عن مدى تأثير ثورة الإعلام الإسلامي
الإسلام كطريقة حياة
يبث تلفزيون دبي في أهم أوقات ذروة المشاهدة على الإطلاق، أي الجمعة مساءً، برنامج (مجددون). قد يبدو البرنامج للوهلة الأولى كغيره من برامج "تلفزيون الواقع" العديدة. لكن (مجددون) الذي يُعده ويقدمه الداعية النجم عمر خالد يشكل بالفعل تجديداً. فعلى غرار ما أُسَمِّيه ظاهرة "بوب إسلام" المنتشرة وسط الشباب المسلم في شتى أنحاء العالم والتي ترى في الإسلام طريقة للحياة، يتبنى برنامج (مجددون) الشكل المعروف للبرامج الترفيهية ويُضفي عليه صبغة إسلامية، ليتشكل بذلك شيئ جديد. ففكرة برنامج (مجددون) هي عموما مزج بين برنامج (ستار أكاديمي) وبرامج ترفيهية أخرى من صنف تلفزيون الواقع. فهناك ستة عشر متسابقا من الشباب والفتيات قادمون من دول عربية مختلفة، عليهم العمل على تنفيذ مهام صعبة. بعد كل حلقة يخرج أقل المتسابقين أداءً من البرنامج إلى أن يبقى في النهاية متنافسٌ واحد يفوز بالجائزة.
هنا تنتهي أوجه الشبه بين (مجددون) وباقي برامج (تلفزيون الواقع)، فعمرو خالد يسعى من خلال البرنامج الى تجديد الأمة الإسلامية، إذ أن المتنافسين لا يجب عليهم تعلم فنون الغناء أو الرقص وما إلى ذلك وإنما عليهم تقديم أعمال تعود بالنفع على المجتمع، مثل إصلاح وترميم مبنى إحدى المدارس أو تطوير حملة لتوعية الشباب المسلم بكيفية استخدام شبكة الانترنت بعقلانية. وكما تقتضي التعاليم الإسلامية يُقسم المتنافسون إلى فريقين، واحد للذكور وآخر للإناث. كما أن جميع المتنافسين الستة عشر متدينون ويعتبرون أنفسهم جزءًا من حركة الصحوة الإسلامية.
بالإضافة إلى ذلك هم ناجحون في عملهم، إذ نجد هناك طبيبة أسنان من المملكة العربية السعودية، وفتاة مصرية استطاعت بمجهوذ ذاتي الخروج من براثن البطالة، وشابا آخر أسس شركة جديدة لتنظيم حفلات الزفاف في السعودية. والهدف من وراء ذلك تقديم نماذج يحتذى بها. ورغم عدم توفر أرقام موثوق بها لعدد مشاهدي البرنامج إلا أنه من الواضح أن (مجددون) شهد نجاحا كبيرا قد يشكل بالنسبة لعمرو خالد عودة قوية.
صعود وأفول نجم عمرو خالد
بعد الصعود الصاروخي لنجم عمرو خالد كداعية سجلت شعبيته خلال العامين الماضيين تراجعا ملحوظا. فبعد أن كانت البرامج الرمضانية التي يقدمها في السنوات الاولى للألفية الثالثة تحقق أعلى نسب من المشاهدة، تراجَع الأمر بحدة بين عامي 2006 و 2008. بالمقابل لقي برنامج "قصص القرآن"، الذي قدمه عمرو خالد في رمضان 2009، وتناول فيه قصة النبي موسى، إعجاب المشاهدين؛ إذ تميز البرنامج بتصويره في الأماكن الحقيقية لأحداث القصة. وبهذا البرنامج عاد عمرو خالد من جديد إلى الواجهةخاصة بعد رفض السلطات المصرية منحه رخصة للتصوير في البلاد بسبب شكوكها في تلميحه من خلال البرنامج لوجود أوجه تشابه بين قصة نزاع النبي موسى مع فرعونوالصراع القائم حاليا بين الحكومة المصرية وتنظيم الاخوان المسلمين. وقد غيَّر عمرو خالد مقر إقامته الى العاصمة البريطانية لندن رغم نفي الإشاعات التي تحدثت عن إرغامه على مغادرة مصر. وقد زاد هذا الخلاف مع الحكومة المصرية من شعبية عمرو خالد الذي اكتسب بذلك مصداقية لدى الجمهور.
يعمل عمرو خالد منذ أكثر من عقد في المجال التلفزيوني، إذ يعتبر من رواد مقدمي البرامج في القنوات الدينية الإسلامية واستطاع بذلك التأثير على جيلٍ بأكمله. فمن خلال معاينة الشباب المسلم في مصر أو حتى في دول الخليج والدول الأوروبية يمكن الإقرار بأن عمرو خالد ونظراؤه قد نجحوا في تحقيق مساعيهم. إذ لا تكاد تجد شباباً مسلمين غير متدينين، فأغلبهم يلتزم بالصلاة وتنتشر بينهم مظاهر التدين الجديدة مثل الحجاب العصري وعلامة السجود على الجبهة (زبيبة الصلاة)واللحية المهذبة. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه المجلس القومي للسكان في مصر وشارك فيه 15.000 من الشباب دون 29 عاما أن نسبة 0,5في المائة فقط من الفتيات لا يرتدين الحجاب.
ازدهار القنوات الدينية الإسلامية
عندما بدأ عمرو خالد في عام 1997 في إلقاء الدروس الدينية بحي المهندسين، الذي تقطنه الطبقة المتوسطة، لم تكن حينها سوى قناة دينية واحدة هي فضائية (إقرأ) التي تمولها أطراف سعودية. وقد طوَّر عمرو خالد رفقة المنتج التلفزيوني السابق أحمد أبو هيبة أولى برامجه التلفزيونية، إذ استقبل في برنامجه بعض نجمات السينما والتلفزيونات المصريات اللائي اعتزلن الفن بسبب تدينهن. كما أضفى عمرو خالد على نوع البرامج التلفزيونية التي تعتمد على الحكاية طابعه الخاص، إذ تحدث في برامجه عن الرسول والصحابة كأنه كان بينهم ونجح عبر استخدامه اللهجة المصرية في تقريب الدين من الحياة التي يعيشها مشاهدوه.ولعل أهم ما يحرص عليه عمرو خالد في برامجه هو أن يصل كلامه الى قلوب المشاهدين وأن يدغدغ مشاعرهم. وهو يدعو الى إسلام مرن يمكن لكل شخص ممارسته، ورسالته للشباب دائما هي: عوض أن تنتظروا من الحكومة عمل شيء من أجلكم خدوا زمام أموركم بأيديكم وقوموا بعمل ينفع المجمتع!
كان عمرو خالد، الذي درس التجارة واشتغل لسنوات في مكاتب المحاسبة، أول نجم ذاع صيته من (الدعاة الجدد). لكن سرعان ما ظهر مقلدون ومنافسون له في هذه الساحة يخاطب كل أحد منهم شريحة خاصة من المشاهدين مثل معز مسعود الذي يحظى بشعبية بين شباب الطبقة الميسورة، فيما يخاطب خالد الجندي المشاهدين التقليديين. عند بروز ظاهرة الدعاة الجدد تجاهل الفقهاء وعلماء المؤسسات الدينية الرسمية هذه "الموضة" لكن انتشارها دفعهم الى توجيه سهام النقد لها بداعي أنه لا ينبغي الحديث في الدين دون دراسة العلوم الشرعية. لكن الدعاة الجدد يشددون دائما على أنهم لا يُصدرون فتاوى دينية وإنما يقومون بـ"الدعوة" للدين فقط. ويعترف الداعية خالد الجندي بأن "رد فعل العلماء والفقهاء على الظاهرة الجديدة كان متأخرا". ويُقدم الشيخ الجندي نفسه باعتباره جواب مؤسسة الأزهر على ظاهرة الدعاة الجدد، إذ يشارك هذا الشيخ الفصيح في برامج تلفزيونية عديدة. لكن حضوره ورسالته يشبهان كثيرا ما يقوم به الدعاة الجدد، وبهذا يمنح علماء المؤسسات الدينية الرسمية شرعية لـ"منافسيهم" الذين لم يدرسوا العلوم الشرعية، فكثير من المشاهدين يستنتجون من تقليد علماء الأزهر للدعاة الجدد أن هؤلاء الدعاة لا تنقصهم المصداقية.
هدف تربوي
إلى جانب بروز عدد كبير من الدعاة الجدد في العقد الأخير تضاعف أيضا عدد الفضائيات الدينية التي تجاوز عددها حتى الآن 40قناة تلفزيونية تتنافس فيما بينها على جذب المشاهدين. ويعود إنشاء معظم هذه القنوات التلفزيونية الى مبادرات قام بها بعض رجال الأعمال الأثرياء أو الحكومات. ففي وقت تمر به العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي بأزمة يسعى البعض عبر هذه المشاريع الى تحسين صورة الإسلام، فيما يحاول آخرون التأثير على الشباب في العالم العربي. وتشترك جميع هذه القنوات الدينية في هدفها التربوي وسعيها لتقديم الإسلام "الحقيقي" للمشاهدين من خلال برامج ترفيهية وتربوية متنوعة.
وعن مستوى تلك البرامج يقول أحمد أبو هيبة، الذي يقدم نفسه كمؤسس الإعلام الإسلامي الجديد: "أنا أشعر بالإحباط عندما أرى كثيرا من تلك البرامج التي يتم انتاجها بشكل سيء، إذ نجد فيها رجلا ملتحيا يجلس في استوديو بديكور رخيص ويحكي أشياء مملة. هذا بالذات ما كنا نسعى إلى تجاوزه". ويمتلك أحمد أبو هيبة، الذي كان منتجا لبرامج عمرو خالد الأولى، تجربة كبيرة في هذا المجال. فقد عمل كمدير تنفيذي لقناة (الرسالة) الفضائية التي انطلقت عام 2006 بهدف إنشاء قناة للشباب، لكن استطلاعات الرأي أظهرت كما يقول أبو هيبة "أن جميع مشاهدينا تتجاوز أعمارهم الـ 40 عاما. عندها انتبهت الى أن الأمور لا تسير على ما يرام". لهذا أطلق أبو هيبة قبل حوالي سنة قناة (4Shbab فور شباب) للشباب، تعرض كليبات تتوافق مع القاليد الإسلامية. ويرى أبو هيبة في قناة 4Shbab خلاصة تجربته الطويلة في مجال الإعلام الإسلامي، ويوضح قائلا: " نحن لا نسعى لتقديم برامج دينية محضة، فهذه البرامج لا يتابعها سوى الشباب الذي لديه اهتمامات دينية. نحن نقدم برامج ترفيهية للجميع مع فارق بسيط هو أن برامجنا تتضمن قيَمنا".
لا تزال القنوات الدينية تراكم تجاربها ولهذا يشهد هذا الفضاء الإعلامي تطورا مستمراَ. ففي البداية مثلاَ استهجن كثيرون الاحتفاء بموسيقيين مثل سامي يوسف كالنجوم؛ إذ اعتبر كثيرون أن الموسيقيين العاملين في هذا المجال عليهم الظهور بتواضع. ويرى أبو هيبة أن "كثيرين غيَّروا رأيهم بهذا الشأن، فالإعلام الإسلامي يُقدم نجوماً من نوع آخر، لأنهم بالإضافة إلى قدراتهم الفنية يشددون على انتمائهم الديني، وهم بالتالي يستحقون أن يعتبرهم شبابنا قدوة يحتذى بهم".
تنتج معظم برامج 4Shbab في مصر لكن كثيرا من مقدمي برامج القناة قادمون من دول الخليج. ويعود السبب في ذلك الى أنها مولة من جهات خليجية. كما أن إرسال بث القناة يتم من البحرين لأن السلطات المصرية رفضت منحها ترخيصا بهذا الشأن. ويرى أبو هيبة أن السبب وراء هذا القرار قد يعود الى انحياز الحكومة المصرية للقنوات الدينية السلفية المتشددة. لأن القنوات الدينية المسوح لها بالبث من مصر مثل (الناس) و (الرحمة) لا تخوض في مواضيع سياسية مثلما تفعل هذه القناة. والملاحظ بالفعل أن المواضيع المهيمنة على برامج تلك القنوات المتشددة تتعلق بالمرأة والعائلة، وهي تروج لتفسير حرفي للنصوص الدينية ولإسلام غير متسامح. ويُرجع أبو هيبة كثرة القنوات التي تتبنى هذا الاتجاه إلى أن عددا من أثرياء الخليج يتنافسون فيما بينهم على تأسيس قنوات تلفزوينية، لكن باستثناء قناة (الناس) فإن باقي تلك القنوات ليس لها عدد كبير من المشاهدين. ويعرب أبو هيبة عن افتخاره بما أنجزه الإعلام الإسلامي الجديد في السنوات العشر الماضية قائلا: "لقد نجحنا في الترويج للإسلام كطريقة للحياة". ويعترف أبو هيبة في الوقت نفسه أن عددا كبيرا من الشباب يعتنون بالمظاهر الخارجية للتدين فقط ويقول: " ما دامت حماسة الفتيات للذهاب الى السوق من أجل شراء حجاب جديد أكبر من حماستهن لتأدية صلاة الفجر فنحن لم نحقق هدفنا بعد". ويشير أبو هيبة الى أن أسلمة المجتمع تمر عبر مراحل، وحتى الآن استطاعت فئة قليلة فقط من الشباب تجاوز مرحة التدين الشكلي والعبور الى التعميق في القيم الدينية وتطبيقها.
التعليم بدل حفظ القرآن
ينظر محمد حامد، الذي يُعتبر أيضا من مؤسسي ظاهرة "بوب إسلام"، بعين الشك إلى التدين الشكلي ويخشى من أنه قد يؤدي إلى نسف كل الجهوذ التي بذلت حتى الآن من أجل نجاحها. ويشير إلى أن "هذا هو السبب وراء إقدام عدد من الفتيات المتعلمات على خلع حجابهن، فقرارهن باتخاذ الإسلام كطريقة حياة كان نابعا من رغبتهن في العيش حياة أفضل. لكنهن اكتشفن من بعد أن الأمر يدور حصراً حول الحجاب ومن تجوز مصافحته أو لا... لقد شعر البعض منهن بالإحباط، فليس من أجل هذا تخلين عن الحرية والرحلات التي كن يسمتعن بها قبل ارتدائهن الحجاب".
قبل نحو عشر سنوات افتتح محمد حامد في مختلف المدن المصرية مراكز لحفظ القرآن. والآن تم توسيع مجال نشاط هذه المراكز عبر تقديم دروس كمبيوتر وعلوم اجتماعية. ويوضح محمد حامد أن هذا التطور جاء "بعد أن رأينا أنه لا يكفي من أجل إصلاح المجتمع أن يحفظ الناس القرآن وإنما علينا أن نطور ثقافتهم بالدرجة الاولى".
أما نجم الدعاة الجدد عمرو خالد فقد استطاع عبر (مجددون) إنتاج برنامج ترفيهي محترف يتناول مشاكل المجتمع ويجلب في الوقت نفسه الشباب المتعلم والناجح ويضعهم أمام مسؤوليتهم بالدفع بالصحوة الإسلامية إلى الأمام. ولعل أهم جديد قدمه "مجددون" ـ إلى جانب عدم التركيز على الفائز بالجائزة ـ هو إعلان عمرو خالد في حوار مع صحيفة المصري اليوم أنه لن يستطيع تمثيل الشباب طويلا بعد بلوغه 42 عاما. بكلمة واحدة: عمرو خالد يبحث عن خلف له.
صحافية ألمانية وباحثة في قضايا الشباب المسلم تقيم في القاهرة.
ترجمة: عادل القدسي
معهد غوته ومجلة فكر وفن
حزيران 2010








