مدينة أسسها الرومان على نهر الراين وتحوَّلت منذ العصور الوسطى إلى مدينة عاصمية. إنها مدينة كولونيا! يرتبط اسمها لدى معظم الناس بالكاتدرائية والكرنڤال فحسب، رغم أنها تحوي أكثر من ذلك بكثير؛ ما بين بقايا معبد قديم أمام حمام ماكدونلدز ومركز ثقافي داخل مصنع سابق للكابلات وأكبر معرض للألعاب الإلكترونية في العالم.
وهل كنت تتخيَّل أن هناك تمثال صغير للبابا فرانسيس فوق إحدى المظلات الحجرية إلى يمين البوابة الغربية؟ أو أن الأعضاء الداخلية لملكة فرنسا، ماريا دو ميديتشي، مدفونة أسفل لوح من الرخام الأحمر في ضريح الملوك الثلاثة، تحت أرضية الممشى المسقوف؟ ولو دخلت الجناح الجنوبي وقت العصاري سيغمرك الضوء الملون المتدفق عبر النافذة التي أعاد جِرهارد ريختر تصميمها في عام ٢٠٠٧ مستخدمًا ١١٥٠٠ حجر زجاجي. ولو تسنى لك التخطيط لرحلتك قبلها بوقت طويل، فلا تفوِّت الفرصة واحجز مكانك في جولة فوق سطح الكاتدرائية، على ألا تكون دون السادسة عشر أو ممن يهابون المرتفعات. سنوات داخل هذا المبنى لن تكفينا لاكتشاف كل أسراره.
يُذَكِّرنا هذا الشعار، "أحِب مدينتك!" باسم أغنية طرحتها فرقة Cat Ballou منذ فترة طويلة بمشاركة نجم كرة القدم المحلي لوكاس پودولسكي. وفرقة كات بالُّو، هي واحدة من عشرات الفرق الموسيقية الناجحة التي استطاعت أن تحول الموسيقى القائمة على اللهجة الكولونية، أو الكولش، إلى سلعة محلية ثمينة تُصَّدر إلى جميع أنحاء ألمانيا. تعود جذور موسيقى الكولش إلى أوائل السبعينيات، تحديدًا إلى فرقة Bläck Fööss، التي مزجت موسيقى الإيقاع البريطانية والفلكلور الأيرلندي بموضوعات نابعة من وجدان الراينلاند، منها ما هو ساخر، ومنها ما هو عاطفي. ولو ما اعتبرنا أن فرقة بلاك فووس هي رائدة موسيقى الكولش، سنجد أن مشاعر الانبهار بالذات قد سيطرت على هذا النوع من الموسيقى إلى حد الثمالة مع ظهور فرقة Höhner. فهل يعود هذا إلى ما تحمله كلمة Kölsch من معنى مزدوج؟ فهي تشير من ناحية إلى اللهجة الكولونية، ومن ناحية أخرى إلى بيرة Kölsch التي يتم إعدادها محليًا وتتميَّز بتقنية التخمير العلوي التي تعتمد على درجات الحرارة العالية. المؤكد في جميع الأحوال هو أن هذا الطابع لا يزال يصبغ موسيقى الـ Kölsch حتى يومنا هذا.
وقد استطاعت بعض الفرق الكولونية، من أمثال Brings و Kasallaو Querbeat(وهم من مدينة بونّ المجاورة في حقيقة الأمر)، أن تتجاوز بنجاحها حدود الكرنڤال وتلقى صدى في جميع أنحاء ألمانيا. ربما يعود هذا إلى احتياج سكان المناطق الأكثر رصانة في ألمانيا إلى استرخاء وراحة بال أهل الجنوب فوجدوا ضالتهم في حيادية وروقان سكان كولونيا. فهؤلاء يسمون الفساد „Klüngel“ أي "الشللية"، وقاموا بتسجيل "هزة أكتفاهم" الشهيرة التي يلجئون إليها عند تقصيرهم، في بند من بنود "دستور كولونيا" الذي يقرّ المبادئ الأساسية للحياة في هذه المدينة. ويزخر هذا "الدستور" بحكم كولونية كثيرة، منها على سبيل المثال: "Et hätt noch immer mit jot jejange" بمعنى "سيكون كل شيء على ما يرام"، أو " Wat wellste maache?" أي "ليس بيدنا شيء!" بمعنى "استسلم لقدرك!". ولكن، بقدر ما يبدو نمط الحياة هذا جذابًا، بقدر ما يجعل حب المدينة مهمة صعبة نوعًا ما.
كما تضم كولونيا متحفًا للعطور في مبنى فارينا الذي يعد في الوقت نفسه أقدم مصنع قائم للعطور في العالم ومنشأ عطر Eau de Cologne أو ماء الكولونيا الشهير. وتجدون على الجهة المقابلة من مصنع العطور أحد أبرز المتاحف في ألمانيا؛ متحف Wallraf-Richartz الذي يضم لوحات فنية لأبرز الفنانين، من العصور الوسطى وحتى القرن العشرين. وإن كنتم من محبي الفن المعاصر، فعليكم بزيارة متحف Ludwig الذي يقدم لنا مجموعة مثيرة للإعجاب من الفن التعبيري وفن الپوپ. ويضم المتحف أعمالًا كثيرة لپيكاسو من جميع فترات حياته. من الصعب أن ترى هذا الكم من أعماله في أي مكان آخر عدا باريس.
أما أكثر متاحف كولونيا سحرًا وإبهارًا، فتجدها مختبئة في المناطق الأقل شهرة؛ منها متحف الفنون التطبيقية (اختصارًا MAKK) الذي يضم أحد أجمل وأهدأ المقاهي وسط صخب كولونيا برغم معاناته الواضحة والمستمرة بسبب نقص التمويل. وعلى بعد بضع خطوات منه، يبهرك متحف Kolumba أو متحف أبرشية كولونيا بمجرد أن تقع عينيك عليه. أنشأه نجم الهندسة المعمارية، پيتر تسومتور، في عام ٢٠١٧ في موقع كنيسة سانت كولومبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية ولا تزال بقاياها معروضة بالمتحف. وإن كنت تبحث عن الهدوء فلن تجد مكانًا أفضل من مكتبة متحف كولومبا المكسوة بالكامل بخشب الماهوجني.
تختلف الأجواء على بعد بضع شوارع من تسولپيشر لتصبح أكثر هدوءًا، تحديدًا حول ميدان راتِناو الذي يضم مجموعة متنوعة من المطاعم، ما بين إيطالية وإسبانية وبروڤية ويابانية وشرق أوسطية.
وفي الصيف يتوافد الزوار على ميدان راتِناو، وخاصة على تلك الحانة الصغيرة المفتوحة التي تُدار من قبل مجموعة من المواطنين المحليين. تستضيف الحانة في حديقتها الصغيرة طلاب من الجنسين وعائلات (لوجود ملعب للأطفال أيضًا) ولاعبي بولينج.
ويمكنكم زيارة المعبد اليهودي بكولونيا الواقع على الجهة الشرقية من الميدان والذي تم بناءه على طراز الرومانسية الحديثة في أواخر القرن الـ ١٩. ويُذكَر أن الجالية اليهودية في كولونيا هي في الغالب أقدم الجاليات اليهودية شمال الألب. ولكن، قبل أن تغادروا مبنى المعبد، أنصحكم بزيارة مطعم Mazal Tov لمأكولات الكوشر. ولكن لا تنسوا الحجز مسبقًا.
وعلى بعد بضع خطوات فقط من مسرح آرتِاتر، تجدون حانة Bumann & Sohn التي حوَّلها أصحابها في عام ٢٠١٧ من ورشة إلى ساحة ممتعة للرقص والشرب بعد أن قاموا بتصميم ديكوراتها الداخلية بأنفسهم. ورغم ما تتسم به الديكورات من طابع جاف بعض الشيء، إلا أن أجواءها الرومانسية الصناعية تجذب إليها الزوار، لاسيما في فصل الصيف. وتستضيف الحانة طوال العام مجموعة مختارة من الفنانين والفنانات والفرق الموسيقية لتقديم فقراتهم على مسرحها الصغير، وقد كانت بالفعل نقطة انطلاق لبعض هؤلاء الفنانين.
وتجدون على الجهة المقابلة لحانة بومانّ ملهى Club Bahnhof Ehrenfeld الذي يمتد أسفل ثلاثة بواكٍ من بواكي محطة قطار إس بان. وقد تخصص هذا الملهى فيما يُسَمَّى بـ "موسيقى السود" بجميع أنواعها، بداية من الچاز والهيب هوب ومرورًا بموسيقى السول ووصلًا للسالسا. وإلى جانب كونه نقطة انطلاق لفنانين أصبحوا فيما بعد نجوم في عالم الراب، استضاف الملهى في مقره، أسفل السكك الحديدية، عددًا من أساطير الموسيقى.
وهناك نوافير أخرى كثيرة في هذا المكان ولكنها لا تحظى بنفس الاهتمام والشهرة؛ منها نافورة صغيرة على الجانب الغربي من الكاتدرائية تُعرَف باسم نافورة الحمام أو Taubenbrunnen. تتميَّز هذه النافورة بمجرى مياهها الذي يتدفق على شكل دوامة تنتهي في بؤرة صغيرة بمركز النافورة. صممها الفنان إدوارد ماتارِه لتكون مكانًا يرتوي منه حمام الكاتدرائية. وقد تم افتتاحها في عام ١٩٥٣ على أنغام أغنية "لا بالوما" (الحمامة) بينما كان وجهاء المدينة يمررون زجاجة شنابس فيما بينهم.
أما نافورة Rheingartenbrunnen، فهي من النوافير التي يمكن للزوار السير عليها. صممها فنان الپوب آرت البريطاني، إدواردو پاولوتسي الذي قام بتصميم الغلاف لألبوم Red Rose Speedway لپول مكارتني. وتعتبر هذه النافورة ساحة مغامرات للأطفال، حيث يمكنهم القفز من حجر لآخر فوق الأشكال البرونزية البارزة التي تذكِّرنا أشكالها بالمنشآت الصناعية.
وهناك نافورة أخرى صممها الفنان ڤولفجانج جودِّرتس تُعرَف باسم نافورة Wasserkinetische Plastik (بمعنى منحوتة الكينتيكا المائية) وتقع بميدان Ebertplatz. ولكنها تُركَت فريسة للصدأ لسنوات طويلة، وتحوَّل المكان بأكمله بسبب انخفاضه عن مستوى الشارع وظلمة زواياه إلى بؤرة إجرامية ومنطقة محظورة. عندئذ فقط انطلقت مبادرة مشتركة بين الحي وأهالي المنطقة وأعادت الحياة إلى النافورة مرة أخرى. وأصبحت النافورة مسبحًا ومزارًا منتظمًا للأطفال الصغار، وصار للميدان منذ ذلك الحين شعبية كبيرة كنقطة التقاء بين أبناء حي أجنِس وحي آيجِلشتاين. إنها ليست مجرد نافورة، بل معجزة حقيقية تفوق أسطورة هاينتسِلمِنشِن خيالًا.