1989 – سقوط جدار برلين

البلد لا يزال موجوداً
صور فوتوغرافية من ألمانيا الشرقية

برلين ساحة ماركس وإنغلز 1984; تصوير: Harald Hauswaldإن مرور عشرين عاماً على سقوط جدار برلين يبرر بكل تأكيد أن تفتح برلين ذراعيها لاحتضان معرض يشتمل على صور فوتوغرافية تعكس طبيعة الحياة اليومية التي سادت في جمهورية ألمانيا الديمقراطية في سابق الزمن. إلا أن هذا المعرض أيضاً، عجز عن إعطاء الجواب الشافي على الكثير من المسائل المحيرة.

آب/أغسطس 2009
إن الصور الفوتوغرافية تمارس سلطاناً عظيماً على ذكرياتنا. ولكن، ماذا تقوله للأجيال التالية تلك اللحظة من لحظات الحياة الواقعية الموثقة بالصور؟ لاسيما حينما يتعلق الأمر بجمهورية ألمانيا الديمقراطية – وبالحياة اليومية فيها وبما سادها من طقوس وشعارات سياسية وممارسات وتجاوزات ما كانت للإنسان طاقة على تحملها – ولا يزال جدل صاخب يدور بشأن الطرف صاحب الحق في تفسيرها، مع أنها أمست من مخلفات التاريخ. وما من شك في أن هذا الجدل لم يحظ، أبداً، باهتمام كبير لدى المصورين المساهمين في المعرض الذي تقيمه وكالة أوستكرويتس" (Agentur Ostkreuz). فهؤلاء لا يريدون التحقق من الأمور بنحو أفضل، فهم كانوا، في كل الأحوال، أكثر من الآخرين إمعاناً في النظر بما يدور من حولهم. أضف إلى ذلك أنهم كانوا قد استقلوا بأنفسهم عن السلطات الحكومية، استقلاً مكنهم من استخدام مواهبهم الفنية لعرض الحياة على حقيقتها المتعبة، عارية من التزويق والتجميل، عرضها بهذا النحو برغم أنه ما كان هناك دستور يحميهم، أي ما كان هناك ذلك التشريع الذي كان معرض أقيم في برلين، قبل فترة وجيزة، قد رفعه إلى مصاف الشرط الأول لنشأة الفن الحق.

وفي دار الثقافات العالمية الكائن في مدينة برلين، يقيم خمسة من أبرز مصوري الوكالة المذكورة أعلاه، وهم: زيبيلا بيرغمان وأوتا مالر وفيرنر مالر وهارالد هاوسفالد وموريس فايس، معرضاً يستعيد ذكريات الماضي من خلال مئة وخمسين صورة فوتوغرافية التقطت بالأبيض والأسود في أوائل السبعينات إما بدافع خاص أو تلبية لطلب جرائد لم تنشرها دائماً وأبداً. وأطلق المرء على هذا المعرض عنواناً لا يعبر عن الحقيقة بنحو دقيق: "عصر ألمانيا الشرقية – قصص من بلد باد وزال". فالبلد لا يزال موجوداً، وبنوه أيضاً ما يزالون موجودين، فكل ما حدث هو أن المسرح العالمي الكبير حتم، قبل عشرين عاماً، نشأة كواليس جديدة.

مناضلون يقفون ضد التيار

ومن بين الصور المعروضة توجد، هناك، صور كثيرة سبق للمرء أن شاهدها، وصور أخرى، صارت الآن، بمثابة إيقونات، أعني صوراً من قبيل مجموعة صور زيبيلا بيرغمان الزاخرة بالمغزى المضحك المحزن في تناولها لنشأة تماثيل ماركس وأنجلز أو صورة هارالد هاوسفالد المتمردة على التيار العام. فهذه الصورة تجسد حامل بيرق يصارع التاريخ في ميدان ألكسندر. كما هناك صورة أوتا مالر المخصصة لتجسيد الجبناء الذين استجابوا لأوامر حكومتهم فراحوا يتظاهرون في الأول من أيار وكأنهم قد تساموا إلى عالم أخر تنفيذاً للأوامر الحكومية.

صور من ألمانيا الشرقية © FAZ.net
صور من ألمانيا الشرقية © FAZ.net


وفي كل مرة يعتقد المرء فيها أنه تعرف على كل الأمور وعلى كافة مؤشرات الانهيار والعناد الجامح، يكتشف المشاهد أنه إزاء صور جديدة عليه. ويصدمنا بنحو مفزع ما يرويه فيرنر مالر، عن ظروف العمل الفظة، التي عانى العاملون في مناجم الفحم من وطأتها وقسوتها. ففي ظل قيظ شديد، كد وكدح عمال المناجم، عراة الأجساد، وكأنهم في القرن التاسع عشر وليس في عام 1975 من عمر الفردوس، الذي بشرت به جمهورية ألمانيا الديمقراطية الطبقة الكادحة. وتدهشنا أيضاً النظرة الانثروبولوجية، التي اعتمدتها زيبيلا بيرغمان عند عرضها لخصائص حجرة الجلوس التي كانت وضعاً مألوفاً في العمارات السكنية الموحدة الطراز والخالية من أي ذوق، فهذه النظرة سلطت الضوء على تلك الحجرة باعتبار أنها كانت موحدة التخطيط ولا تعير اهتماماً لخصوصيات الأفراد وأنها أشاعت الشعور بالوحدة واتسمت بمساحتها الضيقة.

وبأسلوب حاذق، ينفخ هؤلاء المصورون الحياة في عالم غاب عن الوجود، ينفخون الحياة في هذا العالم، حقاً من غير الوشاية بأحد، ولكن بأسلوب أخلاقي وقريب من الواقع دائماً. قريب من الواقع بالقدر الذي يسمح به الأفراد، الذين يجري تصويرهم، وبالقدر الذي يتجاوبون فيه مع المصور. ومع أن هؤلاء الأفراد ما كانوا سعداء دائماً، إلا أنهم كانوا مطمأنين البال بكل تأكيد. إن هذا العالم الغائب كان يسير بخطى بطيئة، وكان قد دأب على الفصل بين مناحي الحياة الرسمية ومناحي تلك الحياة الخاصة، التي كان يتوجب الدفاع عنها، وحمايتها من سلطان الحياة الرسمية. إن الصور المقتبسة من الحياة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، هذه الصور التي يتجنى المرء عليها حين يعتقد أنها تعكس الحزن لا غير، تفصح، عندما يمعن المرء النظر فيها، عن حياة كثيرة الألوان، ومتعددة الخصائص، عن حياة نادراً ما كانت شبيهة بحياة الطبقة الوسطى ونادراً ما عرفت الازدهار الاقتصادي.

وثائق تخص عالم موازٍ

إن المرء يستطيع مشاهدة مجتمع ألمانيا الديمقراطية مصوراً في العديد من المعارض الفاتحة أبوابها في برلين في هذه الأيام. ومع أن كل واحد من هذه المعارض قد ركز على ناحية معينة، إلا أنها جميعاً اتخذت من الاحتفال بسقوط الجدار دافعاً لعرض خصائص الحياة في ألمانيا الديمقراطية. فتحت عنوان مفاده "حر في داخل حدود معينة"، يوثق متحف الفنون التطبيقية لفوتوغرافيا الموضة؛ التي يمكن وصفها بأنها صور من عالم موازٍ نظرا لاختلاف جمالياتها عن الجماليت التي كانت سائدة في المتاجر الحكومية. كما يلاحظ أن النساء والفتيات قد جسدن في هذه الصور المثل الجمالية للمصورين والمصممين، لكنهن لم يطابقن نموذج المرأة العاملة والأم المتسق مع الخط العام للحزب.

وعرض، بنحو فني رائع، ماتياس فلوغه وتوماس هايسه في أكاديمية الفنون خصائص "مجتمع مرحلي". وكان الرجلان قد نجحا في كسب مساهمة مصورين آخرين في المعرض، أعني مصورين من قبيل أولريش بورشرت، فصورهم الرائعة كانت معروفة لفئة قليلة من الناس. فبورشرت يعرض علينا خروج تمثال فريتس كريمير غير المكتمل والموسوم "خمسون عاماً على مرور ثورة أكتوبر"، من الأكاديمية في شباط/فبراير عام 1989 وضياع أثره، بعدما طاف في ربوع الوطن الأم، في مهد ثورة أكتوبر.

إن "مجتمع مرحلي" يضع لنفسه إطاراً زمنياً واضح المعالم بشدة: العقد الأخير من عمر جمهورية ألمانيا الديمقراطية. ويكاد هذا المعرض أن يشتمل على تلك الصور، فقط، الي جعلت التصوير الفوتوغرافي في ألمانيا الشرقية حالة فريدة، حالة تستخدم اللغة الشاعرية واللونين الأسود والأبيض طبعاً. ففي مساحة ضيقة يجري تصميم مشهد اجتماعي يوثق عالم الكادحين المتواري عن التاريخ ويعكس بنحو دقيق ثراء الحياة الخاصة وخصائص الفن وطبيعة الحياة اليومية ونقمة الأفراد وشعورهم بالإحباط – أي يجري عرض وثائق تشير إلى تصاعد الشعور بالغربة في حياة المرء الخاصة. وكان ماتياس فلوغه قد قال في النص الشديد الإيجاز، والذي كتبه كمقدمة للمعرض، إن الثورة على النظام كانت، على مدى زمن طويل، ثورة الحزن والاكتئاب في المقام الأول. أو لنقل، أنها كانت، على أدنى تقدير، التراجع عن رضا افترض الماسكون بزمام السلطة وجوده في الحياة اليومية، رضا اعتقدوا أنهم لمسوه في ملامح وجوه المواطنين، متجاهلين أن هذه الوجوه ما كانت تفصح، في المنظور العام، إلا عن صورة مجملة لمشاعر الركود والقنوط.

التمرد الذي أمسى مجسماً في صور مختلفة

وإلى جانب صور أرنوا فيشر الخاصة بالمساء السابق على إعادة توحد شطري ألمانيا، تدلت من على ميدان باريس صور اجتماعية مهمة جادت بها قريحة روجر ميليس، الرجل الذي أعطانا صورة دقيقة عن ملامح متحدثة في المؤتمر الحزبي بدت وكأنها تتنبأ بالسقوط الذي ما كان بمستطاع أحد التنبؤ به وقتذاك. وفي تلك الصورة أيضاً، التي عرضتها علينا كريستيانه أيسلر، أعني الصورة التي نشاهد فيها شبيبة متمردة بنحو صاخب وشاذ عن المألوف، ومحدقة بأجهزة التصوير بلطف وترفع - يتعرف المرء، في الحال، على التناقض القائم بين طبيعة هذه الشبيبة والصورة التي أرادت سلطات ألمانيا الشرقية رسمها للبلاد: فهذه الشبيبة غدت صورة تجسم روح التمرد التي خيمت على الجيل الأخير من الأجيال التي عاصرت جدار برلين. فمن دأب على الحياة بالنحو الذي دأبت عليه هذه الشبيبة، سيتمرد بكل تأكيد.

إن الكثير من صور المعرض المقام في الأكاديمية تشهد بوضوح على أن الأحاسيس قد طرأ عليها تحول كبير مع مرور الزمن. فماذا رأت المصورة هيلجا باريس، يا ترى، وهي تصور الشاب ساشا أندرسون؟ فهذا الشاب كان يصغي إلى شخص ما، بلا أدنى شك. ولكن، أكان يصغي إلى شخص يقرأ أمامه شيئاً من نصوص أدبية أو سياسية ممنوعة قراءتها حتى بين جدران المنزل الأربعة؟ كما نرى الرجل مرهفاً السمع كما لو كان عابداً يصلي لرب العباد، نرى الرجل منزوياً في ركن كاد أن يخفي معالمه؛ وانعكست صورته على المرآة فبان لنا مضاعفاً. إنه العام 1981، هذا العالم الذي ما كان يدور في خلد أحد أن ساشا أندرسون يمارس، بكل خبث وضعة، دوراً مزدوجاً، أعني خيانة أقرب الأصدقاء والزملاء الفنانين والوشاية بهم لدى مكتب الأمن؛ وشاء المرء أو أبى، فالأمر البين هو أن المرء يُدفع، في اليوم الراهن، دفعاً قوياً إلى استعادة تلك الوقائع والأحداث على وجه التحديد.

وبوسع المرء أن يرى في الملصقات المصممة من قبل لوتس دامبيك ومانفريد بوتسمان مقدمة للمجتمع المرحلي. فهذه الملصقات ليست رسائل موجهة من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم في ألمانيا الشرقية، بل رسائل مستقاة من تلك الحياة التي كانت تدفع المواطنين إلى ممارسة النشاطات المحظورة. ولا يزال ملصق بوتسمان الموسوم "لقد أسعدنا ستالين" يسبب لنا صدمة قوية؛ فهذا الملصق كان عبارة كولاج ضم ملاحظات إنشائية كتبها الأطفال بكل طاعة لتأبين الدكتاتور. ومن بين الملاحظات التي اشتمل عليها هذا الكولاج، هناك ملاحظة تشير إلى أن عصر الإرهاب المرعب قد خفض سن الرشد إلى اثني عشر عاماً، أي أن العقوبات الجنائية، بما في ذلك أحكام الإعدام، قد أمكن تنفذها، ألان، بحق هؤلاء الأطفال أيضاً. ويُختتم المعرض بعرض سينمائي خاص، عرض أرهق الزوار بضيق مكانه والضوضاء التي سببها تداخل الأصوات المختلفة. إن هذا أمر يؤسف له، لاسيما أن الأفلام والمسرحيات كانت تستحق عرضاً خاصاً بها فعلاً.

إننا لا نريد هنا البت في ما إذا كان زائر هذه المعارض قد صار قاراً على تكوين صورة تعرفه، بدقة، بخصائص الواقع الذي ساد وقتذاك. ومهما اختلف المرء بهذا الشأن، إلا لأن الأمر الأكيد هو أن المعرض المقام في الأكاديمية كان يستحق سجلاً (كاتالوج) يجاري الفهرس الدقيق الصادر عن وكالة أوستكرويتس. فعلى ما يبدو ما كان بالإمكان إنتاج شيء آخر غير الكراسة التي أفرط المرء كثيراً في الاقتصاد بكلفة طباعتها. ولا تعوض الإشارة إلى الاحتفالات الجارية على هامش المعرض عن هذا القصور. من ناحية أخرى، من حق المرء أن يسأل عن السبب الذي حال دون تكاتف الجميع وإقامة معرض موحد، كبير، للتصوير الفوتوغرافي في ألمانيا الشرقية. فمعرض من هذا القبيل كان قادراً أن يفتح لنا، في عام الاهتمام الكبير بذكرى خصائص الحياة في ألمانيا الديمقراطية، نافذة نطل منها على المناحي التي تظل لغزاً محيراً بالرغم من كل التنوع الذي اتصفت به المعارض المختلفة.

ريغينا مونش
صحافية ألمانية تعمل محررة في القسم الثقافي في صحيفة Frankfurter Allgemeine Zeitung.

ترجمة: عدنان عباس علي
معهد غوته ومجلة فكر وفن
ديسمبر / كانون الأول 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي