حسينة ٦٠ عامًا، فيصل، ٩ أعوام.

حسينة وفيصل في شرفة منزلهم أمام خليج الجزائر.
حسينة وفيصل في شرفة منزلهم أمام خليج الجزائر. | ©معهد جوته /ليلى سعادنة

كان أبي يعمل بالسلك الدبلوماسي. قضيت طفولتي بين العديد من البلاد ولكننا كنا نعود إلى الديار كثيرًا. كان والداي أعضاء في جبهة التحرير الوطني و كانا بالتالي مرتبطان ارتباطًا شديدًا بالجزائر، تلك الجزائر التي كان يحلم بها أبي: البلد الأفريقي الاشتراكي غير المنحاز. كانت علاقته قوية بفرانز فانون وقام بتمثيل الجزائر بغينيا. كبرنا وبداخلنا تلك الصورة الجميلة لجزائر يملؤها التضامن والانفتاح على الشعوب المناضلة الأخرى، وبالتالي بمجرد حصولي على الشهادة الثانوية شعرت برغبة شديدة في العودة إلى هناك. كانت تلك الفترة تشهد أيضًا الثورة الزراعية وكان أصدقائي يحكون لي: "إننا نبني جزائر جديدة، نموذجًا يحتذي به العالم، اشتراكية ذات وجه إنساني".
 
درست بالجزائر ثم بدأت في العمل وكان الأمر مُحبطًا فعلى الرغم من أني كنت أتقاضى راتبًا إلا أني لم أُمنح أي مسؤوليات حقيقية كوني إمرأة شابة. بدأت أيضًا في التساؤل حول الأوضاع الاجتماعية بالبلد: كانت طبقة جديدة ذات امتيازات عديدة قد نشأت ولم تكن احتياجات جميع أطياف المجتمع تأخذ في الحسبان.
على الرغم من ذلك كنت عازمة على البقاء هنا ولم تكن لدي أي خطط للسفر، إلا أنني ذهبت في عام ١٩٨٩ إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه واللحاق بالرجل الذي كنت أحبه ولكن رحيلي لم يكن نهائيًا.
 
بقيت في فرنسا ٢٠ عامًا. كان علي أن أتكيّف مع هذا المجتمع الذي يقوم على الفرد لا الجماعة. تطورت كثيرًا على الصعيد المهني فحصلت على فرصتي كاملة على الرغم من صغر سني واشتغلت كثيرًا. عملت في مجال حقوق الإنسان بفرع منظمة العفو الدولية بفرنسا حيث وجدت من جديد ذلك التضامن بين شعوب العالم الذي كان له تأثير كبير عليّ في طفولتي. لكن الحياة في فرنسا في مجتمع ليبرالي يقدس الفرد ويقوم على الاستهلاك كانت قد أصبحت لا تناسبني. كنت أشتاق أيضًا للحياة بالقرب من عائلتي، لذلك عندما أعلنت منظمة العفو الدولية عن وظيفة شاغرة بالجزائر عدت إلى هناك.
 
أعدت الحياة لفرع منظمة العفو الدولية بالجزائر بفضل المشاركة الفعالة للعديد من الشباب، كان هناك الكثير والكثير من الأشياء لنقوم بها وهو ما جعل تلك التجربة غنية جدًا. اكتشفت مدى حيوية هؤلاء الشباب الذين يتمتعون بقدرات إبداعية عالية ويعملون في شتى مجالات حقوق الإنسان بموارد محدودة وفي مجتمع يمر بأزمة. للأسف الدولة لم تولِ هذا أي اهتمام.
 
كنت أرغب منذ وقت طويل في تبنّي طفل وفي حضانة بالقرب من الجزائر العاصمة قابلت فيصل الذي أصبح بعد ذلك إبني. كان يبلغ من العمر 3 سنوات وقالوا لي وقتها: "لدينا صعوبة في إيجاد عائلة له بسبب لون بشرته". صُدمت تمامًا. استغرقت الإجراءات بعض الوقت لكني نجحت في أن أتبنّاه في النهاية.
 
من هنا بدأت في إدراك مشكلة لون البشرة بالجزائر. في البداية كان لدى فيصل صعوبة في التعامل مع كونه أسود اللون، كان يعلم من نظرة واحدة إذا ما كان هذا الشخص أسود أم لا. زوجي من جزر غوادلوب لذلك كان من الواضح بالنسبة لفيصل أن أباه أسود وكان هذا السواد بالنسبة له قبيحًا في البداية. ثم سألني ذات يوم: "إذًا فأنتِ تحبيني على الرغم من أني كحلوش؟".
 
الناس في الشارع يحدقون بنا ويظن الكثيرون منهم أننا أجانب فيحدثونا بالإنجليزية. يصيبهم الاضطراب والحيرة حين يسمعون فيصل يتحدث بالعامية فمن الصعب عليهم أن يستوعبوا أنه جزائري.
 
منذ أن كان في الحضانة وهو الطفل الأسود الوحيد أينما ذهبنا. في مرة من المرات كنا في أحد المتاجر حين قابلنا طفلًا أسود آخر، احتضنا بعضهما البعض كما لو كانا صديقان مقربان مع أنهما لم يكونا قد التقيا من قبل!
 
في يوم من الأيام قام طفل آخر في الشارع بدفعه وقال له: "كحلوش!". انزعجت أمه وقالت: "ما شي كحلوش، هو مارون" (أي: ليس بأسود بل هو بني اللون!)، كان ردي عليها أنه أسود وكفى!
 
من السهل على الأطفال أن يسبوا بعضهم البعض ولكن أن يصل الأمر أن ينعته بالكحلوش! شرحت للطفل أن هذه عنصرية. حاولنا بعد ذلك أن ننمي اعتزاز فيصل بلون بشرته السوداء وساعدنا كثيرًا انتخاب أوباما رئيسًا للولايات المتحدة! ذهبنا أيضًا إلى حيّ باربيس بفرنسا وكانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها هذا الكم من الأفارقة السود. اليوم هو لم يعد يشعر بأنه أقلية كالسابق ويوجد في مدرسته ثلاثة أطفال أمريكيين من أصول أفريقية.
 
رأيت مؤخرًا مجموعة من المهاجرين يجرون في الشارع في ذعر ومعهم أطفالهم، كانت الشرطة قادمة وكانوا يخشون أن يتم القبض عليهم. كان فيصل قد ذهب للتو لتمرين الرياضة وشعرت فجأة بالخوف من أن تمسكه الشرطة. ذهبت للبحث عنه وأصابتني سعادة غامرة حين رأيت وجهه! الآن أتركه يذهب بمفرده ولكني أخبره دائمًا أن عليه أن يقول أنه جزائري وأن أمه تعمل بمنظمة العفو الدولية وأتأكد من أنه يحفظ عنوان البيت جيدًا.
 
منذ ١٥ عامًا لو كنت سُئلت حول ما إذا كانت هناك عنصرية بالجزائر كان ردي سيكون بالنفي. كنت في حالة إنكار مثلي مثل الكثير من الجزائريين. اليوم حين أدين العنصرية بالجزائر يُصدم الكثيرون ولكن على الأقل أصبح النقاش حول هذه الأزمة مطروحًا بل وبدأ بعض الجزائريين في المطالبة بالاعتراف بهويتهم الأفريقية. الجزائريون السود مُمثلين تمثيلًا هزيلًا داخل المجتمع ولا يزال الزواج من السود يعتبر أمرًا مرفوضًا. يسألني البعض أحيانًا لأي بلد أفريقي ينتمي فيصل، فأرد عليهم أنه من الجزائر وأن الجزائر بلد أفريقي!
 
الجزائر ذات الهوية الأفريقية التي تربيت عليها هي التي كان أبي يحلم بها ونقلها لي وهي التي يجب أن نواصل الكفاح من أجلها.