الأرحام الاصطناعية في طريقها لتصبح واقعًا ملموسًا. ولكن، لا داعي للخوف! فسيناريوهات أفلام الخيال العلمي التي تجسد الواقع الفوضوي المرير في المستقبل قد شوَّهت مفهوم الرحم الاصطناعي. ولو ما تذكَّرنا وحدات التفريخ في فيلم "عالم جديد شجاع" أو مزارع البطاريات البشرية في فيلم "ماتريكس"، سنجد أن التكنولوجيا قد ارتبطت في أذهاننا بالشمولية وبكل ما هو غير إنساني وغير طبيعي. ولكنّ الأرحام الاصطناعية في زماننا هذا من شأنها أن تنقذ حياة الأجنة.
نوقش مفهوم الأرحام الاصطناعية لأول مرة باستفاضة في جامعة كامبريدج عام ١٩٢٣من قبل عالم الأحياء الإنجليزي چـ. بـ. سـ. هالداين. واستغرق الأمر قرن كامل حتى تسنى للعلماء اختراع شيء مقارب لما تصوره هالداين. ففي عام ٢٠١٧ قام باحثون وباحثات من مستشفى الأطفال بفيلادلفيا باستعراض "كيس حيويّ" قادر على إبقاء الحملان المبتسرة على قيد الحياة، أي تلك التي وُلِدَت خلال ما يوازي الأسبوع الـ ٢٣ من الحمل البشري. نمت الحملان في تلك الأكياس حتى كانت قد اكتسبت فراءها بالكامل عند "الولادة". وإن كان اختراع الأكياس الحيوية بعيدًا عما تصوره چـ. بـ. سـ. هالداين إلا أنه أقرب ما يكون للحل الذي طالما سعى الباحثون والباحثات للتوصل إليه من أجل إنقاذ الأطفال المبتسرين.المخاطر التي تهدد حياة الأطفال المبتسرين
إن الولادات المبكرة، أي تلك التي حدثت قبل الأسبوع الـ ٣٧ من الحمل، هي السبب الأول وراء وفاة حديثي الولادة في جميع أنحاء العالم. يولد كل عام ما يصل إلى ١٥ مليون طفل مبتسر، يعجز نصفهم عن البقاء على قيد الحياة، بينما يعيش النصف الآخر مهددًا بخطر الإصابة بإعاقات جسدية أو عقلية، وذلك لأسباب عدة، منها عدم اكتمال نمو الرئتين إلا في مرحلة متأخرة من الحمل. وغالبًا ما يعتمد علاج هؤلاء الأطفال المبتسرين على "تقنية التهوية" لمساعدتهم على التنفس، وهي ليست بالمهمة السهلة على الإطلاق.في عام ٢٠١٩ قام الاتحاد الأوروبي بتمويل مشروع بحثي هولندي بـ ٢،٩ مليون يورو من أجل تطويرنموذج أوليّ للرحم الاصطناعي من أجل استخدامه في المستشفيات. ففي مركز ماكسيما الطبي، تقوم إحدى الفرق البحثية ببناء نموذج لرحم اصطناعي يمكن للجنين أن يعيش فيه محاطًا بسائل كما في رحم الأم، على أن يتم ربط مشيمة اصطناعية بالحبل السري عن طريق قسطرة لإمداده بالأكسجين والعناصر الغذائية. وبالتالي سيكتمل نمو رئتي الجنين بصورة طبيعية في بيئة مألوفة وسط ضربات قلب الأم وروائح ومؤثرات مشابهة. يبدو اختراعًا رائعًا، أليس كذلك؟
تساؤلات أخلاقية جوهرية...
وقد أثار هذا الاختراع تساؤلات أخلاقية جديدة شأنه في ذلك شأن أي اختراع جديد: كيف ستُختبَر هذه الأجهزة على أرض الواقع وعلى أي أجنة؟ هل من الممكن إيقاف تشغيل الرحم الاصطناعي، وفي ظل أي ظروف؟ ولكن، مازالت الأسئلة الأكثر جدلًا هي تلك التي تتساءل عما سيحدث لو حل الرحم الاصطناعي محل الرحم الطبيعي يومًا ما، وعن العواقب التي ستترتب على المجتمع البشري.فيما يتعلَّق بالسؤال الأخير، اتخذت دورا راسِّل، زوجة چـ.بـ.سـ. راسِّل، موقفًا نسويًا تحرريًا إزاء مسألة الحمل خارج الرحم البيولوجي. وكتبت في مقال لها حول مستقبل العلم أن إمكانية الحمل الاصطناعي من شأنه أن يحرر المرأة من الحمل والولادة. وبالتالي لن يُطلَب منهن بعد ذلك أداء أدور الأمومة التي من شأنها إخضاعهن أو إلزامهن بالبقاء في المنزل أو إبعادهن عن الحياة العامة. واتفق معها زوجها بِتراند في هذه الرؤية وقال أن تحرير المرأة من الحاجة إلى الحمل سيفصل مفهوم الجنس عن الإنجاب وهو ما سيؤثر على اختلال موازين القوى في المجتمع تأثيرًا جذريًا.
... وماذا عن الحق في تقرير المصير؟
لم يتوقع الزوجان أننا اليوم بصدد مناقشات مشابهة ومختلفة اختلافًا جذريًا في الوقت نفسه، حيث إن مسألة الرحم الاصطناعي قد أثارت معها تساؤلات أخلاقية جديدة حول أحقية النساء في الإجهاض. السائد في الوقت الحالي هو أنه من غير المسموح للمرأة إجهاض الجنين ما أن يبلغ المرحلة التي يمكنه فيها البقاء على الحياة خارج الرحم، ولكن كل هذا سيتغير بمجيء الأرحام الاصطناعية. فهل يحق لضحية الاغتصاب أن تجهض جنينها حتى وإن كان قد بلغ المرحلة التي يمكنه فيها البقاء على الحياة خارج الرحم؟ لو استطاعت جميع الأجنة العيش في الأرحام الاصطناعية، هل ستفقد النساء بذلك حقها في الإجهاض في جميع الحالات؟ لا شك أنها أسئلة صعبة وستشغلنا لفترة من الوقت."بوضوح ..."
تكتب ليڤن كوين وماكسيميليان بودينبوم ودومينيك أوتيانجا وجيراسيموس بيكاس أسبوعيًا بالتبادل في عمودنا الصحفي تحت عنوان "للتوضيح ...". تدون تشين ملاحظاتها فيما يخص التقدم العلمي في مقال بعنوان "للتوضيح...ما بعد الانسان"، وكيفية تأثيره على حياتنا ومجتمعنا. إن كان ذلك في السيارة أو في المكتب أو في السوبر ماركت.
٢٠١٩ ديسمبر