تونس

٠١.١٢.٢٠١٩

المياه هي الحياة5 د ضغط المياه: طريق لاتباعه في القرن الحادي والعشرين

صورة لنهر جاف تقريبًا مملوء بالمياه الصناعية الملوثة. ©دكتورة روضة جافريج

ﻷن الماء هو الحياة ومحرك التطوير بذلت تونس منذ استقلالها في ١٩٥٦ جهوداً ضخمة في مجال استغلال المياه لكي تسد احتياجاتها من ماء الشرب والري وأيضاً في مجال حماية البيئة من خلال الصرف الصحي. بالفعل نسبة توزيع مياه الشرب بتونس هي اﻷعلى في شمال إفريقيا وكذلك نسبة توصيل المساكن بشبكة الصرف الصحي. هل تكفي تلك المجهودات كون تونس بلداً زراعياً وبالتالي معتمد على المياه وفي مواجهة التحديات التي يفرضها تسارع التغير المناخي؟

في تونس تقع مسؤولية توزيع مياه الشرب على عاتق الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في المناطق الحضرية والإدارة العامة للهندسة الريفية واستغلال المياه في المناطق الداخلية التي كان يُطلق عليها "المناطق الريفية". بفضل وعيها بأهمية حماية البيئة أنشأت تونس مؤسسات فعالة مبكراً وقبل إنشاء وزارة البيئة نفسها، وأصدرت عدة قوانين ومعايير تحكم تصريف المياه العادمة والنفايات في البيئة.
 
في عام ٢٠١٦ وصلت نسبة توزيع مياه الشرب إلى ٩٧٬٧% واحتلت تونس المكانة اﻷولى بين دول شمال إفريقيا، ولكن في المناطق الداخلية كان المتوسط ٩٢٬٢% في عام ٢٠١٤. يوجد فارق كبير ومناطق تعاني من العطش مثل ولاية القصرين حيث أكثر من ١٢ ألف شخص لا تصلهم مياه الشرب، وفي فترات الجفاف يصبح توزيع المياه إشكالياً حتى في المناطق الحضرية.
 
 من ناحية الصرف الصحي اتبعت تونس سياسة تهدف إلى تطوير المجال من أجل تحسين مستوى معيشة السكان بأكملهم وخاصةً استطاعة الاستفادة من منتجات التنقية الثانوية (الأطيان الجافة كسماد زراعي أو لإنتاج الكهرباء أو ببساطة غاز للطهي). بفضل الدعم الحكومي تم ملاحظة تحسنات واضحة على مستوى الصرف الصحي في المدن ولكن لم يلحظ نفس التحسن في المناطق الداخلية. في المجمل نسبة ربط المساكن بشبكة الصرف الصحي زادت من ٧٣٬٨% عام ٢٠٠٤ إلى ٨٩٬٨٦% عام ٢٠١٥ (أيضاً فوق المستوى المتوسط بمنطقة شمال إفريقيا).
 
  • سد جاف، قاعه مغطى بالسمك النافق. ©دكتورة روضة جافريج
    تنظيف سد – يوليو ٢٠١٨
  • منطقة جافة، وحوض إعادة تغذية بالمياه الجوفية في الوسط، مملوء بالخضرة. ©دكتورة روضة جافريج
    تغذية سبخة قربة بمياه الصرف المعالجة
  • صورة مأخوذة من جسر يطل على نهر ملوث تلونت مياهه بلون رمادي مائل للبني. © دكتورة روضة جافريج
    تلوث وادي مجردة – أغسطس ٢٠١٧
  • صورة لنهر جاف تقريبًا مملوء بالمياه الصناعية الملوثة. ©دكتورة روضة جافريج
    القصرين – تلوث المياه الصناعية- يناير ٢٠١٧
  • صورة لغابة بعد اندلاع حريق فيها. © دكتورة روضة جافريج
    حريق في غابة سد المولى – أغسطس ٢٠١٧

 حال الموارد المائية والبيئة


في الحقيقة تونس بلد فقير الموارد التقليدية كالمياه. ﻷنها تقع بشكل كبير في منطقة جافة فحصة المواطن السنوية من المياه تقع منذ أكثر من ثلاثين عامٍ تحت خط نقص المياه التام (٥٠٠ متر مربع في السنة للمواطن).
 
حالياً تم استغلال ٩٢% من امكانيات المياه السطحية مما يشكل خطراً على الأنظمة البيئية المعتمدة على الموارد المائية. كمثالٍ تم بناء ستة سدود كبيرة على الستة مجاري المائية الأساسية حول بحيرة اشكل، وبالتالي حرمت البحيرة من الموارد التي كانت تغذيها لتضمن توازنها وتقلصت بالذات أعداد الطيور المهاجرة التي كانت تعتمد عليها.
 
خلال أكثر من ٢٥ عامٍ خصص ألف مليون دينار لأعمال الحفاظ على المياه والأراضي كتغيير مجرى المياه وخلق مناطق انتشار. الهدف من هذه اﻷعمال كان زيادة اﻹنتاج الزراعي من خلال الحفاظ على خصوبة التربة وتقليل خسائر اﻷراضي وبالتالي التآكل وخطر تراكم الرواسب في السدود. بالرغم من ذلك التآكل يهدد اليوم ثلاثة ونصف مليون فدان ويضيع ٢٥ مليون متر مكعب من المياه سنوياً بسبب الرواسب في السدود. حتى لا ننسى، تعتبر التربة كمخزن للمياه  ذات أهمية قصوى للزراعة البعلية وبالتالي للاقتصاد التونسي، حيث تحصل تونس على٣٦ مليار متر مكعب سنوياً يشكل فقط ٤٬٢ كم مكعب موارد متجددة بينما ١١٬٣ كم مكعب يأتون من المطر وتحتفظ بهم التربة والغابات والمراعي.
 
أكثر من أربعة أخماس (٨٢%) من المياه المستغلة تخصص للري الزراعي الذي يغطي فقط ٤% من اﻷراضي الزراعية. كما تأتي ٨٠% من احتياجات مجال الري من الماء من المياه الجوفية حيث نشهد استغلالاً مفرطاً مثير للقلق بسبب انتشار أعمال الحفر غير القانونية التي تسبب تدهور جودة المياه الجوفية (بسبب التداخل مع ماء البحر مثلاً) وبالتالي تملح التربة.
 
ضعف تغطية شبكة الصرف في المناطق الداخلية يسبب تلوث البيئة (الوديان، إلخ) بسبب تصريف المياه العادمة. من جهةٍ أخرى توفر فقط ٥٠% من محطات النقية مياه معالجة تتوافق مع معايير التصريف مما يسبب تلوث البيئة وحتى البحر وهو نقطة التصريف النهائية للمياه المستعملة المنزلية.
 
من المهم اﻹشارة إلى أن اﻹجهاد المائي في تونس يتم التعبير عنه مع تجاهل عنصرين رئيسيين: الأول يتعلق بحقيقة أننا لا نحيى فقط من المياه التي يتم تعبئتها بالسدود أو المياه الجوفية ولكن أيضًا من مياه الأمطار التي تحتفظ بها التربة للزراعة البعلية والرعي. يتعلق المكون الثاني بالطلب الإجمالي على المياه في تونس  والذي يتم ضمانه من خلال استيراد مختلف منتجات الأغذية الزراعية (القمح والسكر وغيرها) وغيرها من المنتجات التي لا يتم إنتاجها في البلاد. تمثل هذه المياه المستوردة من خلال التجارة في تونس ثلث إجمالي الطلب على المياه في البلاد، وبالإضافة إلى ذلك فإجمالي الطلب على المياه في البلاد أعلى بنسبة ٦٥% من المتوسط العالمي، مما يشير إلى هدر كبير على مستويات مختلفة من عملية الإنتاج. يشير المعهد القومي للاستهلاك إلى أن نفايات الطعام تكلف كل تونسي ٦٨ دينار في الشهر أو ١٨% من نفقات التغذية.
 
  • رجلان ينزلان مستوعبات مائية كبيرة من شاحنة  ويضعانها بشكل رأسي على الأرض . © دكتورة روضة جافريج
    سوق المياه – أبريل ٢٠١٨
  • شاحنة تسير في الشارع، ويظهر في جزئها الخلفي مستوعب كبير من الماء . ©دكتورة روضة جافريج
    سوق المياه – أبريل ٢٠١٨
  • معالم طبيعية، وجبال في الخلف، وتظهر بحيرة ملوثة في الأمام. © دكتورة روضة جافريج
    تلوث بحيرة غار الملح – أبريل ٢٠١٩
  • لقطة قريبة لنهر ملوث، سطحه مغطى بمادة خضراء. © دكتورة روضة جافريج
    تلوث عبر مياه الصرف من القاع القديم لوادي مجردة في غار الملح – أبريل ٢٠١٩
  • طبيعة جافة، وبناء إسمنتي يظهر في أمامية الصورة الهدف منه تجميع مياه الأمطار. © دكتورة روضة جافريج
    استعادة مياه الأمطار – قابس – أغسطس ٢٠١٧
  • لقطة قريبة لإنبوب بلاستيكي في الماء مغطى بالطحالب . ©دكتورة روضة جافريج
    الاستخدام غير الشرعي لمياه القطاع العام
 

التغير المناخي: عقبة إضافية

 
تتفاقم هشاشة الوضع المائي في تونس واعتماد اقتصادها على مياه الأمطار بسبب آثار تغير المناخ المباشرة وغير المباشرة على قطاعات النشاط التي تعتمد بشدة على المياه وعلى النظم البيئية التي تضعف بالفعل بسبب التلوث البشري بمختلف أنواعه. تشير النماذج المناخية التي يدرسها المعهد الوطني للأرصاد الجوية إلى أنه في سيناريو متوسط سنشهد زيادة في درجة الحرارة تزيد على درجة مئوية واحدة بحلول عام ٢٠٥٠وأكثر من درجتين بحلول عام ٢١٠٠، بينما قد ينخفض هطول الأمطار بنسبة ٢٠٪ بحلول عام ٢١٠٠، وستصبح الأحداث الشديدة مثل الفيضانات والجفاف والأمواج الحرارية أكثر تواتراً.
 
وبالتالي فإن توافر المياه مهدد بشدة، فزيادة درجة الحرارة تؤدي إلى زيادة تبخر مخزون المياه وجفاف الأراضي وزيادة الطلب على المياه في جميع القطاعات. إن انخفاض هطول الأمطار والزيادة في الجفاف لهما عواقب وخيمة على تجدد المياه الجوفية وتوافر مياه الشرب والري وكذلك الزراعة البعلية.
 
لقد أدى هذا الوضع إلى الاستغلال غير المسموح وغير القانوني للمجال الهيدروليكي العام وصل إلى استخدام المياه العادمة الخام لأغراض الري وظهور سوق لمياه الشرب وزيادة النزاعات على استخدامات المياه. وقد لوحظ تدهور ملحوظ في نوعية المياه خلال فترات الجفاف مع عواقب صحية خطيرة. تحلية مياه البحر لتأمين موارد مياه الشرب (أربعة محطات لتحلية المياه قيد الإنشاء حالياً) تظل وحدها غير كافية، كما تعتبر مصدراً للتلوث البحري الذي يصعب التحكم في عواقبه.
 

الطريق إلى الأمام

 
يتطلب التكيف مع التخطيط لتغير المناخ مراجعة نموذج الحوكمة وتجديد البنية التحتية الحالية عند مانبع إنتاج أي مياه جديدة. بما أن الحصول على مياه الشرب حق دستوري فإن الأولوية هي تأمين هذا الحق لجميع المواطنين.
 
يمثل بيع المياه بمعدل لا يغطي تكاليف إنتاجه عائقًا كبيرًا للحوكمة. مع الأخذ في الاعتبار أن الماء جزء حيوي من البشرية سيكون من الضروري إيجاد آليات تقنية ومالية مبتكرة لحمايته وتقليل هدر الطعام وتركيب عدادات مياه مقاومة للعبث لرصد ومراقبة جميع العينات. إن إقرار تعريفة أعلى للمياه لا يمنع الحكومة من ضمان إعانة للسكان الأكثر ضعفاً. من المهم أيضًا تصميم سياسة زراعية تثمن وتستغل كل قطرة ماء تستخدم في قطاع الري، وكذلك النظر في حلول الزراعة البعلية التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المناخ.
 
أمن المياه في البلاد هو جزء من أمن الدولة، ولذلك من المهم إسناد حوكمة مجمل الموارد المائية إلى مستوى أعلى (رئاسة الحكومة أو حتى رئاسة الجمهورية) من وزارة الزراعة التي تعد أول مستهلك رئيسي المياه وبالنالي وحدها لا يمكن أن تضمن الإدارة المثلى للموارد.
 

من الممكن ان يكون جديرا بالإهتمام

Failed to retrieve recommended articles. Please try again.