أمين فارزانفار الثورة على شريط 35 مم - رحلة في عالم سينما 68

Rote Sonne / Rote Sonne, Germany 1969, director: Rudolf Thome; Copyright: defd/Kinoarchivربما اعتبرت السينما، مقارنة بالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم في عام 1968، مجرد ظاهرة ثانوية أو بالأحرى مرآة أكثر منها عنصرا فاعلا في الثورة. لكن السينما كانت حاضرة منذ بداية الأحداث.

ربما أصبح هذا الأمر منسيا اليوم، لكن المظاهرات الباريسية انطلقت من مركز الفيلم الفرنسيLa Cinémathèque française، فوزير الثقافة أندريه مالرو قرر إلغاء الدعم للمركز، ما أدى إلى خروج فنانين ومثقفين كبار إلى الشوارع للتظاهر. بالنسبة لهؤلاء كانت مجموعة الأفلام الضخمة التي حافظ عليها هنري لانغلواه منذ عام 1935، بمثابة ذاكرة ثقافية. وكان من بين المتظاهرين الخمسة آلاف، رواد حركة "الموجة الجديدة Nouvelle Vague" فرانسوا تروفو وألان رينيه وجون لوك غودار وجون بيير لود وكلود جيد كانت "الموجة الجديدة" هي قلب السينما الفرنسية الحديثة وقد دعت في العقد الخمسينات إلى سينما جديدة وقدمت سينما تتميز بالطابع الشخصي الحر والمقالي في مقابل سينما ما بعد الحرب بحواراتها التي يصعب فهمها وصورها القاتمة وتمجيدها لنجومها.

ن سير جان بول سارتر في صفوف المتظاهرين الذين تعرضوا للضرب على أيدي رجال الشرطة، يشهد بالتضامن بين السينمائيين والمثقفين، الذين لم يعودوا ينظرون إلى السينما باعتبارها وسيلة لإيهام الجماهير والسيطرة عليهم، بل أدركوا الجانب التأملي فيها، وكيفية الاستعانة بها كمرشح ووسيلة للتعبير ومسرع للعمليات الاجتماعية.

أوروبا

إذا ما تتبعنا فيما يلي الأعمال السينمائية المهمة التي أُنتجت في الفترة الزمنية المحمومة ما بين 1968 إلى 1972، فسنجد أن الازدهار السينمائي قد جاء كاستمرار لتيار سائد من فترة

أطول وقد شهد ذروته فقط في فترة ما قبل أو بعد 1968. في فرنسا كان محتلو مركز الفيلم الفرنسية هم نواة الحركة الجديدة، جون بيير لود كان يعتبر من وجوه السينما الجديدة، نراه بشكل منتظم في أفلام غودار وكتب له تروفو خصيصا سلسلة أفلام، فرأيناه يمثل دور المراهق أنطوان دوانيل في فيلم "أربعمائة صفعة Quatre Cents Coups" من إنتاج عام 1959، وهو فيلم من أفلام ما بعد الحرب المتأثرة بسينما الواقعية الجديدة في إيطاليا. الفيلم التالي "قبلات مختلسة Baiser Voles" من إنتاج عام 1968 يبدأ فعلا باحتلال مبنى مكتبة السينما الفرنسية- ويُظهر كيف يستمتع أنطوان بالحريات الجديدة وخصوصا الحب. كان لود هو الوجه السينمائي لهذه الفترة لكن غودار كان عقل السينما في ذاك الحين وفنانها الرئيسي الذي يلم بالتحولات الاجتماعية ويطبق الأفكار السينمائية الجديدة ويعلق عليها.

اليسار، والحب الحر والطرق الجديدة في التعامل مع الصورة، لعبة جديدة تماما مع لغة السينما وتقاليدها- كل ذلك كان حاضرا في الستينات وله تأثيره إلى يومنا هذا. أظهر فيلم "ذكر- أنثى Maculin-féminin" (1966) كيف يدخل "أبناء ماركس وكوكا كولا" –هذا هو العنوان الآخر للفيلم- في صراع بين الاستهلاك والمثالية، وفيلم "الصينيةLa Chinoise " من إنتاج 1967 تجري أحداثه في كومونة Kommune. وفي عام 1968 خرج فيلم "عطلة نهاية الأسبوع Weekend" الذي يحكي عن "كورين ورولان" وهما زوجان محبان للشجار يقومان بنزهة بالسيارة. تتحول الرحلة التي يسعى كلا منهما خلالها إلى قتل الآخر غدرا، إلى رحلة فنية رائعة وقاسية داخل مجتمع متداع. واشتهر الفيلم بالمشهد الطويل الذي ترافق فيه الكاميرا سيارتهم خلال تعطل حركة السير لفترة طويلة جدا بسبب حادث تصادم دموي. وكثيرا ما يعتبر هذا المشهد بنشازه وانهيار منطق الحكي به وهستيريته- كما الفيلم بمجمله أيضا- صورة استعارية لحرب فيتنام. في هذا الفيلم وأفلام أخرى لغودار تتخلل طريقة الحكي التقليدية التي تسحر المشاهد وتجعله يغفو، مشاهد سوريالية ومؤثرات لكسر الإيهام، كما تظهر نصوص مكتوبة بشكل مفاجئ. في وسط الفيلم ينادي رولان "فيلم وسخ وحوارات عفنة!" وعندما يلتقي الزوجان ذوا المزاج السيئ في الغابة بـ "أليس في بلاد العجائب" يقوم رولان بحرقها ويعتذر عن خشونته قائلا: "إنها مجرد شخصية روائية!".

يفزعنا غودار ويسلينا ويجعل الأمور تختلط علينا وعندما يبدو أن كل شيء انتهى، يختطف ماويون فجأة الزوجين ذوي الأفق الضيق، ويطلقون العنان لرغباتهم في أكل لحوم البشر- أي أن اليسار المؤدلج ليس أفضل حالا من كل الآخرين. وينتهى الفيلم بلافتة عليها عبارة "نهاية السينما Fin du Cinema" وبالفعل كانت تلك مبدئيا نهاية غودار كمخرج: فبعد أن صفع أحد منتجي أفلامه في مكان عام، ترك الساحة السينمائية التي اعتبرها إمبريالية وتجارية. وهكذا أُنتجت بعد ذلك مباشرة أفلام لا تحمل اسم مؤلف ولا يوجد لها موزع رسمي، "أفلام خفية"، عادة ما تكون نتاج عمل جماعي مثل فيلم "هنا وفي مكان آخر Ici et

Ailuers" من إنتاج عام 1974 ويناقش وضعية الفلسطينيين. وفي ألمانيا أيضا، كان للسينما المتمردة بوادر سبقت حركة 1968، ففي عام 1968 طالبت مجموعة "أوبرهاوزن" التي أسس لها ألكسندر كلوغهAlexander Kluge في بيانها بعمل سينما جديدة تحمل شعار "بابا مات"، وهو شعار يولي ظهره لسينما ما بعد الحرب التي

تناست التاريخ، ويطالب ببداية جديدة على المستويين السياسي والفني. لكن هذه "السينما الألمانية الشابة" بدت لكثيرين من جيل 68 متقادمة ومعقدة فكريا. لقد أراد الجيل الجديد تواصلا وتقاربا مع الشارع ومع روح العصر، وهكذا تأسست "مجموعة ميونيخ". يعد فيلم ماي سبيلز May Spils "أدخل في الموضوع يا حبي" (1968)-نظرا لعنوانه وللقيمة المتوسطة لبطلته أوشي غلاسUschi Glas - فيلما عبقريا لم ينل حظه من التقدير. سبيلز التي كانت تعمل سابقا كصحفية وموديل للتصوير ومخرجة للأفلام الوثائقية، التقطت أجواء صيف خفيف ومليء بالحب، وبذا قدمت نوعا جديدا من الأفلام وهو الفيلم

"التلقائي". يبدو مارتن (فيرنر إنكهWerner Enke ) بطل الفيلم اللامنتمي رائعا في مواقفه: ليلا يراقب من نافذته عملية سطو، لكن بدلا من أن يتصرف كمواطن محترم ويبلغ الشرطة، يعود ليرقد في السرير. وعندما يوقظه صديقه في يوم آخر يقول له بجفاء: "أكره أن أصحو في مثل هذا الوقت المبكر فأجد الشمس في وجهي". يتسكع مارتين وصديقه ويفزعان المواطنين المطيعين ويتعرفان في حمام السباحة المفتوح على باربرا اللعوب التي تشاركهما في تدبير المقالب. شخصية ومواقف مارتين هي البرنامج المضاد للعفن العام، والحذق المرتبط بأخلاق العمل في سنوات المعجزة الاقتصادية. تعتبر غالبية المجتمع هذه الشخصية غير منتجة وفاسدة، ويظهرها الفيلم جذابة ومشاكسة وذكية. وحتى في نهاية الفيلم عندما تعتقله الشرطة بسبب حكاية السطو، يجد أيضا تعليقا حاذقا على طريقة جون بول بلموندو في نهاية فيلم "لآخر نفس" لغودار.

استند رودولف تومه Rudolf Thome، الذي يعد الاكتشاف الثاني في ذاك العام، أيضا إلى مبدأ غودار في استخدام خصائص كلاسيكيات السينما الأمريكية كمجرد أداة يلهو بها، فالقصة والحبكة عبارة عن سطح شفاف تترنح فوقه نماذج شخصيات لم يألف المرء رؤيتها قبل ذلك. يعتبر فيلم تومه "المخبران السريان" نشيد هيام بالسينما الأمريكية في الثلاثينيات والأربعينيات وبأمريكا التي كان من الممكن أن يولع المرء بأسلوب الحياة فيها في ذاك الوقت بدون تحفظات- أي قبل الإفلاس الأخلاقي الذي جاء مع حرب فيتنام. قام بدور المخبرين أولي لوميل Uli Lommel وماركارد بوم Marquard Bohmوهما يقتبسان بدوريهما سمات أبطال كبار: لوميل الجميل ذي الملامح الرقيقة والوجه الشاحب كان هو بالأحرى النسخة الألمانية من آلان ديلون، أو التجسيد الأوروبي لجيمس دين- أما بوم فاستعان في دوره بنموذج بلموندو، الذي كان يعتبر لدى غودار اقتباسا هوليووديا لنموذج رجل العصابات من طراز همفري بوغارت. وبرز من خلال هذا الوعي على وجه الخصوص إعجاب كبير بأميركا سواء على مستوى أداء الشخصيات أو الإخراج أو تمجيد النجوم. وعلى هذا الأساس قال بطل الفيلم لوميل: "كنا نريد أن نلعب لعبة صنع الأفلام".

اجتثاث الرجال Cutting up Men

لكن فيلم تومه الثاني "الشمس الحمراء"من إنتاج 1970 يعتبر من الأفلام المفضلة لجيل 68 في ألمانيا ولا يزال يتمتع ليومنا هذا بجماعة من المعجبين في كل أنحاء العالم. تقرر مجموعة من النساء اللاتي يقطن سكنا مشتركا الانتقام من عالم الرجال الكريه. والتخلص من أي عاشق بعد بضعة أيام. هؤلاء المتحررات الجدد –وهن من نسج خيال أماني ومخاوف مؤلفهن- جذابات ومطحونات. وتنشأ المشكلة في الفيلم عندما تقع بيغي في غرام توماس الذي يقوم بدوره ماركارد بوم، وهو في هذا الفيلم يلعب دور شخصية خرجت من ماكينة الحياة البرجوازية ويتميز بلسان زلق: "أنا لن أتحدث معك، فلديك تأثير سلبي علي. لكن يمكنك أن
تشعل لي سيجارتي...". تتحول لغته الفظة إلى أسلوب دارج، فمثلا عندما يتورط مع بيجي في المشكلة يقول لها باقتضاب: "أنت تعرفينني بالطبع، التكتيك لم يكن أبدا موضع قوتي، لكنني أمتلك جاذبية محطمة تجعل مني شخصا لا يُقاوَم" ومثل هذه العبارات خلقت تلك المكانة المميزة لفيلم تومه وكل من رأى الفيلم آنذاك قال إنه كان لبلموندو أن يلعب هذا الدور، وبوغارت قد مثله من قبل. لا تختلف نساء تومه السفاحات عن الرجال كثيرا. لم تكد حركة 68 أن تولد حتى تعثرت في أزمتها- فتمردات باريس فشلت وانتهت حركة الهيبيز بموت مؤسسيها بالمخدرات أو بالقتل.
وأيضا في فيلم "الشمس الحمراء" تبدو شخصية توماس منهكة من المدنية والحضارة: "هذا الكوكب يثير أعصابي". ويقوم مع بيغي بتخيل أماكن رومانسية للهروب: "سنسافر إلى المغرب، حيث تشرق الشمس وتجعلنا أجمل وأسعد، ستجعلنا بشرا أفضل".

أميركا

حدث في الولايات المتحدة ما لا يمكن تصوره في يومنا هذا، إذ أن ثقافة شبابية شعبية بدأت في محاسبة المظاهر الإمبريالية لحكومتها. ولم تتمكن هوليوود أيضا من تجنب المواجهة والجدال حول هيمنة أفلامها التي ظلت مسيطرة على شاشات السينما في كل أنحاء العالم لفترة طويلة. كان غودار قد قام في أوروبا بتفكيك الفيلم الهوليوودي الكلاسيكي، وقام معجبوه من أمثال تومه بالاقتباس منه وطبقوا نهجه على الطريقة الألمانية. وعموما كان لهذا التجريب السينمائي انعكاسات أخرى على هوليوود.

الجنس في الصحراء

كان فيلم أنطونيوني "نقطة زابريسكي" من إنتاج عام 1970 بمثابة أكثر رد فعل مباشر على التحولات التي شهدتها تلك الفترة. من بداية الفيلم مباشرة نرى بطله مارك (مارك فريشيت Mark Frechette) متمردا ومتفردا. يغادر نقاشا لا آخر له حول حركة الفهد الأسود Black Panther قائلا: "أنا أيضا مستعد للموت ولكن ليس بسبب الملل". ويُشتبه في مارك عندما يُقتل شرطي في إحدى المداهمات العنيفة، فيسرق طائرة بموتور واحد ويهرب إلى الصحراء. وهناك يلتقي بداريا (داريا هالبرين Daria Halprin) وهي تعمل سكرتيرة بدون وظيفة ثابتة وكانت في طريقها إلى مؤتمر في فوينكس. كلاهما يتعرف على الطبيعة الصحراوية الغريبة، بإيحاءاتها السوريالية، ثم يتعرفان على جسد بعضهما البعض ويمارسان الحب ويواصلان طريقهما. وعندما يريد مارك إعادة الطائرة، يُقتل. ويتبع ذلك المشهد الشهير الذي تقوم فيه داريا بتفجير البيت الذي قبع فيه رؤساؤها المتزمتون. يعتبر فيلم "نقطة زابريسكي" في مشاهده الواقعية وثيقة دقيقة تعرض لحركة الهيبيز الأمريكية ومعارضيها. ويكمن إنجاز أنطونيوني الفعلي في الحلحلة التدريجية للقص الدرامي الكلاسيكي، ففي الأجواء المخدِرة بصحراء وادي الموت الأمريكية تتلاشي أية قواعد حضرية، ويصعب الفصل بين الواقع والهذيان. تخرج الفانتازيا من الداخل إلى الخارج وتنعكس الانطباعات الخارجية بأحجام أكبر كثيرا من حجمها الحقيقي، وتتعدد صور

الأشخاص ويصبح كل شيء ممكنا. ويتميز مشهد الانفجار الختامي المصور بالحركة البطيئة والمصحوب بموسيقى بينك فلويد بجمال مروع، وهو شاهد على الخيالات اللامحدودة لهذه الفترة ويرمز للتمرد على القديم ويرسم نهاية مناسبة لمجتمع يفشل بسبب هوسه بالنمو التكنوقراطي.

Easy Rider / Easy Rider, USA 1969, with Dennis Hopper, Peter Fonda, director: Dennis Hopper; Copyright: defd/Kinoarchiv وحتى الآن لا يزال يُنظر لفيلم "نقطة زابريسكي" باعتباره مانفيستو سينمائي لفترته الزمنية، وباعتباره عملا يجسد تماما روح عصر الهيبيز. لكن سينما 68 كان لها تاريخ سابق أيضا في الولايات المتحدة، فقد أدركت هوليوود في عام 1960 أن حكاياتها القديمة تحتاج إلى تغيير، ولم يكن ذلك بدون وازع من أوروبا، إذ أنه إزاء الشلل الذي أصاب مصنع الأحلام كان هناك التجديد الذي أتت به الموجة الجديدة، وخصوصا فيلم غودار "لآخر نفس" أو طريقة الحكي الجديدة لدى أنطونيوني في فيلم "تكبير Blow Up".
يعتبر فيلم "Easy Rider" (1969) من إخراج وتمثيل دينيس هوبر وبيتر فوندا انطلاقة لما يسمى بهوليوود الجديدة Hollywood New وقد رُشح للسعفة الذهبية بمهرجان كان. منذ ذاك الحين أتاح المنتجون للمواهب الشابة حرية فنية ومالية لم يُعرف لها مثيل من قبل ولا من بعد. وخضعت أشكال الفيلم الكلاسيكية كأفلام الويسترن أو الأفلام البوليسية أو ميلودراما الحب أو أفلام المغامرات أو الكوميديا، إما لإعادة تقييم وجرت إعادة النظر أيضا في تصوراتها الأخلاقية، أو تم التخلي عنها تماما.
جلبت هذه الفترة معها أيضا مراجعة للتاريخ الرسمي، مراجعة للصورة البطولية التي ترسمها الولايات المتحدة لنفسها: أصبحت السينما تصور الوحشية في الاستيلاء على الأراضي في الغرب الأمريكي دون أية مواربة وبقدر أو بآخر تقارن ذلك بشكل غير مباشر مع ما يحدث في فيتنام. لقد أُنزل أبطال الويسترن النبلاء من فوق مطياتهم وحل محلهم أبطال إشكاليون جدد ينظرون للأحداث التاريخية من منظور غير مألوف: مثلا كأشخاص غير متورطين في الصراع أو كقتلة مأجورين أو هنود مخلطين.

وانقلب شكل آخر من أشكال السينما ذات الطابع الوطني، وهو أفلام الحرب الأمريكية إلى الطابع الهزلي الساخر. وتجري أحداث هذه الأفلام أثناء الحرب العالمية الثانية أو في كوريا لكن المقصود دائما كان فيتنام. يفقد أبطال الأفلام أي إيمان برسالتهم ويهربون من الواقع بالتهكم أو يلجئون إلى المخدرات أو إلى الفكاهة الفوضوية المستهزئة بقيم المجتمع أو الجنون.

ما وراء الأفقBeyond the Horizon

كان لحركة 68 تأثير عالمي وشملت إيطاليا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا واليابان وأستراليا والمكسيك والمجر وكان لها تأثير على الثقافة السينمائية في هذه البلدان. ذكر أسماء البعض يعني أننا سنغفل البعض الآخر، ولكن فلنحاول أن نلقي نظرة عامة على زخم هذه السنوات: يهدم بازوليني بفيلمه "Teorema" العائلة الصغيرة، وينتزع البريطاني ليندساي أندرسون بفيلمه عن المدرسة الداخلية "If…" السعفة الذهبية من فيلم دينيس هوبر "Easy Rider"، ويخرج ستيفن فريرز فيلم "Kes" في إنجلترا ويخرج إريك رومر فيلم "ليالي عند مو" في فرنسا. وفي شرق أوروبا يظهر أثر أندريه وايدا وميلوس فورمان وستفان تسابو وبيفوفسكي وماكافييف. وفي السويد تتيح أوله هيلبورن لـ "بيبي لانغشترومف" بطلة كتاب الأطفال الشهير أن تعبر عن تلك الفترة، فهي فتاة صغيرة تعيش وحدها وهي أقوى من أي رجل ولديها صندوق كنز ببيتها، لذا فهي لا تحتاج لمن يطعمها وليست رهينة لسوق العمل، وتصنع عالمها بنفسها. ويواصل السوريالي لوي بونويل الذي كان له تأثير أكيد على غودار ووودي ألان ومونتي بايتون إزعاجه ومهاجمته للبرجوازية المستقرة المنعمة، ولـ "جاذبيتها الخفية". أما اليوناني كونستانتين كوستا غافراس فيخرج فيلما بعنوان "الثورة الخفية" عن انتفاضة شعب التوبامارو في أوروغواي. ويدين جيل بونتكورفو الاستعمار في فيلمه "Queimda"، وكان قد أخرج قبل ذلك بعامين فيلمه الشهير "معركة الجزائر" الذي تناول حرب التحرير الجزائرية. وبالمناسبة ماذا كان يجري في العالم الإسلامي في ذلك الحين؟ كانت حركة التحرر في المغرب العربي هي بعينها، ما أعاق تطور حركة سينمائية حرة. احتفت السينما الثورية بتحرر الوعي الجمعي العربي، ولا يُنكر أن هذا التنميط الإيديولوجي قد دعم ظهور أفلام واقعية لكنه لم يسمح إلا في حالات منفردة، بوجود لمسة فنية خاصة

ومتميزة. أما تركيا فكان لها وضع خاص في تلك الفترة، فإن كانت المنطقة كلها تقريبا في مرحلة الرفض الحاسم لـ"الإمبريالية الثقافية"، فإن السينما الأمريكية وجدت في اسطنبول نقطة تلاقي مع السينما المحلية. منذ نهاية الستينات تجري في تركيا عملية نقل مكثفة للأفلام الأمريكية: فهناك نسخة تركية مقلدة لكل ما يخطر على البال من الأفلام الأمريكية مثل "الفك المفترس" و "حرب الكواكب" و "إي. تي" و"طرزان" و"رامبو" إلخ... وقد أُنتجت هذه الأفلام الهزيلة المستوى في فترة العوز الاقتصادي والقمع السياسي بأقل تكلفة ممكنة، ولكنها كانت تنتج بسرعة وحماس شديدين. ومع احتماء وطيس الإنتاج كان يجري نسخ مشاهد بأكملها من الأصل الأمريكي أو يتم السطو على موسيقى الفيلم الأصلي، وكان هذا كله في صالح سرعة الإنتاج. في فيلم كونت تولغار "سوبرمان ينقذ اسطنبول"، ينشأ سوبرمان التركي في بيت أمه المحجبة قبل أن يبدأ رحلته الطويلة إلى قلب المدينة. وكان يلماز غونيه من بين نجوم السينما المشاهير في ذاك الوقت وكان يشارك سنويا في ما يقرب من عشرين فيلما من الأفلام المسلوقة سريعا، وغالبا ما يظهر في دور البطل الذي يخوض نضالا ميئوسا ضد السادة الإقطاعيين في الأناضول. وفي عام 1968 أخرج أول عمل سينمائي مهم له وهو "السيد خان" ومنذ ذاك الوقت اعتبر غونيه نفسه مخرجا مؤلفا، وقد تم اعتقاله بشكل دائم بسبب توجهاته الماركسية وتوفي عام 1987 في المنفى. وكان دينيز غيزميز رفيقه في الفكر والنضال وزعيم اليسار في حركة 68 التركية، وهو شخصية تقع في منزلة بين زعيم الحركة الطلابية الألماني رودي دوتشكه وتشيه غيفارا، قد أُعدم عام 1972 بعد انقلاب العسكر. لكن غيزميز لم ينل التكريم إلا لاحقا في فيلم ريس تشيلك "وداعا يا صديقي" من إنتاج عام 1998. إذاً، السينما التركية لا زالت في بداية عملية معالجة تلك الفترة.

في إيران انطلقت الشرارة الأولى بعد مقتل الطالب الألماني بينو أونزورغ في المظاهرات المناهضة لزيارة الشاه إلى ألمانيا في برلين عام 1967، والتي دخلتها عناصر إيرانية موالية للشاه وتشاجرت مع الطلبة المحتجين، وكانت تلك بداية لحركة انشقاقية من المفترض أن تؤدي بشكل غير مباشر إلى سقوط الشاه. ووجدت "الموجة الجديدة" في السينما الفرنسية نظيرة لها في السينما الإيرانية وبالاسم نفسه "موج نو"، وكان رواد هذه الحركة السينمائية يقومون بتبني تقاليد الحكي الأمريكية لقصص الإثارة والقصص البوليسية الأمريكية ويحولونها لقصص إيرانية أصيلة: فمثلا فيلم مسعود كيميائي "قيصر" يعرض لمعركة الثأر التي يخوضها فتوة إحدى الضواحي من أجل الانتقام لشرف أخته. ويُظهر مشهد القتل الرئيسي الصامت في الحمام والذي يستمر لدقائق، بمونتاجه المتميز التأثير الواضح لهيتشكوك، لكنه يحفظ في الوقت ذاته الأسلوب الخاص لمخرجه، فطوال الفيلم هناك إشارات لصور ورموز بصرية إيرانية قديمة.

لكن العمل الأبرز في تلك الفترة كان فيلم "البقرة" (1969) لدرويش مرجوي، فهو عمل فني متميز وملغز، يحكي عن فلاح يقع في غرام بقرته. ويعرض مرجوي الذي يعد ليومنا هذا من أغزر المخرجين الإيرانيين إنتاجا، في هذا الفيلم مشاهد واقعية من حياة الفلاحين ويربطها بلغة رمزية ستحدد مسار السينما الإيرانية في السنوات التالية. يحاول جيل كامل من المخرجين الجدد، كل على طريقته، أن يقدم مضمونا نقديا بوسائل بصرية وسردية جديدة.

أما في مصر فلم تشهد السينما بعد التجديد الذي أدخله يوسف شاهين وصلاح أبوسيف على مستوى الشكل قبل عقود أي تطور. كان شادي عبد السلام هو المخرج الوحيد المهتم بالصورة وكان التحديث مرتبط لديه بالرجوع إلى الماضي، إلى الإرث الفرعوني. يتميز فيلمه الروائي الطويل الوحيد "المومياء" ببراعة غير معهودة على مستوى الصورة ومضمون متفجر. ويحكي الفيلم عن ونيس الشاب الصعيدي الذي يكتشف أن عشيرته تكسب قوتها منذ عشرات السنين من بيع كنوز المقابر الفرعونية. وبعد تردد طويل يقرر الوقوف في وجه القبيلة ويعارض بيع الآثار وفي نهاية المطاف يُبلغ علماء الآثار بالمكان، فهم على أية حال القادرون على فك طلاسم النقوش القديمة. وتعتبر قصة لصوص المقابر حكاية رمزية رائعة عن العلاقة بالغرب وبالإسلام وبالتاريخ المصري القديم. وتشيع المشاهد الطويلة الثابتة وحركة الكاميرا المتهادية والحوار الدائر بالعربية الفصحى جوا أشبه بسحر التنويم المغناطيسي.

مع ذلك تعتمد جودة معظم الأفلام المصرية على الجانب السردي. فمثلا "ثرثرة فوق النيل" (1971)لحسين كمال مأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ كما هو حال العديد من أفلام تلك الفترة، وتتخلل الفيلم نبرة محافظة تشبه تماما تلك اللحظة التي كان المجتمع المصري يعيشها. ففي إحدى العوامات على النيل تصنع نماذج من الطبقة الوسطى المصرية- محامي وكاتب وممثل- جنتها الخاصة وكأنها Swinging London أخرى: يجعل التحشيش لآخر نفس ممكن والرقص المجنون وتبديل العلاقات من هذا العالم الصغير ملاذا من الحياة اليومية الكئيبة المفرغة من معناها.

المشهد الوحيد الملون في الفيلم الذي صُور كامله بالأبيض والأسود، عبارة عن مشهد من فيلم غنائي يصوره الممثل رجب ويتضمن أغنية "الطشت قال لي"، وهو مشهد مسل لكنه يتضمن أيضا انتقادا قويا لصناعة السينما الاستهلاكية الخاوية من المضمون. ويصور كمال رذائل ونزوات شلة العوامة بمرح، وبعين المراقب. لكنهم رغم ذلك يعتبرون خائنين للجماعة، ويفيقون من انغماسهم في الشهوات بشكل مفاجئ، فأثناء قيامهم بنزهة بالسيارة يدهس رجب فلاحة ويهرب. ويحاول الجميع نسيان موت الفلاحة، لكن هذا الحادث يؤدي في النهاية إلى انهيار كومونة الهامشيين تلك.
وتوضع هذه الثقافة المضادة أي الحياة الغارقة في الملذات في مواجهة الحرب الدائرة مع إسرائيل. ويقول عائد من الجبهة "أنا شفت شبان واقفين ع النواصي ببنطلونات محزقة ومربيين سوالف ومعلقين سلاسل دهب والا الستات بقى، حصل لهم تطور، كل ما أجي ألاقي فساتينهم بتكش لفوق عشرة سنتي...ناس تقعد تهزر وتهرج وتربي سوالف وترقص، وناس تحارب وتموت ". في سينما الغرب سار الكفاح من أجل الحصول على حرية ممارسة الرغبات، أي الجنس وتعاطي المخدرات والموسيقى والفكاهةالمستهزئة بقيم المجتمع، جنبا إلى جنب مع حركة السلم ورفض الحرب. في حين تعد هذه الحريات لدى حسين كمال انهيارا أخلاقيا وخيانة للوطن، والخلاصة التي يريد أن يصل إليها الفيلم هي: لا متعة بلا ندم.

مرت بعد ذلك فترة طويلة حتى أدخل يوسف شاهين نوعا سينمائيا يتميز بالفردية والرؤية المبنية على السيرة الذاتية، وذلك بفيلمه "اسكندرية ليه" (1978). ويطور شاهين في ثلاثيته السكندرية مبدأ غودار الرافض للإيهام، فهو يحطم نماذج السرد القديمة وينظر إلى ما وراء كواليس مصنع الأحلام ويجسد نفسه في أفلامه كمخرج يدخن بشراهة ويعمل تحت ضغط. هنا تتحول صناعة الفيلم إلى شيء ملموس وتلقائي وشفاف ويصبح الفيلم عملا قيد الصنع Work in Progress ومرتبطا بشكل وثيق بالحياة الخاصة لمخرجه وما يجري فيها. وإلى ذاك الحين لم يعرف العالم الإسلامي سينما المؤلف ذات الصبغة الذاتية الراديكالية والتي أسس لها جيل 68، بمعنى آخر فإن إعطاء المخرج أهمية لذاته بهذا القدر يشكل على ما يبدو خطرا على الوعي الجمعي. هذا ولم ينسخ شاهين الأساليب السينمائية الغربية نسخا أعمى، فهو لم ينكر أبدا جذوره، بل على العكس حاول مصالحة القديم مع الجديد، بمزجه مثلا عناصر من الغناء الشعبي المصري داخل قصص أفلامه. ولم تستفد السينما المصرية الحالية ليومنا هذا بشكل فعلي من هذه التجديدات.

وفي العموم يبدو أن المشرق قد تفاعل بشكل متأخر مع التجديدات التي أدخلتها حركة 68 على السينما. ففي عام 1976 قدم مرزاق علواش فيلمه "عمر قتلته الرجولة" الذي يضيف ملمحا جديدا للسينما الجزائرية، وبعد ذلك بعقد تقريبا نشاهد فيلم التونسي نوري بوزيد "ريح السد" بشخوصه المثليين الهامشيين، أو نشاهد التجارب الشكلية لناصر خمير كانعكاسات متأخرة لسينما 68. ونستطيع القول إن السينما الإيرانية على وجه الخصوص هي التي تواصل السير على نهج إنجازات تلك الفترة. وليس من فراغ أن تكون أكبر جماعة من المعجبين بمخرج الجوائز الإيراني عباس كيرواستامي ومقلديه، من عشاق السينما الفرنسية. يقدم كيرواستامي وأتباع مدرسته قصصهم بالاستعانة بممثلين غير محترفين في مناطق ريفية، وتتميز القصص بالبساطة والسذاجة لكن لها أيضا طابعا ما بعد حداثي وهي قابلة للتفسير بأوجه شتى. ويجعلنا التشكيك في حقيقة ما يجري على الشاشة، واللعب بهوية الشخصيات واختلافاتها وبالصدق والكذب والعلاقة بين الفيلم والواقع، يجعلنا كل ذلك نتذكر غودار. ومع أن كيرواستامي يذكر لنا مناهل أخرى أثرت عليه كمسرح التعزية الشيعي والشعر الإيراني والموسيقى الصوفية، فيمكننا القول إن مثل هذه الأشياء كانت ستروق أيضا للهيبيز.

Download Symbolالنص الكامل  (pdf, 246 KB)

ترجمة أحمد فاروق

أمين فارزانفار: من أشهر نقاد السينما في ألمانيا ويعيش في كولونيا. صدر له مؤخرا كتاب "سينما الشرق: أصوات منطقة" بدعم من معهد غوته الألماني. Kino des Orients. Stimmen aus einer Region. Schüren Verlag, Marburg 2005.

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي