هل الألمانية خليط لغوي؟
تأثير اللاتينية والإنجليزية والفرنسية على تطور اللغة الألمانية

أستاذ جامعي: نقش على الحجر. فيينا، متحف تاريخ الفن لا يمكن لأي لغة في العالم، في زمن العولمة، أن تحافظ على نقائها المطلق والبدائي. على أنه يجدر بنا السؤال ما إذا كان هناك أصلاً مثل ذلك النقاء أم أنه مجرد فرضية أو أمنية. أوفه بوركسن يحلل انطلاقاً من تاريخ اللغة الألمانية كيفية تأثر لغة ما بلغات أخرى.

لدى تأسيس الجمعية البرلينية للعلوم، المجمع العلمي في وقت لاحق، أكد لايبنيز Leibniz، الذي ساهم إلى حد كبير بتأسيسها في التعليمات العامة، أن الجمعية تتعهد " بالحفاظ على اللغة الألمانية الرئيسية البالغة القدم بنقائها الطبيعي والخالص وقوامها الذاتي لمنع تحوّلها في النهاية إلى خليط غير منطقي وواضح." وكان لايبنيز يقصد اختلاط اللغة الألمانية بالفرنسية في عصره. على أن اللغة الفرنسية ظلت لفترة طويلة وحتى أواخر القرن الثامن عشر لغة المحادثات في الأكاديمية البروسية التي أسّست عام 1700. كان ذلك في عهد اعتاد فيه فريدريش الثاني خلال وجوده في معسكره قراءة راسين في الصباح الباكر وحفظه عن ظهر قلب مؤكداً أنه ليس هناك ما تجدر تسميته بالأدب الألماني.

فهل تتكرر تلك الظاهرة؟ هل " لغتنا الألمانية الرئيسية البالغة القدم " مهددة من جديد بالزوال؟ هل نشهد مجدداً نشأة خليط لغوي غير واضح؟ هل يتم تغيير معالم لغتنا وإعاقة تطورها في بعض الحقول والنيل من " قوامها الذاتي "؟ هل تصبح اللغة الإنجليزية في الأجيال القادمة لغة عالمية تجعل سائر اللغات القومية الأخرى مجرد لهجات مقارنة بها؟ ثمة تكهنات بذلك.

كان لايبنيز يكتب عادة باللغة اللاتينية أو الفرنسية. ولقد طالب بالحفاظ على اللغة الأوروبية الجامعة التي تضمن تواصلاً دائماً مع الخلف. بعد وفاة لايبنيز صدرت مقالته التي ألفها في فترة تأسيس الجمعية والتي أودعت الأدراج آنذاك وهي بعنوان " خواطر غير مستبِقة حول أداء وتحسين اللغة الألمانية ". ولقد استهل لايبنيز مقالته بالجملة المعبّرة التالية: " من المعروف أن اللغة مرآة العقل وأن الشعوب حين تسمو بتفكيرها تحسن أداء اللغة كما يدل عليه مثال اليونان والرومان والعرب." إن موقف لايبنيز موقف عالم وطني وتنويري جعل اللغة محور اهتمامه: " إن أداء اللغة أداء جيداً، أي أن لغة ذات بنية متطورة، تعني توسيعاً عاماً للأفق." وفي موضع آخر يقول: " العلم بمثابة النور وإنه لمن مصلحة الجميع أن يشع على كافة الأفراد."

" خواطر غير مستبِقة " جرد ناقد للغة الألمانية يكشف عن ثغرات هامة في مفردات اللغة الألمانية المعاصرة. وإذ يلاحظ لايبنيز قصوراً بالغاً في مضمار العلوم التجريدية، في "فن الحكم"، أي السياسة في ذلك العهد، وفي علم الأخلاق وفي حقل المشاعر والأحاسيس، يطالب بتطوير لغة النثر في هذه المجالات العلمية وبأعمال معجمية واسعة. فقام بوضع برنامج عمل معجمي لم يتم تجاوزه حتى اليوم. في الختام يتساءل لايبنيز: ما هو " المطلوب من اللغة لاستخدامها استخداماً متواصلاً؟ " أو " ما هي الميزات الثلاث المطلوبة من اللغة؟ ". الميزات المطلوبة هي حسب تعبيره: " الغناء" والنقاء" والبهاء". ولقد لازم هذا الثلاثي الأصيل تطور اللغة طيلة القرن التالي فعبر غوتشيد، لسان حال لايبنيز، عنه بصيغة مشابهة: " الغناء" و"الوضوح"- بمعنى مفهوم- و"الإيجاز أو قوة التعبير".

ويمكن اعتبار "خواطر غير مستبِقة" للايبنيز من أهم المقالات في تاريخ اللغة الألمانية نظراً لتعمقها في خاصية اللغة وتأثيرها البعيد عليها. فلقد عبرت المقالة عن عدم رضى عام وقلق سائد. وفي وصفه لتطور اللغة في القرن الثامن عشر كتب إيريك بلاكال: " عن عدم الرضى ذلك انبثقت إحدى أهم لغات الأدب في أوروبا الحديثة [...] بيد أن ذلك لم يكن أعجوبة، بل جاء نتيجة عملية تطوير دؤوبة ساهمت مختلف القوى في دفعها."


تأثير اللغة الإنجليزية

نحن الان بإزاء ظروف تاريخية مختلفة تماماً. فقوام اللغة الألمانية الذاتي لم يعد موضع شك. حيث أن اللغة الألمانية شهدت تطوراً متعدد النواحي وباتت ذات بنية متينة وقابلة للدمج. على أن ثمة تحول خطير قد حدث في هذه الأثناء دونما ضجة. فلقد أصبحت اللغة الإنجليزية بلا جدال اللغة العالمية الأولى وبمثابة اللغة المشتركة " Lingua franca". فبلدنا اليوم ثنائي اللغة إلى حد كبير. ناهيك عن التعدد اللغوي فيه وتواجد جماعات ناطقة بلغات مختلفة؛ إلا أن هذا موضوع آخر . الموضوع الذي نحن بصدده الآن هو احتكاك الألمانية بالإنجليزية.

إن معظم العلماء الألمان ينشرون اليوم أعمالهم باللغة الإنجليزية. وعندما يهم المجمع الألماني للغة والشعر بمنح جائزة سيغموند فرويد السنوية للنثر العلمي يجد نفسه أزاء عدد متناقص من الفروع العلمية. فبينما كان العلماء الألمان الحائزون على الجوائز، من أمثال أدولف بورتمان وفرنر هايزنبرغ وكارل فريدريش فون فايزيكر، يكتبون باللغة الألمانية عادة، أخذ العلماء الألمان المختصون في العلوم الطبيعية الذين جاؤوا بعدهم يؤلفون باللغة الإنجليزية.

كذلك في المؤسسات الصناعية والاقتصادية غلب في الآونة الأخيرة استخدام الإنجليزية، مما دفع اتحاد صناعة البراغي مؤخراً إلى اعتماد اللغة الإنجليزية.

أما مجال التقنية، على الأخص تقنية الاتصالات، فهو بلا شك أهم مجالات هذا العصر العالمي ولديه استعداد كبير لاستخدام المصطلحات الدولية. على أنه من الواضح أن عمليات الاقتباس لا تتم لأسباب لغوية وقلما تعود إلى عجز في اللغة المقتبِسة. إن أهم أسباب الاقتباس اليوم هي:1) تفوق البلد المجاور، 2) تقدّمه الثقافي واللغوي، أي التباين الثقافي، 3) المكانة التي يتمتع بها والانبهار الذي يدعو إلى تقليده والأهم من ذلك: 4) متطلبات الاتصالات الدولية والمعطيات التقنية التي تم تحقيقها في هذا المجال. من هناك ظواهر ذلك التحوّل اللغوي في استخدام اللغة اليومي: فلدى قضاء العطلة في جزر الكناري كثيراً ما يكون الطقس رائعاً لدرجة أننا نلغي ‹ cancel › الرحلة ‹ Flight › ونضطر لشراء تذكرة جديدة ‹ Ticket ›. أما عندما نستقل القطار فلم يعد يسترعي انتباهنا أننا نسافر بقطار ‹ Intercity ›، الرابط بين المدن الألمانية والأوروبية المجاورة، فيجري الترحيب بنا على متنه ‹ Bord ›. وفي ردهة المحطة لوحة تفيدنا بأوقات الإقلاع ‹ Departure › وجناح خاص حيث يمكننا التمتع والانتعاش بتناول مشروب بارد ‹ cool drinks ›. وعندما نهمّ بمغادرة المحطة، هناك لافتات من شأنها أن تدلنا على الطريق إلى مركز المدينة ‹ City ›.
كما حلّ اليوم الحاسوب ‹ Computer › محل الآلة الكاتبة وأصبح استخدام " الإنترنت ‹ Internet › واللابتوب ‹ Laptop › وجهاز البيمر ‹ Beamer › والعرض ‹ PowerPoint › أمراً عادياً.

ماذا يعني إذن هذا التطور بشكل عام؟ وأي انطباع يتولد لدينا إذا ألقينا نظرة إلى الوراء وتأملنا مسار تطور اللغة الألمانية؟ هل ستصبح لغتنا على المدى البعيد، إذا لم يتم توسيعها في المجالات المتزايدة الأهمية في الحياة العامة ولم تنجح في مواكبة التطور العالمي، أشبه بلهجة؟ علماً بأن عدم تطوير اللهجات في مجالات الحياة العامة هو ما يضفي طابع الحميمية عليها.

أيمكن اعتبار عملية الاقتباس بمثابة فرصة مزدوجة: هل من الحكمة ومن المفيد على المدى البعيد استخدام الإنجليزية في مجال العلوم والاقتصاد وتقنية الاتصالات لأن اللغة الإنجليزية تعني اللحاق بركاب التطور، وكلما ازداد إتقاننا للغة الإنجليزية كلما كان ذلك أفضل، خاصة بالنسبة لتطوير وتحسين اللغة الألمانية؟

هل الاقتباسات العديدة التي دخلت اللغة الدارجة وذلك الخليط اللغوي الجديد في صالح اللغة الألمانية لأنه يقوم بإعدادها لمستقبل متوقع؟


أسطورة اللغة الواحدة

ارتأيت معالجة هذا الموضوع على نسقين: أولاً إلقاء نظرة على التاريخ ومن ثم التطرق للحاضر.

والسؤال الذي أنطلق منه هو: ما هي نقاط التماس اللغوية الهامة في تاريخنا؟ كيف كانت ردة فعل الجماعة الناطقة باللغة الألمانية عليها؟

لكني أود بادئ ذي بدء طرح سؤالين والتطرق لحكمين مسبقين مبهمين لاعتقادي أنهما يعيقان النظر في هذا الموضوع: ما الذي يتعرض للتأثير من جراء الاقتباس من لغات أخرى؟ هل تتأثر اللغة كهيكل وكنظام أم استخدامها المغاير؟ إن اللغة كنظام مركّب اجتماعي مرن يتمتع بقابلية فائقة للاستيعاب، وهذا ما يجعله المركب الأكثر مناعة ومحافظة والأكثر قدرة على التجدد في الوقت نفسه. فاللغة تعمل بواسطة خدعة فنية بسيطة؛ إذ أنها تسمح، من خلال وسائل محدودة، حسب تعبير فيلهلم فون هومبولد، باستخدامات غير محدودة. فهي تعمل بواسطة وحدات دلالية مرنة، الكلمات، وبواسطة قواعد ربط مرنة أيضاً، النحو. إن هذا الهيكل، أي المفردات والنحو، يسمح باستخدامات مختلفة للكلمة فيتداولها الناس فترة من الزمن إلى أن تصبح معياراً اجتماعياً تقوم الجماعة الناطقة بتلك اللغة بتقبله أو برفضه.

الحكم المسبق الآخر الذي يعيق النظر هو الاعتقاد بأن هناك لغة متداولة بالغة القدم ومكونة من مواد موحّدة. بيد أن منطقتنا لم تكن يوماً أحادية اللغة، ومن المرجح أن لغتنا لم تكن في أي زمن مضى وحدة متجانسة. فالاعتقاد بأن الإنسان بطبيعته كائن ناطق بلغة واحدة يستمد منها هويته، لغته الأم، وأن سائر اللغات الأخرى لغات أجنبية بالنسبة له، ما هو إلا أسطورة لفقتها إيديولوجية الدولة القومية. كما أن الاعتقاد بأنه كانت توجد في الأصل لغة نقية لم تختلط بلغات أخرى أمر يصعب إثباته في تاريخ البشرية.

ولدى دراسة تاريخ اللغة الألمانية، من وجهة نظر معينة، يتبين لنا كيف تأثرت هذه اللغة بالاحتكاك الشديد مع لغات أخرى؛ فيتضح لنا كيف تطورت تحت وقع هذا التأثير مستفيدة من الاقتباس، وكيف بلورت في حركة عكسية معالمها الخاصة وقوامها الذاتي. ويمكن ملاحظة حدوث الأمرين على التوالي لدى احتكاك اللغة الألمانية باللاتينية وبالفرنسية. هذا ما سأحاول تبيانه في عشر نظريات تشمل أكثر من ألف سنة. فأرجو المعذرة لعدم تطرقي لكافة التفاصيل.


نظريات حول التعدد اللغوي في الألمانية:

1- إن ازدواجية اللغة أمر عادي في تاريخ حضارات العالم؛ ولقد كانت اللغة اللاتينية المكتوبة وثقافتها الشفهية الند الأقوى للغة الألمانية، وعلى ما يزيد عن ألف عام (القرن الثامن – القرن الثامن عشر).

ينطبق ذلك على معظم اللغات الأوروبية المتداولة. وللأسف لا توجد لغاية اليوم دراسة مقارنة لتاريخ اللغات الأوروبية تلقي الضوء على الكثير من النقاط المتعلقة بهذا الموضوع. ولقد نشر كورت فلاش في مجلة فاليريو (2005) مقالة بعنوان " اللاتينية والعامية. سابقة تاريخية " كتب فيها: " لم يكن هناك يوماً حضور أكبر لأوروبا". ويمكننا، فيما يتعلق بالتناظر ما بين اللغة المتداولة شفوياً ولغة الكتابة المغايرة، القول إن الحال في الصين والهند والتيبت وجاوة والعالم العربي والفارسي لا يختلف عما هو في أوروبا.

2- الاحتكاك باللغة اللاتينية كان له أكبر تأثير على اللغة الألمانية.

ولقد انعكس:

- في توزع اللغتين على مجالات اجتماعية مختلفة، أي ازدواجية اللغة .››Diglossie‹‹فاللغة اللاتينية المستخدمة في الكنائس والأديرة، في مجال الحقوق والجامعة فيما بعد وفي الإدارة والعلاقات الدبلوماسية وفي معظم ألوان الشعر، كانت لفترة طويلة وإلى حد كبير بمثابة الند بالنسبة للغات المتداولة والشفوية غالباً. ولقد تجلى هذا التناظر اللغوي:

- كثنائية لغوية وخليط لغوي لدى الأفراد. ففي " مسامرات حول المائدة" نجد قول مارتن لوثر المشهور فيما يخص لغته الألمانية: " أتكلم بلغة الديوان السكسونية التي يقلدها جميع حكام وأمراء ألمانيا؛ كل المدن الخاضعة للامبراطورية وبلاطات الأمراء تكتب بلغة ديوان أميرنا السكسونية، إنها لغة ألمانيا المشتركة. ذلك أن لوثر كان ثنائي اللغة، ولم يقتصر ذلك على " مسامرات حول المائدة" بل كثيراً ما كان لوثر ينتقل من الألمانية إلى اللاتينية وكأنه يتنقل عبر باب مفتوح بين غرفة وأخرى.

- في النحو. في هذا المضمار الواسع يتضح مدى تأثير اللغة اللاتينية. فاستخدام فعل "أصبح" ››werden‹‹ مثلاً للتعبير عن المستقبل عائد إلى تأثير اللاتينية. إذ أنه لغاية أواخر العصور الوسطى (منتصف القرن الثالث عشر- آخر الخامس عشر) لم تكن يوجد في قواعد اللغة الألمانية طريقة للتعبير عن المستقبل من خلال الأفعال. وكان التعبير عنه يتم بواسطة ظرف الزمان كـ "غدا"ً أو " السنة القادمة" مثلا.

- على الأسلوب. تطورت اللغة العلمية تحت وقع ذلك التأثير فأصبح يجري استخدام المصطلحات اللاتينية واليونانية في نصوص علمية كتب متنها باللغة الألمانية. مما دعاني إلى تشبيه المصطلحات اللاتينية واليونانية في مثل تلك النصوص بدعائم الجدران.

- في ازدياد عدد مفردات اللغة الألمانية؛ إذ من الصعب تقدير حجم هذه الزيادة التي شملت الأفعال والصفات والأسماء على السواء. وهنا علينا الإشارة إلى أنه ومنذ ألف عام تراجع استخدام الكلمات اللاتينية المقتبسة وترجماتها.

3- إن لغة لوثر الألمانية لم تنشأ عن تطور مستقل لثقافة اللغة المحكية الشفهية التي كان يملك حساً مرهفاً بها، بل تكونت استناداً إلى ثقافة لغة الكتابة اللاتينية أي أنها كانت لغة مصطنعة.

كذلك لغة باراسيلزوس Paracelsus الألمانية، فإنها تبدو في الكثير من الأحيان وكأنها الوجه الآخر للغة اللاتينية. وحتى لغة تيودور مومزن Theodor Mommsens ، وهو أول ألماني حاز على جائزة نوبل للآداب، تذكرنا باللغة اللاتينية أيضا؛ خصوصا صياغة الجملة لديه حين يصف عهد الامبراطورية الرومانية.

4- في القرن السابع والثامن عشر، وإلى حد ما في القرن التاسع عشر، أصبحنا ثلاثيي اللغة؛ إذ شاع استخدام اللغة الفرنسية إضافة إلى اللاتينية.

في القرن السابع عشر، في عهد لويس الرابع عشر وتأسيس الأكاديمية الفرنسية، تمتعت اللغة الفرنسية بتأثير بالغ. فأخذ الناس يقلدون الفرنسيين في البناء وتنسيق الحدائق وفي لباسهم وطعامهم وكلامهم. وكانوا مولعين باللغة الفرنسية، فغصت النصوص الألمانية في بعض الأحيان بالعبارات الفرنسية لدرجة أن استخدام اللغة الإنجليزية الشائع اليوم يبدو تافهاًً إذا ما قارناه باستعمال الفرنسية آنذاك. فكتب لايبنيز، وهو ما زال في مقتبل العمر: "إني أستشهد بما تقدمه لنا تلك المعارض النصف السنوية التي يختلط فيها الحابل بالنابل لدرجة أنه يبدو أن بعضهم لا يفكر البتة قبل أن يكتب. كأن بعض هؤلاء الناس قد نسي لغته الألمانية ولم يتعلم الفرنسية قط".

5- كان للغة الفرنسية تأثير بالغ على الألمانية. ويرى بيتر فون بولينز في تاريخ لغته الرائع (الصادر في 3 مجلدات) أن إشراك ألمانيا في الثقافة الأوروبية الغربية الحديثة جاء نتيجة هذا التأثير. أدت عملية الاقتباس من الفرنسية، على نحو ما حدث فيما يخص اللغة اللاتينية، إلى ازدواجية لغوية. فهيمنت اللغة الفرنسية في عدد من المجالات الهامة وشاع استعمالها في البلاط والطبقة الأرستقراطية وفي مجال العمارة وتصميم الحدائق وبعض الفروع العلمية والفلسفة بالإضافة إلى المحادثة وكتابة الرسائل. ولقد قدر يواخيم كامبه نحو عام 1800 عدد الاقتباسات من اللاتينية والفرنسية بخُمس مفردات اللغة الألمانية. في " معجم لشرح وألمنة العبارات الدخيلة على لغتنا من 1801 و1813" حاول كامبه ألمنة آلاف العبارات، فنشأ عن تلك المحاولة معجم مثير للاهتمام. على أن معظم تلك الكلمات المترجمة لم يكتب لها الدوام. وما يسترعي الانتباه هو أن الكلمات المسماة دخيلة أو أجنبية ما زالت متداولة أيضاً. أي أن كامبه لم ينجح تماماً في مسعاه، فالكلمات التي قام بنقلها إلى الألمانية أدت إلى إثراء اللغة ولكنها لم تطهرها من العبارات الدخيلة. إذ أن لكل من الكلمتين رنينها الخاص ويجري استخدامها في أسلوب إنشائي مختلف، كما أن لهما عند التدقيق معنى مغاير. ويمكن اعتبار هذه الكلمات مثالاً لعدم وجود المرادفات. كانت مبادرة كامبه في الأصل مبادرة تنويرية تهدف إلى جعل الألمانية لغة شفافة للجميع بإزالة الحوجز اللغوية التي من شأنها أن تعيق الفهم. وبذلك يصح اعتباره تلميذاً للايبنيز. على أن ألمانيته المجردة من الكلمات الأجنبية تبدو مجدبة بعض الشيء.

ابتداء من حملات نابوليون بونابرت في بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين شهدت اللغة موجات من التزمت مدعومة بدوافع قومية؛ ولقد كان غوته دوماً خصمها اللدود: " إن قوة لغة ما لا تكمن في صدّها لكل ما هو غريب عنها بل باستيعابها له." و" إني أنبذ كل تزمت سلبي يقول بعدم استخدام كلمة عبرت لغة أخرى عن فحواها بلفظ أبلغ أو أرق."


الماضي والمستقبل

نتطرق الآن لوجهة النظر الثانية المذكورة أعلاه، والمتعلقة بالدور الفعلي الذي قامت به اللغة الألمانية لتطوير قوامها الذاتي:

6- ابتداء من أواسط العصور الوسطى، جرى على دفعات تطوير " لغة أدب " ألمانية قائمة بذاتها، أي لغة ثقافة كتابية.

مرّت لغة الأدب بأخصب مراحلها في عهد سلالة الشتاوفر Stauferzeit نحو 1200 وفي النصف الأول من القرن السادس عشر وفي القرن الثامن عشر وهي الحقب التي شهدت تغيراً هاماً فيما يخص حملة الثقافة ورواد اللغة.

7- إن الاستخدام " الدائم" " والموحد" للغة الذي طالب به لايبنيز تحقق استناداً إلى اللغة اللاتينية والفرنسية وكنظير لهما، وذلك بغض النظر عن نشأة دولة حديثة ودونما مؤسسة مركزية أو مجمع علمي أو إشراف لغوي.

ذلك أننا منذ أمد طويل، قبل حروب بيسمارك التوحيدية وقبل أن تنشأ دولة ألمانية، كنا قد أصبحنا لغوياً أيضاً أمة ثقافية.

إن إدراك وجود خلل لغوي في القرن السابع عشر، أي أن الدراسات الناقدة والمحللة للغة التي أسفرت عن أعمال معجمية ونشاطات لغوية في الجمعيات والمجلات بالإضافة إلى ترجمات النثر والشعر كانت عاملاً هاماً في تاريخ تطور اللغة. ولقد قام غوتشيد بدور فعال في هذا المضمار، فقدم في النصف الأول من القرن الثامن عشر أعمالاً هامة في اللغة والشعر والخطابة. في ختام تلك العملية باتت اللغة الألمانية لغة موحّدة ومتطورة في شتى المجالات، كما أصبحت متنوعة وشفافة وواضحة عموماً، ليس على صعيد الشعر فقط، بل النثر أيضاً. ورغم أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن " نقاء " اللغة، يبدو أننا حققنا مطلب لايبنيز الثلاثي: غناء اللغة من كافة النواحي تقريباً، الوضوح العام والعلم بصياغة اللغة أي الأسلوب. على أن كارل غوستاف يوخمان، الناقد اللغوي الهام، اكتشف في بداية القرن التاسع عشر نقصاً هاماً في مضمار مشاركة المواطنين السياسية.

8- إن عملية التطوير التي أدت إلى تلك النتائج كانت عملية فعالة أدركت جهات مختلفة أهميتها وساهمت في دفعها.

ويبدو أنه جرى التركيز على أعمال الترجمة – فاكتسبت إنكلترا في هذا المضمار أهمية كبيرة – بالإضافة إلى تطوير لغة النثر العلمي ومختلف ألوان الأدب.

9- لمدة مئة وخمسين سنة تقريباً، منذ بداية القرن التاسع عشر ولغاية الستينات في القرن العشرين، كان بلدنا أحادي اللغة نسبياً، إذ شاع استخدام الألمانية في كافة المجالات تقريباً.

فتبلورت لغة نثر علمية ما لبثت أن وضعت في متناول عامة الناس وأصبحت جزءاً من المعرفة العامة وأخذت تعتبر في الكثير من الحالات، إضافة إلى محتواها العلمي، بمثابة لون أدبي خاص.

10- منذ ما يقارب النصف قرن بدأ احتكاك لغوي ثالث: الاحتكاك باللغة الإنجليزية؛ ومن المرجح أن يكون ذا تأثير بالغ بعيد المدى.

أوفه بوركسن
عمل أستاذا للغة والآداب القديمة في جامعة فرايبورغ بألمانيا.

ترجمة: ماجدة بركات
معهد غوته ومجلة فكر وفن
يونيو 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي