العمل الجماعي – مشاهد موسيقية

A Musical Landscape ©Goethe-Institut خلال فترة امتدت على مدى اثني عشر شهراً وضمّت مساحات جغرافية واسعة، من كردستان غرب آسيا إلى الجزائر في شمال إفريقيا، تفاعل سبعة فنانين/ات مع مفهوم الميراث من خلال الموسيقى والصوت. وإلى جانب العمل على مؤلفاتهم/ن وإبداعاتهم/ن التي تعتمد على التأثيرات الموسيقية المحلية من الماضي والحاضر، فقد اجتمع الفنانون/ات السبعة لإنتاج تراك تعاوني واحد. ومن خلال الجمع بين أذواقهم/ن الموسيقية الفردية، ودمج العناصر الثقافية الخاصة ببيئة كلّ منهم/ن، والاستفادة من التسجيلات الأرشيفية، تقاسم الموسيقيون/ات مهاراتهم/ن الإبداعية في تراك واحد فريد، يعكس ظروفهم/ن الحالية وزمننا المعاصر.


يتقدم التراك بأصوات معاصرة ومركبّة، تصحبها إيقاعات غيتار الباس الحالمة، من عزف الملحن والموسيقي  الأردني يعقوب أبو غوش. يعود أبو غوش إلى المكان الذي غادره سحاب للتو، فيستخدم مقام سيكا الذي يستدعي دبكة تقليدية من منطقة معان. وقد استخدم يعقوب اللحن الإيقاعي لهذا المقام لكي يكمل على مقطوعة سحاب، باستخدام آلة السينث، وآلات إيقاعية، وغيتار الباس. 

إثر إيقاعات دبكةِ معان، ينقل التأثير الأمازيغي الجزائري الذي جاءت منه أمل زن، هذه المقطوعة الموسيقية إلى أماكن وأصوات جديدة. وفي أخذة عفوية بعد المساهمات السابقة، تتابع أمل زين مسير التراك من خلال إيقاع 6/8 المنتشر على نطاق واسع في الجزائر والمغرب الكبير (شمال غرب إفريقيا). موسيقى هذه الفنانة تقتحم التراك على شكل نداء عاجل لإعادة تأهيل تاريخ شمال إفريقيا وهويات شعوبها. أطلقت الفنانة على مقطوعتها اسم "تامازغا" (وهي كلمة باللغة الأمازيغية تشير إلى الأراضي التي يسكنها الأمازيغ تقليدياً)، بغرض المساهمة في إحياء تراث شعبها الأمازيغي الذي يعود عمره إلى ألف عام على الأقل. تسكن الفنانة مساحة موسيقية بارزة وفريدة من نوعها، فهي بمثابة شاهد حي على التراث الثقافي لشعبها. 
تأخذ مقطوعة زيد هلال، بعنوان "هدّي يا بحر"، المستمع/ة إلى نضال آخر من أجل العدالة والاستقلال، هذه المرة عن طريق ذخيرة الموسيقى الشعبية الفلسطينية، فالأغنية الأصل قام بتلحينها وأدائها الموسيقار الشعبي الرائد أبو عرب، الذي عرف أيضاً بلقب "شاعر الثورة" إبان ثورة 1936. من خلال مقطوعته، يقبض زيد هلال على "الذاكرة الشعبية" لمحيطه، ويعيد تشكيل أغنية أبو عرب من خلال مماهاتها مع الاعتداءات الأخيرة التي حصلت بحق الفلسطينيين في الشيخ جرّاح في ربيع / أوائل صيف عام 2021، باستخدام الغيتارات والآلات الإيقاعية وغيتار الباس والسينث.

يسود الصمت لجزء من الثانية، مؤذناً ببداية جديدة، ثم يستأنف الموسيقيّ والمغني والملحّن محمد آدم، الذي يتخذ دارفور مقراً له، مع إيقاعات أفريقية محلية من السودان، تجمع ثلاثة أنماط موسيقية لم توثق بشكل كافٍ من مجتمعه المحليّ، بغرض مشاركة التنوع الغني للإيقاعات السودانية.

مع استهلاله بالـ الكِول أو الـ كِوِيت، يقدّم محمد للمستمعين/ات إحدى أكثر الإيقاعات الموسيقية والرقصية انتشاراً من دارفور، والتي استمدت حركاتها الوحي من حركة الجِمال. هذا النمط منتشر بين قبائل البجا التي تعيش على ساحل البحر الأحمر شرق السودان. عادة ما تكون رقصة الـ كيوال استعراضاً للذكورة، فيلوّح الرجال بسيوفهم، مرتدين الجلابية والسروال الطويل والصديري. أما من ناحية الآلات، فيستخدم هذا النمط آلة الـ ماسينكو (آلة وترية ذات قوس)، ويعتمد بشكل كبير على التصفيق للمحافظة على الانسجام الإيقاعي.

جزء لا يتجزأ من مقطوعة محمد هو نمط موسيقي آخر يدعى الفرنقابية (وتعني "جزع أو جفلة الغزال"، في وصفٍ لقفزات الغزال). يعود هذا النمط الموسيقي والرقصي إلى قبائل الـ فور غرب السودان، الذين يقومون بتأديته في المناسبات الدينية والاجتماعية، جامعاً الرجال والنساء والأطفال من خلال حب الرقص والحركة. كما توفر الرقصة مساحة لتبادل الأدوار بين الجنسين، حيث ترتدي النساء ملابس الرجال والعكس صحيح، مع إكسسوارات ثقيلة تخشخش وتدندن على إيقاع الموسيقى.

النمط الثالث الذي تم دمجه في مقطوعة محمد آدم هو نمط ال مردوم، وهو إيقاع يعود إلى قبائل البقارة الموجودين في غرب وجنوب كردفان في السودان. وعلى غرار الأنماط السابقة من السودان، يسمى ال مردوم نسبة لرقصته، حيث يصطف الرجال في مواجهة النساء ويبدؤون بتحريك أقدامهم والقفز في رقصة مستوحاة من حركة الماشية السريعة. غالباً ما يتم تنظيم النساء في مجموعات غنائية، حيث يكون لكل مجموعة دورها في الغناء. تتناوب الحكّامات (المؤديات) والشيالات (الكورس) على غناء الكلمات، التي غالباً ما تتحدث عن الفروسية والكرم والإطراء والحب. تكرر كل مجموعة جزءها بالتناوب، أما الرجال فيصفرون ويستجيبون بأصوات قوية .

ثم تنتقل الإيقاعات الأفريقية من السودان إلى إيقاعات كردية قوية وحيوية ومتكررة على الدف وغيرها من الآلات الإيقاعية، بقيادة عازف الإيقاع الكردي ذائع الصيت هاجر زهاوي. قرر الفنان اختيار الأنماط الإيقاعية الموجودة في مؤلفات أعمال زملائه الموسيقيين وبنى قسمه على القواسم المشتركة لأنماط الإيقاعات الستة السريعة الموجودة عبر المعرفة الموسيقية لغرب آسيا وشمال إفريقيا.

تتحول الموسيقى بعد ذلك إلى أنغام إلكترونية مؤثرة لمنتجة الصوت الإلكترونية التونسية رحاب الحزقي. تضيف الفنانة مشهدًا خياليًا يترجم الحالة الداخلية للموسيقار/ة وهو موقع شاسع يتشكل من مشاريع وتضاريس عميقة الطبقات من الرتاكمات والذكريات والتاريخ. يمثل صوت الفنانة أصداء التجزؤ والعزلة، ويولّد إيقاعات ومشاهد مؤثرة.

يغلق الجزء الأخير من التراك الدائرة من حيث اللحن والآلات الموسيقية المستخدمة، فيعود القانون الذي يسمع في خضم الأصوات البعيدة والحالمة، ويصبح المزاج تأملياً ومظلماً ومشغولاً بالنظر إلى الداخل. مزج ألحان الإلكترونيكا الدقيقة مع أنغام القانون، التي تقترب من المستمع/ة وكأنما من مسافة بعيدة، يستحضر جواً مستقبلياً من الحضور والغياب، يتلاشى بعيدًا في أصوات متراجعة تؤذن بالنهاية والوداع.  

هذا التراك الجماعي كان ثمرة تعاون تمّ على دورتين. في الدورة الأولى، استجاب/ت كل فنان/ة بشكل إبداعي، من خلال التقاط أجزاء من اللحن الموسيقي حيث تركه أو تركته الفنان/ة السابق/ة،. في الدورة الثانية، طُلب من الفنانين/ات تحسين أصوات زملائهم وزميلاتهم من خلال إضافة لمساتهم/ن الموسيقية الخاصة. ومن هذا المنطلق يمكن سماع مفاهيم يعقوب أبو غوش الموسيقية في كلمات غسان سحاب وهاجر زهاوي، ثم تطبيق فلسفة وموسيقى غسان سحاب على أعمال يعقوب أبو غوش وزيد هلال، وفهم استخدام رحاب الحزقي لأعمال غسان ويعقوب كأساس لعملها التلحيني. وقد عزّزت هذه العملية التآزر الموسيقي القائم بين مختلف المفاهيم والخبرات.

وفي يمكن سماع البعد الجغرافي بين الفنانين/ات في أعمالهم الموسيقية هنا، فإن الطاقة الهائلة التي قاموا بتوجيهها بهدف الالتقاء موسيقياً في مسار واحد، محسوسة ومسموعة في هذا التقاطع الذي يمتد لخمس عشرة دقيقة من الجغرافيا والآلات والمعارف الموسيقية واللغة والتاريخ.
.