أوجست ساندر رسم مشهد الماضي الألماني

أوجست ساندر، العائلة في الجيل، ١٩١٢، مجموعة لوثر شيرمر، ميونخ
أوجست ساندر، العائلة في الجيل، ١٩١٢، مجموعة لوثر شيرمر، ميونخ | © مجموعة صور، مؤسسة الثقافة - أرشيف أوجست ساندر، كولونيا، فنون الصور، بون ٢٠١٤

في الذكرى الخمسين لوفاة المصور أوجست ساندر (١٨٧٦ - ١٩٦٤) في عام ٢٠١٤ تُذكرنا به ثلاثة معارض في كولونيا وبون وميونخ بسلسلة صور "أشخاص من القرن العشرين" - وهي عبارة عن مشروع فني ضخم يلقي نظرة على المجتمع الألماني في عصر جمهورية فايمار من خلال صور لمزارعين وعمال وجنود وسياسيين وفنانين.

ثلاثة من المزارعين الشباب من الغابة الغربية وهم في طريقهم يتوقفون قليلًا في المدينة أمام عدسة الرائي الذي يسجل للأبد تلك اللحظة المعتادة من عام ١٩١٤ في صورة. أسرة من المزارعين تجلس على مقاعد أمام نهر الراين. النهر يحدد خلفية الصورة وكذلك أيضًا المكان الذي أتت منه الأسرة. حلواني في مريلته البيضاء يتوقف عن عجن العجين للحظة، وبالطبع استوقفت نظرته المصور. وعاطل عن العمل يسند ظهره إلى جدار بيت وهو يرتدي معطفًا أكبر من حجمه بكثير وهو غارق في أفكاره. ومغني تينور يلتحف شاله الصوف بيد حانية ليحمي حنجرته. يتلو ذلك صور لرجل شرطة وطيار وجندي وتابع ورجل دين وفنان.

كان هدف أوجست ساندر هو أن يقدم عن طريق هذه الصور لوحة للمجتمع الألماني في حقبة تاريخية محددة. وكان التصوير بالنسبة له - بوصفه رائد الموضوعية الحديثة - وسيلةً للعرض ولتقديم صورة قريبة من الواقع لموضوعه الذي يظهر المصور في خلفيته في دور الكاتب. اختار ساندر لذلك سمة التسلسل الزمني الداعمة للأسلوب الوثائقي. وتنقسم الصور إلى سبعة مجلدات وهي: المزارع والعامل والمرأة والطبقات الاجتماعية والفنانون والمدينة الكبيرة وآخر البشر، مثل المشوهون والمعاقون والعميان.

بين الفردية والمكانة الاجتماعية

الأشخاص الذين يُطلون من الصور يتحددون تبعًا لانتماءاتهم الاجتماعية : عن طريق المهن التي يمتهنونها أو الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها. ومُلحق بكل صورة توضيح لمكان وتاريخ التقاطها دون ذكر اسم الشخص - إلا في بعض الحالات الخاصة التي يكون فيها أصحاب تلك الصور من ذوي المكانة الاجتماعية المرموقة. وهكذا يتم عرض الأشخاص بين فرديتهم وبين مكانتهم الاجتماعية. وينصهر وجه أحد المزارعين مع بقية صور المزارعين المعروضة ليرسم وجه مزارع واحد كنموذج "للإنسان المرتبط بالأرض"، كما يسميه ساندر.

وبوصفه تاريخًا مجسمًا انطبعت تلك الصورة في علم سيمائية الوجوه. السمة التي فهمها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بردو على أنها استبطان وبالتالي تجسيد للحدود الطبقية المُعطاة لا تقتصر على الملابس والذوق فحسب، وإنما تحدد أيضًا وضعية الجسد وتعبير الشخص. ويتضح ذلك بصفة خاصة في صور المزارعين الشباب من الغابة الغربية الذين تم تصويرهم وهم يرتدون أفضل ملابسهم يوم الأحد، دون أن ينم ذلك عن أنهم مزارعين، أو في صور رجال الدين المتأملين، أو رجال البنوك النشطين، أو الصورة الجامدة لعائلة السياسي.
 
أوجست ساندر، العائلة في الجيل، ١٩١٢، مجموعة لوثر شيرمر، ميونخ جاليري الصور: أوجست ساندر أوجست ساندر، العائلة في الجيل، ١٩١٢، مجموعة لوثر شيرمر، ميونخ | © مجموعة صور، مؤسسة الثقافة - أرشيف أوجست ساندر، كولونيا، فنون الصور، بون ٢٠١٤

المُسلمات الضائعة

تعكس تصنيفات ساندر تصورًا للمجتمع تتحدد فيه مرجعيات الأشخاص بوضوح، عالم مليء بالأمور الواضحة المحددة - أو هكذا تبدو لنا على الأقل. إنه يضعهم بدقة في موقعهم من الطبيعة مع تحديد واضح لدورهم الاجتماعي - حتى ولو كان أقل الأدوار مثل الغجر أو العميان. فهل يثير ذلك رؤية المتلقي الحديث لأعماله الذي يتسم بالتعاطف؟ أرشيف للحياة الألمانية يبدو فيه عالم المُسلمات ثابتًا لم يتغير. وكلها مُسلمات أوضحت التطورات السياسية في الأعوام التالية أنها كانت خادعة.

موروثات عالم من الماضي

نواجه في صور عائلات المزارعين ورجال الشرطة ورجال الدين وجوهًا حازمة لأشخاص ينظرون عادة إلى الكاميرا بثبات وبفخر بنظرة إلى الأفق البعيد. نرى ممثلين للمجتمع الألماني في فترة ما قبل الحرب، وهي وجوه لم يعد من الممكن مقابلتها بعد ذلك بأعوام قليلة. وهنا تذكرنا صور ساندر بأعمال المصور الأمريكي إدوارد كورتيس الذي جعل مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية تتحول إلى جزء ثابت من أرشيف الصور الداخلي لدينا، حيث قام بتصوير ميراث من الكبرياء ومن السكينة الداخلية لزعماء القبائل قبل إبادتهم بفترة وجيزة. قام ساندر بتصوير وبناء ماضٍ ألماني مازال هدوءه وسكونه وانطوائيته تبهرنا حتى اليوم.