهية ويستمتعون بوقت فراغهم ويشعرون بالفرح ولم يبدوا متذمرين أو محبطين.

إلهامات غربية

البعض منهم كان يشكّل ظاهرة مستقلة. فقد كنت ضمن مجموعة تصغي إلى شروح مرشد سياحيّ في مدينة آخن، فقال: "هذه العلامة على الجدار"، لكنني لم أر شيئاً، وقررت أن أعود في نهاية الجولة إلى هذا المكان من جديد وأبحث عن العلامة. لكنّ امرأة قالت فجأة: "إنني لا أرى شيئاً، أين العلامة؟" فأصبت الذهول لأن أحد أعضاء المجموعة كشف عن عجزه دون أن يثير حفيظة الآخرين. وأدركت في تلك اللحظة حجم الضغط الذي تمارسه الجماعة، وحجم الضغط الاجتماعي في العديد من العلاقات داخل ألمانيا الديمقراطية. هذه الحادثة كانت عادية للغاية في نظر المشاركين في الجولة السياحية، لكن منذ تلك اللحظة بدأت عملية تحرير ذاتي داخلي شملت عدداً من التأثيرات واللوائح والمثل. ودفعة واحدة تحولت ذاتي إلى مرجعية للتساؤل في بلد رأسمالي شديد الاغتراب كان غالباً ما يكون موضع نقد حرفيّ، فجاءت الأسئلة من جميع الجهات، فأخذت حينئذ أدور على ذاتي.

البعض كان يطرح رأيه السياسي على سبيل المثال، فيقول إن ما يفعله توبفر الذي كان وزيراً للبيئة آنذاك رائع في الوقت الحاضر. لكنني لم أكن قد فكرت في أن السياسية يمكن أن تقترن بشخص واحد. فهي في ظل الديكتاورية لسيت كذلك قطّ، لأن الجماعة والضغط الإيديولوجيّ يقفان فوق كلّ شيء.

آخرون كانوا يتحدثون عن دور الأمومة وقضايا البيئة وعن عملهم وعن الأمور التي تجعلهم جديين، مؤمنين بالحتمية، ويشنون هجمات، ويبالغون فيها، لدرجة أنني لم أكن أفهم بأن هناك أناساً يبحثون عن أيديولوجية في نظام يتيح لهم الكثير من الحريّة الفكرية.

لم أشغل بالبحث عن الأيديولوجة المقبلة، بل كنت أبحث عن الغور بعيداً قدر المستطاع في حرية الأفكار، فعدت مجدداً إلى الفنّ. وجعلني عمل جيورج بازيليتس "الليلة الكبرى التي ذهبت هباءً" أقع في أزمة حقيقية. فصرت أطوف راكضة في متحف لودفيغ بكولونيا عام 1989. وشعرت بالضياع وتمنيت ألاّ أرى هذا العمل ثانيةً. كانت هذه الانفعالات حادةً، لكنها كانت ضرورية في الواقع، لأن فنّاً يمارس كلّ هذا الرفض كان مجهولاً تماماً بالنسبة إلي. فالجمالية في أوروبا الشرقية لم تكن تدميرية مثلما أوحت لي تلك اللوحة. وأنا اليوم أحبّ فنّ فرنسيس بيكون، وكنت أحتاج لذلك أعواماً طويلة. وأرى في لوحاته شيئاً ما يعنيني أيضاً، الأمر الذي لم يحدث سابقاً. وأدركت الموقع الذي يشغله الكتّاب في هذا النظام. وهو دور ضئيل حتى أنني بدأت أشكّ فيه مجدداً. إلا أنني لم أتمسك بشكيّ هذا فترة طويلة، لأنني فهمت ميزة هذا الموقع. وإذا ما صرّح كتاّب على غرار كرستا فولف و شتيفان هايم أو غيرهما من الكتّاب المرموقين في ألمانيا الديمقراطية في مقابلة صحفية، أو أثناء إحدى القراءات، حول أي موضوع من المواضيع؛ فإن ذلك تكون له أهمية وتأثير وديمومة، بيد أن هذا العبء لم يكن موجوداً في ألمانيا الاتحادية، أو أنّه لم يكن موجوداً في الفنّ والأدب على الأقل.

اندماج موفّق

أثناء تجوالي في كولونيا رأيت أناساً من بلدان أخرى أتيحت لهم الإقامة في هذه المدينة. واكتشفت مندهشةً شركة نقل تركية ومقاه تركية أيضاً، لا يرتادها عادةً سوى الرجال، ومحلات لبيع المواد الغذائية الآسيوية ومطاعم تقدم الوجبات اليوغسلافية والعربية والأفريقية، يحضّرها طهاه من يوغسلافيا والمنطقة العربية والبلدان الأفريقية. فكيف كان يعيش الأجانب في ألمانيا الديمقراطية؟ كان هناك الكثير من الطلاب القادمين من مختلف بلدان العالم يدرسون في جامعة لايبزغ، وقد أقمت علاقات وثيقة مع البعض منهم. وكان هناك عدد من الأجانب في لايبزغ جاءوا لغرض التدريب في هذه البلاد، جاءوا من فيتنام والجزائر وموزمبيق، لكنّهم مارسوا أعمالاً في المدينة فيما بعد. لكنّ أيّاً منهم لم يستطع تأسيس شركة نقل أو مطعم أو ما شابه ذلك. بل كانوا يعيشون عمّالاً بطريقة ما، لا اتصال لهم ولا علاقة بالحياة في لايبزغ، فصداقة الشعوب المزعومة في ألمانيا الديمقراطية لم تكن موجودة قطّ.

روزفيتا هارنغ; تصوير: Stefan Worringوقد واجهني في حياتي اليومية الجديدة في ألمانيا الاتحادية عدد من الأسئلة لم أكن قادرة على طرحها سابقاً بهذا الوضوح. فنحن نلمس أفكاراً وأقوالاً وتصرفات أناس ليسوا بالقلائل تتعلق بما هو روحيّ وكذلك بالشعور الدائم والمتربط بأسئلة الوجود نفسها، وذلك في ظلّ نظام قائم على المنافسة واقتصاد السوق والربح. وخطر في ذهني ما قرأته ذات مرّة لدى كلاوس مان، الذي كان يفتقد الميتافيزيقيا في الأنظمة الشيوعية لأوروبا الشرقية، فحاولت الاقتراب من هذه التأملات. فالشيء الغامض والذي لا يبدو واضحاً وغير المفهوم إلا بمشقّة هو الذي يمارس تأثيراً جوهرياً على حياتنا كما لو أنه قانون مجسّد. وكل ما هو بعيد عن الوضوح والحتمية المطلقة لم يكن له مكان في نظام ألمانيا الديمقراطية. إذ ليس هناك سوى رهط من الرجال المسنين على الأغلب، المتربعين على الحكم والذين يقررون مصير البلد ومواطنيه بحزم وإصرار، وفقاً للتجارب الروحية والنفسية التي خاضوها في شبابهم: وهي تجارب النضال ضد الفاشية، ذلك النضال العنيف والسرّي من أجل الحياة أو الموت. ويمكن القول إلى حدّ ما بأن اختفاء جمهورية ألمانيا الديمقراطية حدث على هذا النحو، فقد انتهى كلّ شيء في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، واختفت ألمانيا الديمقراطية دفعةً واحدة. أربعة أشهر من عام 1989، أي من حزيران/ يونيو إلى تشرين الثاني/ نوفمبر بدا فيها وطني وكأنه يقع خلف سياج من الأشواك. ولم أستطع الدخول إليه ثانية، لأنني غادرته بطريقة غير شرعية، فأكون عرضة للاعتقال حينئذ، ولم يكن هذا العبء محتملاً. لكن اختفاءه الكلّي جعل التعامل معه سهلاً إلى حدّ ما. الآن انتهت هذه البلاد بالفعل، وليس بصورة مصطنعة، ولم تختف وراء المتاريس. لقد علمتني تجاربي في كلا البلدين أن أتكيف مع حياتي، ومع ذلك يبقى الفنّ والأدب دائماً المكان الأوسع للحريّة.

روزفيتا هارنغ
كاتبة وروائية ألمانية ولدت عام 1960 في لايبزغ، بشرق ألمانيا، وتقيم حاليا في كولونيا.

ترجمة: حسين الموزاني
معهد غوته ومجلة فكر وفن
ديسمبر / كانون الأول 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي