وسائل الإعلام

حقوق النشر والإنترنت
تحديات جديدة للكتّاب ودور النشر

حقوق النشر والإنترنت Photo: Tim Otto Roth: Sans point de vue ثمة شبح يحوم حول أوروبا: إنه شبح القرصنة. من منا يا ترى لم يسمع ذات مرة بأن شركات التسجيلات الموسيقية تسجل خسائر بالمليارات بسبب نسخ كميات هائلة من الملفات الموسيقية ونشرها عبر بورصات التبادل غير المشروعة في شبكة الإنترنت؟ رغم ذلك كان يُظن قبل فترة وجيزة بأن تلك مشكلات تخص قطاع التسلية والترفيه، ولن يتأثر بها سوق الكتاب ذي الثقافة الراقية، فلم يكن من المتخيل أن ثمة من يريد أن يقرأ كتابا على شاشة إلكترونية.

لكن منذ أن أصبحت أسعار أجهزة القراءة الرقمية المسماة بالكتاب الإلكتروني معقولة نسبيا، وبالتالي صارت مطروحة في الأسواق على نطاق واسع، تنامى الطلب بإطراد على الأدب في صيغته الإلكترونية. وقد أدى ذلك بدوره إلى اكتشاف اتحاد تجارة الكتب الألماني، الذي يمثل مصالح الناشرين وأصحاب المكتبات، لشبح القرصنة الإلكترونية على شبكة الإنترنت. وهكذا طالب الاتحاد في "رسالته السياسية" المنشورة في نوفمبر عام 2009 "السياسيين بالتحرك"  معتبرا "أن اقتصاد الإبداع يرى في الاستغلال غير المشروع للعروض الموسيقية أو النصية سرقة ثقافية يتم التهوين من خطورتها بوصفها بالقرصنة". ووفقا للتقديرات فإن 49% من الكتب المسموعة و39% من الكتب الإلكترونية يجري تنزيلها من شبكة الإنترنت بصورة غير مشروعة. ويمثل هذا حسب الاتحاد تهديدا "لأصحاب الملكية الفكرية" لذا فهو يطالب بضرورة الاستمرار في تطبيق قوانين "حماية الملكية الفكرية" بشكل حاسم، وبتطبيق نموذج يقضي "في البداية بتحذير من ينتهك قوانين حماية الملكية الفكرية من المستخدمين وتوعيته، ثم إنزال عقوبات فعالة بحقه في حال تكراره لهذه الخروقات". ويعُرف هذا النموذج بنظام "الضربات الثلاث" أو "رد الفعل التدريجي"، وفي فرنسا تم تشريع قانون طبقا لهذا النموذج يحمل الاسم المختصر Loi Hadopi. ووفقا لهذا النموذج يُعاقب مستخدمو الإنترنت الذين يكررون تنزيل مواد محمية بحقوق الملكية الفكرية من مصادر غير مشروعة، بمنعهم من الدخول إلى شبكة الإنترنت؛ وقد تصل مدة العقوبة في فرنسا إلى عام كامل.

ويؤكد نص"نداء هايدلبرغ" الذي أطلقه رولاند رويس الباحث في مجال تحقيق النصوص، على سوء أوضاع حقوق "الملكية الفكرية" وحقوق النشر للمؤلفين حاليا. فمن خلال هذا الخطاب شديد اللهجة، الذي وقعه لحد الآن 2674 من الكتاب والباحثين في الدراسات الإنسانية، وحمل عنوان "من أجل حرية النشر والحفاظ على حقوق الملكية الفكرية"، احتج رويس في عام 2009 ضد المسح الإلكتروني غير المصرح به للكتب المحمية بموجب حقوق النشر في إطار مهمة البحث عن الكتب في محرك غوغل الشبكي. ولا يخشى رويس من الخسارة المادية التي سيتكبدها المؤلفون جراء ذلك بقدر ما يخشى على فقدانهم لسيادتهم على أعمالهم: فكما ورد في البيان "لا بد أن يكون القرار في المستقبل للكتاب والفنانين والعلماء، باختصار أن يكون لدى كل المبدعين حرية القرار بشأن نشر أعمالهم والمكان الذي ينشرونها فيه".ويرى رويس أن غوغل قد انتهكت هذا الحق بعرضها لأجزاء من هذه الأعمال كنتيجة للبحث في محركها على شبكة الإنترنت.

الخوف من العالم الرقمي

ولم يكن الشعور بنوع من "عدم الرضا في الأوساط الثقافية" تجاه التحول الذي شهده الإعلام الرقمي بأي حال من الأحوال هو السبب في الأصداء الهائلة التي لقيها "نداء هايدلبرغ". فقد اعترف رولاند رويس نفسه خلال أمسية في دار الأدب في فرانكفورت بأن وجود أعماله في الإنترنت بدا له مثل "خطف أطفاله ووضعهم في ملعب لكرة القدم حيث يتركون بدون أي رعاية لحشد طليق من الرعاع". ووصف غونتر نيكل مسؤول التحرير والمراجعة بصندوق دعم الأدب الألماني منتقدي النداء في عمود له بمجلة Perlentaucher الأدبية الإلكترونية بأنهم السيدات والسادة من تكتل " البخل شيء رائع"، وذلك في إشارة إلى الدعاية الإعلانية لأحد متاجر الإلكترونيات. أما وزير الدولة للشؤون الثقافية بيرند نويمان فأوضح في نوفمبر عام 2009 بأنه يريد التصدي "بحسم للعقلية التي تسعى للحصول على كل شيء بالمجان في الإنترنت"، ويسعى بقوة "لدعم حقوق النشر، ولحماية الإبداع في بلادنا من أي مساس بملكيته الفكرية؛ سواء كان ذلك من قبل مؤسسة عملاقة مثل غوغل أو من قراصنة الإنترنت".

لا تلقى مثل هذه الخطب استحسانا كبيرا لدى دور نشر الكتب والصحافة فحسب، بل وأيضا لدى الكثير من الكتاب. فلم يكن الكتاب في ألمانيا، بغض النظر عن بعض الاستثناءات، أغنياء في الماضي. وكانوا يرجعون ذلك في الغالب إلى سوء تعامل الناشرين وضيق أفقهم أو إلى جحود الجمهور أو إلى الظروف بشكل عام. مع ذلك بدا مؤخرا وكأنه لم يعد هناك سبب للشكوى، حتى ظهرت شبكة الإنترنت. فتقليديا كان الناشرون يدفعون للكتاب مكافأة عن أعمالهم ويتمكنون من تعويض هذا المبلغ مجددا من مبيعات الكتب والآن مع دخول صناعة الكتب عصر التكنولوجيا الرقمية يخشى المبدعون من عدم نجاح عملية إعادة التمويل تلك، لأن مستخدمي الإنترنت، كما هو شائع، لا يظهرون"احتراما للقيمة وللأهمية الاقتصادية للملكية الفكرية"، والاقتباس هنا مجددا من بيرند نويمان. فالناس، حسب رأيه، يريدون الحصول على كل شيء في الإنترنت بالمجان وإذا لم يحصلوا عليه على سبيل الهدية يقومون بتحميل نسخة غير مشروعة. لكن إذا لم يحصل الكتاب على أجر لقاء نصوصهم، فعلى ماذا يعتمودن إذن لكسب عيشهم إذن؟ وعلى ما يبدو فإن الخوف الأعمى من زوال مصادر الدخل هو الذي يحرك الناشرين والكتاب أيضا للمطالبة بحماية أكبر لحقوق النشر، بحيث يصبحون قادرين على تأمين عيشهم. وهم على كل حال على قناعة بذلك، ولا يقتصر الأمر عليهم وحدهم، فهذه القناعة تظهر مجددا في كل مقال يتعرض ولو بشكل هامشي لموضوع حقوق النشر ووسائل الإعلام الإلكترونية.

أصل حقوق النشر

المثير في الأمر أن هذه القناعة الخاصة بحماية حقوق النشر لا تدين بالفضل بأي حال من الأحوال لتحليل الوضع المعيشي للكتاب المعاصرين، بل يتعلق الأمر بتصور تقليدي يعود في أصله إلى كلمة ألقاها توماس بابينغتون ماكولاي في الخامس من فبراير عام 1841 أمام البرلمان الإنجليزي:

إن المزايا المترتبة على وجود نظام لحقوق النشر واضحة. فضرورة الحصول على زاد من الكتب الجيدة يعد من الأمور المرغوبة، لكننا لا يمكننا الحصول على مثل هذا الزاد من الكتب إلا إذا كوفئ الكتاب بسخاء، ومكافأتهم من خلال حقوق النشر هو أقل السبل إثارة للجدل. لا يمكنك الاعتماد في تعلم دروس الأدب والاستمتاع به على وقت الفراغ لدى أناس يمارسون مهن الحياة اليومية. فهؤلاء قد يتمكنون أحيانا من كتابة مؤلفات مميزة جدا. لكن يجب ألا تتطلع لهؤلاء في أعمال تتطلب تأملا عميقا وبحثا طويل الأمد. أعمال كهذه يمكنك توقعها من أناس جعلوا من الأدب مهنة حياتهم. وهؤلاء الأشخاص لن تجد إلا قلة منهم بين الأغنياء والنبلاء. فليس الأغنياء والنبلاء بمكرهين بالضرورة على بذل جهد فكري (...) لذا فسيتطلب الحصول على كتب قيمة الاعتماد على رجال حرفتهم الأدب، وأحوالهم المالية غير ميسورة. لا بد من مكافأة هؤلاء الرجال على عملهم الأدبي. وثمة سبيلان لعمل ذلك، الأول هو وجود راع ممول والثاني هو حقوق النشر.

الرعاية أو حقوق النشر، هذان هما الخياران المطروحان وفقا لماكولاي لضمان حياة محترمة للكتاب. لكن هل تقوم حقوق النشر فعلا بهذه الوظيفة؟ في ديسمبر عام 2007 قدم كل من مارتين كريتشمر وفيليب هاردويك، من معهد سياسة وإدارة حقوق الملكية الفكرية في جامعة بورنماوث البريطانية، دراسة كان ستعتبر من الدراسات الرائدة لولا تجاهل اتحادات وجمعيات الكتاب ووسائل الإعلام لها على حد سواء، على الأقل في ألمانيا. وقد انشغل الباحثان، اللذان عملا بتكليف من جمعية المؤلفين البريطانيين ALCS، بالسؤال عن مقدار ما تمثله عائدات حقوق النشر من إجمالي دخل المؤلفين البريطانيين والألمان. هناك إحصاءات عديدة عن دخل المبدعين المتفرغين. وفي ألمانيا تعد بيانات صندوق الضمان الاجتماعي للفنانين معيارا مهما لرصد متوسط دخل الكتاب والصحافيين الذين يعملون لحسابهم الخاص، والذي بلغ في عام 2008 ستة عشر ألفا ومئتين واثنين وثلاثين يورو، لكن لم يسبق لأحد من قبل أن تناول بالبحث حجم ما تمثله عائدات حقوق النشر في هذا المبلغ.

فقر الكتاب رغم حقوق النشر

ووفقا للدراسة بلغت عائدات حقوق النشر للكتاب الألمان المحترفين الذين يخصصون أكثر من 50% من وقتهم للكتابة، في عام 2004 في معدلها النموذجي اثني عشر ألف يورو. والمقصود بمعدلها النموذجي أن خمسين في المئة من الكتاب حصلوا على أكثر من ذلك وخمسين في المئة حصلوا على أقل من ذلك وهو معدل لا يجب الخلط بينه وبين القيمة المتوسطة التي قد تزيد كثيرا بسبب ارتفاع الدخل المسجل لدى بعض الحالات المنفردة. هذه العائدات ليست منخفضة فحسب بل وغير موزعة بتساو: 41% من عائدات حقوق النشر يحصدها عشرة في المئة من الكتاب، فيما يحصد نحو خمسين في المئة اثني عشر في المئة فقط من هذه العائدات، فيما كان المعدل النموذجي للدخل السنوي لكاتب محترف أعلى من ذلك بكثير إذ بلغ واحدا وأربعين ألفا وستمئة وأربعة وأربعين يورو.

ويتضح نظرا لهذه النتائج أنه من المشكوك فيه اعتبار عائدات حقوق النشر أساسا لمعاش كاتب محترف. وحسب دراسة كريتشمر فإن الكتاب في ألمانيا يكسبون أقل من الكتاب في بريطانيا؛ رغم أن تشريعات حقوق النشر في ألمانيا تعد بشكل عام في صالح المؤلف أكثر من التشريعات المماثلة في بريطانيا. بالأحرى، أظهرت الدراسة أن دخل الكاتب يرتبط بشكل أساسي بنسبة مبيعات كتبه. ولا يعود ارتفاع دخل الكاتب الناجح إلى تحسن نسبة مبيعات كتبه فحسب، بل ويمكنه ذلك أيضا من التفاوض للحصول على شروط أفضل للعقود وأن يضمن لنفسه نسبة أكبر من العائدات. ففي الأسواق الثقافية يسود مبدأ "الفائز يحصد كل شيء". ففي مقابل دان براون تقف مجموعة كبيرة من الكتاب الذين يحاولون بالكاد سد احتياجاتهم المعيشية. وليس لذلك علاقة بحقوق النشر.

رغم ذلك نجد أن الكتاب على وجه الخصوص هم أيضا من يتعلقون بأسطورة حقوق النشر كأساس لحياة محترمة للمبدعين؛ وهو كتعلق الغريق بقطعة خشب طاف. فنظرا للظروف الحرجة التي يعيشها معظم الكاتبات والكتاب تحولت هذه الحقيقة الوهمية فجأة إلى مطلب: لابد أن تكون عائدات حقوق النشر كافية لضمان الأساس المعيشي للكتاب. ورغم أن ذلك شيء لم ينجز مطلقا، بدا فجأة وكأن الإنترنت وقراصنتها ونسخها المسروقة قد أصبحت هي السبب الآن في عدم تحقق هذا الأمر.

وقد وجد المؤلفون دعما لوجهة النظر هذه لدى الناشرين. ولهؤلاء الأخيرين مصلحة واضحة في ذلك، وهو ألا ينقلب الكُتاب عليهم بسبب استيائهم من ضآلة دخلهم، ومن الأفضل أن يصبوا جام غضبهم على غوغل وشبكة الإنترنت عموما، وإلا فربما ستخطر لهم فكرة مطالبة الناشرين بقطعة أكبر من الكعكة، كأن يطالبوا بحصة أكبر من عائدات مبيعات النسخ أو من عائدات نشر مقتطفات من العمل في الصحف قبل إصداره في كتاب، أو من عائدات الطبعة الشعبية أو أي استغلال آخر لأعمالهم. كما أن للناشرين مصلحة أيضا في التخلص من المنافسة التي بدأت تنمو في وسائل الإعلام الإلكترونية. وعندما يحاول اتحاد الناشرين وتجار الكتب الألمان مرارا التشكيك في مصداقية الإنترنت باعتبارها "فضاءً غير خاضع للقانون"، ويتهم نشاطات المسح الإلكتروني للكتب لدى غوغل بأنها عملية "نزع ملكية بارد" للمؤلفات والمؤلفين، فإنه لا يمثل هنا مصالح المؤلفين وإنما مصالحه الخاصة. فحقوق النشر ليست هي المهددة في الواقع وإنما المهدد هو احتكار الناشرين لعملية التسويق.

ولفهم ذلك علينا أن ندرك أي أساس قانوني تستند إليه دور النشر عند نشرها لكتب المؤلفين. إذ تحتاج دور النشر لتصريح من صاحب الملكية الفكرية أي المؤلف، وهذا الأخير ينقل لها (دور النشر) حق إنتاج نسخ عديدة من عمله في صورته المطبوعة وحق توزيعه. وقد أتاح هذا التصريح لدور النشر في الماضي أن تصبح محتكرة للعمل بقدر ما، إذ لم تكن هناك تقريبا أي أشكال أخرى للاستخدام التجاري للعمل الأدبي سوى الشكل المطبوع، أو أن هذه الأشكال لم تكن ذات أهمية مقارنة بطباعة الكتب. إضافة إلى ذلك كان بإمكان دار النشر أن تراقب بسهولة عملية إعادة طبع وانتشار العمل الأدبي، لأن قراءة العمل والتعرف على مضمونه مرتبطة، بغض النظر عن إمكانية زيارة المكتبات، بشراء نسخ منه.

النشر بدون دور نشر

تغير الوضع تماما، منذ صارت النصوص متاحة في صيغتها الإلكترونية. منذ ذلك الوقت اكتسب حق آخر من حقوق النشر أهمية كبيرة: إنه حق النشر العلني في شبكة الإنترنت. ويتم التفرقة بشكل واضح بين هذا الحق وبين حق طباعة نص ونشره ككتاب. ووفقا لهذا الحق يمكن للكتاب في يومنا هذا أن ينشروا أعمالهم بدون دور نشر. لا أحد يستطيع منعهم من نشر كتابهم بكل بساطة ككتاب إلكتروني. ويمكن بالتعاون مع شركة للطباعة حسب الطلب نشر عدد من النسخ المطبوعة من الكتاب تتماشى مع حجم الطلب عليه.

لكن معظم الكتاب لا يزالون مترددين. وخصوصا الأدباء الذين لا يشعرون في معظم الأحيان بارتياح كبير عندما يرون أن عليهم في المستقبل أن يقوموا بالتسويق لأنفسهم. لهذا فلا بد من النظر للدعوة إلى حماية حقوق النشر في هذا السياق. ففيه تتبين أيضا على وجه الخصوص تلك الحاجة إلى الحماية من تحديات السوق غير المعهودة لدى الكتاب. فكلما زادت ضمانات حقوق النشر قل الاعتماد على الإنترنت وتراجعت الحاجة إلى أن يقوم الكاتب بالترويج لنفسه. وبقدر ما تبدو هذه الصيغة غير عقلانية، فإنها توضح على الأرجح سر هذه الحماسة لحقوق النشر لدى الكتاب الألمان المعاصرين وعدم ميلهم للصيغة الإلكترونية للنشر.

كما تسود أيضا بشكل خاص المخاوف من فقدان مؤسسات سوق الكتاب التقليدية لوظيفتها كحارس لبوابة النشر. فنشر وتوزيع كتاب مطبوع عبر سوق الكتاب التقليدي يتطلب استثمارا ماليا ضخما، ما يضطر دور النشر إلى الانتقاء في اختياراتها للنشر. ولا يتمكن سوى قدر ضئيل جدا من الكتاب الراغبين في النشر من طباعة كتبهم عبر هذه الدور.  يقوم النقاد بعملية انتقاء تالية، فعدد قليل جدا من الكتب المنشورة يتم تناوله في الصحف والمجلات والبرامج الأدبية التلفزيونية، فيما لا يصل إلى المكتبات إلا مجموعة منتقاة ومحدودة من العناوين، وتتم الدعاية لأقل عدد منها بصورة مكثفة، بحيث تشهد مبيعاتها رواجا جيدا، وتؤمن لكتابها دخلا معقولا.

أما على شبكة الإنترنت فلا معنى لتضييق حدود المعروض. فالكتاب يستطيعون النشر بلا قيود، بدون أن يضطروا للخضوع لحكم المراجعين والنقاد وتجار الكتب. لكن عليهم في المقابل أن يخشوا أيضا من خطر الاختفاء في خضم الكم اللامحدود من المواد المنشورة على شبكة الإنترنت. فأي مؤسسة ستقوم إذن في الإنترنت بوظيفة الانتقاء، أو ستكون هي المرشح؟

هنا سنجد محركات البحث من جهة والمنتديات الاجتماعية من جهة أخرى. في الوقت الحاضر يمثل استعمال محركات البحث لمعظم مستخدمي الإنترنت الخطوة الأولى للحصول على أي نوع من المعلومات وهي تعد بالتالي حارس البوابة الكلاسيكي. إذ لا تراعي قواعد البحث سيئة السمعة لدى محرك غوغل دعايات دور النشر ولا ما يوصي نقاد الأدب بقراءته. وفي الوقت نفسه تكتسب القرارات الشرائية لمستخدم الإنترنت أهمية أكبر من دعايات دور النشر وتوصيات النقاد. وسيزداد هذا التوجه مع قيام شركات محركات البحث باستثمار مزيد من الجهود من أجل ملائمة نتائج البحث مع المتطلبات الشخصية للمستخدم. ويجري حاليا العمل بشكل مكثف من أجل أن تُقدم لكل مستخدم قوائم نتائج مناسبة له تماما، وترتكز على تقييم سلوكه في تصفح مواقع الإنترنت.

وعلى صعيد آخر تؤثر توصيات ونصائح الأصدقاء والمعارف في المنتديات الاجتماعية مثل الفيس بوك بشكل كبير على السلوك الشرائي للمنتجات الإعلامية كالأفلام والملفات الموسيقية وأيضا الكتب. ومع ذلك لا يقتصر الأمر هنا فقط على أن مستخدمي هذه الشبكات الاجتماعية يثقون في آراء أصدقائهم ومعارفهم أكثر من دعايات دور النشر أو توصيات النقاد، بل يلعب الوقت الذي يقضيه هؤلاء في هذه الشبكات دورا أيضا، فهذا الوقت يقتطع من الفترة التي كان المرء يخصصها في الماضي لوسائل إعلامية أخرى- كأن يقرأ على سبيل المثال مقالات النقد الأدبي في الصحف.

حرية أم سوق؟

هل يمكن أن تصبح قواعد محركات البحث والمنتديات الاجتماعية في الإنترنت بديلا عن اختيارات دور النشر وأحكام النقاد؟ هذا ما سيظهره المستقبل. وفي نهاية المطاف لا يطمح الناشرون في الوقت الحالي إلا لشيء واحد وهو مطابقة توقعات السوق بأقصى قدر ممكن من الدقة. فمن خلال المساحة التي يخصصها محررو الصفحة الأدبية في الصحف الكبرى لأعمال كتاب بعينهم ولا تتاح لغيرهم، يتعرف المرء بوضوح شديد على ما ترغب دور النشر في الترويج له بقوة- وتعد الملفات الضخمة التي تعدها صحيفة ك"فرانكفورتر ألغماينه" عن كتب لمؤلفين مثل دانيال كيلمان أو جون ليتل أمثلة جيدة على ذلك. هذا ولم يعد أصحاب المكتبات يشترون عناوين دور النشر الصغيرة التي لا يُروج لها بحملات دعائية ضخمة، فيما يحصلون على مبالغ ضخمة من أجل العرض المربح لكتب بعينها في نوافذ محالهم.

لا يتوقف نجاح الكتاب أو عدم نجاحه بالضرورة على أهميته (ناهيك عن كاتبه)، بل على الجهد الدعائي المكثف الذي استثمرته دار النشر في هذا الكتاب. إذ يكلف "الدفع بكتاب إلى السوق" حسب تعبير الناشرين والوصول به حسب الإمكان إلى قائمة أفضل المبيعات أكثر بكثير مما يستطيع معظم الكتاب استثماره بأنفسهم. وهذه المبالغ يتم تعويضها من خلال المبيعات الضخمة وحدها.

إذا انتفت الحاجة لهذه الدعاية لأن النشر الإلكتروني لم يعد يكلف شيئا تقريبا، فلن يكون ذلك في غير صالح الكاتب. ومن لا يطمح بالضرورة إلى اجتذاب جمهور واسع، سيتمكن مستقبلا وبالاعتماد على تقنيات البحث والمنتديات الاجتماعية من العثور على الأرجح على جمهوره بطريقة أسهل مما لو نُشر كتابه في دار نشر صغيرة وضعيفة ماليا. أما من كان يعتبر لحد الآن من كبار الرابحين في سوق الكتاب الكبير، فلديه فرص جيدة في الترويج لنفسه في الإنترنت، خصوصا وأنه يستطيع أن يضمن قدرا أكبر من عائدات البيع، أي أن تزداد حصته في كل كتاب يباع (وهي لا تزيد لدى الناشرين التقليديين عن عشرة في المئة).

وحاليا يقوم كتاب، يحققون مبيعات هائلة مثل باولو كويلهو وإيان ماك-إيوان، بتوزيع كتبهم الإلكترونية مباشرة عبر موقع أمازون الإلكتروني لتجارة الكتب؛ وهكذا تتم الأمور بعيدا عن دور النشر. كما تخلى كتاب آخرون عن التعامل مع المكتبات. ففي أكتوبر من العام الماضي كون عدد من كتاب الخيال العلمي في الولايات المتحدة جمعية تحمل اسم Book View Café لإنشاء متجر إلكتروني يتم عبره تحميل كتبهم. كما يقوم عدد من مؤلفي الكتب المتخصصة الألمان بخوض تجارب مماثلة.

فهل ينبغي للكتاب في المستقبل أن يتعيشوا من الترويج لأنفسهم في الإنترنت؟ حتى لو أقررنا بذلك، فلن يكتب النجاح إلا لقلة منهم. أما البقية الباقية فلن تستفيد كثيرا من دعم وتشديد قوانين حقوق النشر.

إيليا براون
صحافي ومترجم يعيش في كولونيا وأمستردام، وهو ينتمي لهيئة تحرير موقع iRights.info الإلكتروني المتخصص بموضوع حقوق النشر الإلكتروني.

ترجمة: أحمد فاروق
معهد غوته ومجلة فكر وفن
حزيران 2010

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...

– حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

زنيت

تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي