امرأة في المملكة العربية السعودية تقف عند النافذة © ليزا بلانك

تتغير حياة المرأة في المملكة العربية السعودية بوتيرة سريعة. ولكن ما مدى استدامة هذا التغيير – وما هو رأي النساء أنفسهن فيه؟

أقف عند مدخل مجمع سكني وأحاول أن أحمي نفسي من أشعة الشمس الحارقة - ولكن دون جدوى. أمامي صف من السيارات المتوقفة، وخلفها طريق من أربع حارات، ليس هناك مكان للمشاه. إنه ليس المكان الأفضل لتدخين سيجارة، لكنني أفعل ذلك على أية حال.

اقترب رجل، في خطوات سريعة وحازمة. وأثناء اقترابه، رمقني بنظراته من أعلى إلى أسفل، ثم توقف لفترة وجيزة ونظر في عيني، بفضول لا يخلو من البشاشة. وسألني: "من أين أنت؟". أجبته: "من ألمانيا". ابتسم وفي عينيه لمحة من الفخر وقال: "أهلاً بك في المملكة العربية السعودية".

يحدث هذا المشهد يوميًا، حتى أنه لم يعد جديرًا بالاهتمام مثلما كان الحال في السابق. ولكن قبل بضع سنوات فقط، لم يكن من الممكن تصور حدوث كل هذا. فحتى عام 2018، كانت المملكة العربية السعودية منغلقة إلى حد كبير أمام السياح الغربيين، وكان النساء والرجال يتحركون في مناطق منفصلة تمامًا في الأماكن العامة. وموضوع أن ينظر الرجل علنًا إلى امرأة غريبة تمشي بمفردها في الشارع، بل ويتحدث إليها، لا يشكل انتهاكًا للمحرمات فحسب، بل يعتبر جريمة جنائية تستحق العقاب. أما في نوفمبر 2023، فقد تم الترحيب بي وتحيتي بشكل عفوي في الشارع، ليس مرة واحدة فقط، ولكن كل يوم تقريبًا – وكان هذا يحدث دائمًا من قبل الرجال. ودائماً ما يتم تحيتي بنفس الجملة: "أهلاً بكم في المملكة العربية السعودية!"

تنفتح المملكة، التي كانت محافظة من قبل، حاليًا داخليًا وخارجيًا، بمعدل مثير للإعجاب. وتستفيد نساء البلاد بشكل خاص من هذا الانفتاح. حيث يُسمح لهن بالقيادة والسفر والعمل. ولا تحتاج إلى إذن ولي أمرها الذكر للقيام بأي من ذلك.

وهذا ليس كل شيء. حيث تتولى النساء الآن بعض المناصب القيادية، كما يؤسسن شركاتهن الخاصة، [1] بل ويتولين مناصب سياسية – حيث تمثل المملكة العربية السعودية سفيرات في كل من السويد، وأيسلندا، والولايات المتحدة الأمريكية.

Skyline Saudi-Arabien © Adobe Stock


ولم يأت هذا التغيير نتيجة لمشاركة منظمات المجتمع المدني، أو حتى بسبب الاحتجاجات العامة. كما أنها لا تعكس نتائج الانتخابات أو استطلاعات الرأي. فالمملكة العربية السعودية تحكمها ملكية مطلقة، وليست ديمقراطية. وهذا يجعل التغيير في السعودية يحدث نتيجة ثورة من الأعلى، ينفذها محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي الوحيد للبلاد. وهو الذي يصلح البلاد بحسم، ودون أي اهتمام بالمقاومة التي قد تواجهه أثناء تطبيق ذلك، خاصة من قبل رجال الدين المحافظين.

وكان التحديث الذي تشهده المملكة العربية السعودية موضع ترحيب في ألمانيا وغيرها من بلدان العالم الغربي، إلا أنه لا يزال يُنظر إليه بقدر من التشكك. لأنه على الرغم من عمق الإصلاحات الاجتماعية، إلا أن ميزان القوى السياسي في البلاد ظل دون تأثر إلى حد كبير. حيث لا تزال حرية التعبير وحقوق الإنسان مقيدة بشدة؛ كما أنه غير مسموح بتأسيس أحزاب سياسة أو إجراء انتخابات عامة في البلاد. ولهذا كثيراً ما يتم رفض الإصلاحات السعودية في الغرب باعتبارها مجرد دعاية، أو مجرد إنتاجًا سطحيًا يهدف فقط إلى جعل البلاد أكثر جاذبية للمستثمرين الغربيين.

كيف يرى الأشخاص الذين جربوا هذه الإصلاحات في حياتهم اليومية ذلك؟ وما رأي الأشخاص الأكثر تأثرًا بتلك الإصلاحات – وهن النساء؟
 

Eine Frau vor einem Screen mit Lichtern © Adobe Stock

"لقد أتيت إلى هنا في الوقت المناسب. كل شيء أصبح أفضل الآن." سمعت هذه الجملة مرارًا وتكرارًا خلال الـ 21 يومًا التي قضيتها في المملكة العربية السعودية. خلال هذا الوقت تحدثت إلى 16 امرأة، من كبار السن والشباب، محليين ومهاجرين، عاملين وربات بيوت. واتفق الجميع على أن ولي العهد الشاب يغير البلاد نحو الأفضل. وقلن أنه "بفضل محمد بن سلمان، يمكننا الآن أن نفعل أي شيء نريده."

إن إجراء مثل هذا الحوار ليس بالأمر السهل؛ بل إنه في الواقع أمر مستحيل بالنسبة لصحفية غربية. لا توجد استفسارات صحفية، فقط وساطات وتوصيات شخصية. عليك أن تنجح في كسب ثقة إمرأة واحدة- وفجأة تعرفك الأولى على الثانية، وهكذا تنتقل من إمرأة إلى أخرى.

ولكن حتى هذا التقدم في الثقة ليس كافياً دائماً. لم ترغب أي من النساء في ذكر أسمائهن في هذا المقال. لم يسمح بإدراج صور أو أية تفاصيل تحدد هوية النساء. وذلك بسبب التجارب السيئة التي مررن بها مع الصحفيين الغربيين من قبل. وذلك بسبب التقارير الأحادية الجانب، وعدم الفهم. وكذلك أيضًا بسبب العواقب التي تهددهن، إذا قلن شيئًا خاطئًا أمام الصحافة الغربية.

يمنح ولي العهد المرأة الحريات الفردية، التي طالما اشتاقت للحصول عليها عبثاً منذ سنوات طويلة. إلا أن المناقشات العامة حول التغييرات العميقة تظل غير مسموح بها. لأن النساء اللاتي يطالبن بمزيد من المشاركة، أو حتى يدافعن علناً عن الأفكار النسوية، يتعرضن لخطر المضايقة والاضطهاد وأحكام السجن الطويلة - حتى وإن كانت مطالبهن تتماشى مع سياسات الإصلاح التي ينتهجها النظام.

وبقدر ما تدرك النساء القيود المفروضة على حريتهن الجديدة، بما في ذلك العواقب الوحشية المترتبة على انتهاكها، فإنهن نادرًا ما يشتكين. على الأقل لن يشتكين لزائرة ألمانية. قالت إحداهن "لقد ناضلت طيلة حياتي من أجل حقوق المرأة. أما الآن فلم يبق لي شيء لأناضل من أجله. فالتغيير أصبح واقعًا ملموسًا. يمكننا الآن الجلوس ومراقبة المشهد."

Eine vollverschleierte Frau vor arabischen Wandteppichen, die mit Schrift bestickt sind. © Adobe Stock

قبل بضع سنوات فقط، كان معظم ما يدور في حياة المرأة في المملكة العربية السعودية يجري خلف الأبواب المغلقة، أي داخل نطاق الأسرة. ولكن الآن أصبح لا يوجد تقريبًا أي مكان عام لا تتمتع النساء بحرية الوصول إليه.

حيث يُسمح لهن الآن بارتياد المقاهي والمطاعم دون مرافق، والجلوس حتى خارج "أقسام العائلات" المعزولة والتي كانت مخصصة في السابق للنساء والعائلات. ولم يعد هناك ما يدعوهم للقلق بشأن التعرض للمضايقات أو حتى الاعتقال من قبل الشرطة الدينية بسبب انتهاكهن لقواعد اللباس الإسلامي. ونرى أنه مع تعدد الفرص الجديدة أمام النساء فإنهن في بعض الأحيان يكدن يفقدن البوصلة – وتخطف وتيرة التغيير السريعة أنفاسهن.
تقول امرأة دعتني إلى منزلها: "نحن جميعًا نعاني الآن من صدمة ثقافية هائلة". هذه المرأة في منتصف الخمسينيات من عمرها، متعلمة، وثرية، وذات علاقات جيدة، والعديد من أصدقائها من رواد الأعمال، ويعتبروا هم الأصوات التقدمية في البلاد.

نجلس في شرفة منزلهم الرائع المحاط بأسوار عالية، وأمامنا طاولة مليئة بالتمر، والعنب، والبطيخ، والبسكويت. قامت مدبرة المنزل التي تعاونها بإعداد كل شيء، كما قامت بتقديم الشاي والقهوة. أما السائق الخاص بمضيفتي فقد جاء لاصطحابي قبل حوالي ساعة. أردت رفض الدعوة في البداية، حتى لا أكون عبئًا عليها، إلا أنها أصرت. وقالت لي عند وصولي أثناء شكري لها: "لا توجد مشكلة على الإطلاق، فزوجي مسافر في رحلة عمل في الوقت الحالي، وهو لا يحتاج إلى السائق. وأنا أقود السيارة بنفسي دائمًا" قالتها بإيماءة واثقة.

وهذه المرأة التي تجلس أمامي متعلمة. أكملت دراساتها الجامعية في مجال التدريس، ثم عملت كمحاضرة في الجامعة. وهي الآن مدربة حياة "لايف كوتش" خاصة بالنساء. لقد دافعت طيلة حياتها عن حقوق المرأة، إلا أن سرعة التغيير فاجأتها هي أيضًا. وتقول: "لقد حصلنا على حريات أكثر بكثير مما كنا نتخيله". فالجدران التي أرادت هدمها لسنوات، انهارت فجأة كما لو كانت قد انهارت من تلقاء نفسها.

ولم يكن التحرر مفاجأة، أو حتى صدمة لكل النساء. فكثيرًا ما سمعت في لقاءاتي جملًا من قبيل: "كان الناس جاهزين. وكانت النساء جاهزات”. ويقول عضو سابق في مجلس الشورى، والذي يُعد الهيئة الاستشارية للملك، إن التغيير كان قيد الإعداد منذ فترة طويلة.

وتشير إلى بعض أهم المراحل في عملية التحرر التي استمرت لسنوات والتي كانت بطيئة، ولكنها مستمرة وممتدة على مر السنين: 1956 – افتتاح أول مدرسة ابتدائية خاصة للفتيات؛ 1960 – صدور مرسوم ملكي بفتح مدارس الفتيات في جميع أنحاء البلاد؛ 1964 - تأسيس أول مدرسة ثانوية للفتيات. 1970 - افتتاح جامعة الأميرة نورة بالرياض، وهي تعد أكبر جامعة نسائية في العالم. في البداية لم يكن أمامهن سوى الاختيار ما بين التدريس أو الطب، أما الآن فإذا لم تجد خريجات المدارس السعودية مجال الدراسة المناسب لهن هناك فيمكنهن التقديم على الدراسة في الخارج، أو في جامعات التعلم عن بعد، وكلاهما تموله الدولة.

واليوم، تبدأ أكثر من ثلث النساء في المملكة العربية السعودية الدراسة الجامعية سنويًا، وهو عدد أكبر بكثير من عدد الرجال الملتحقين بالدراسة الجامعية في نفس العمر. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الجميع يسعين إلى وظيفة مهنية: حيث لا تزال هناك العديد من النساء اللاتي لا يعملن، ولا يسافرن بمفردهن، ولا يقُدن سيارة. وسواء كن يدرسن أم لا: فمعظمهن لا زلن يرتدين الحجاب، أو غطاء الرأس، أو حتى النقاب، الذي يترك فقط المنطقة المحيطة بالعينين مكشوفة. فقواعد السلوك واللباس التي كانت النخبة الدينية، والعائلة المالكة قد وضعتها في السابق – لم تختف، بل يجري إعادة التفاوض بشأنها مرارًا وتكرارًا.

تقول لي امرأة شابة في أوائل الثلاثينيات من عمرها وتعمل مستشارة إدارية: "كلما خرجت أنا وأمي من المنزل معًا، تطلب مني ارتداء النقاب". وهي ترتدي العباءة، وهي رداء ذا رقبة عالية ويصل للكاحل، وهي عادة ما تكون سوداء، وترتديها النساء العربيات، إلا أن شعرها الطويل يتدلى بحرية فوق كتفيها. فهي ترتدي الحجاب في المكتب فقط. وهي لا تأخذ طلب والدتها على محمل الجد. وتقول وهي تضحك: "أطلب منهم دائماً خلع النقاب". وأقول لها: "أريد أن أنظر إليك عندما نخرج معًا". لكن أمي تقول: "يمكنك أن تنظري إلي في المنزل".

وفي نظر الغرب، لا تزال المرأة المحجبة تعتبر رمزًا للإسلام الراديكالي الذي يقمع حقوق الإنسان، والحريات والديمقراطية. تعرف النساء في المملكة العربية السعودية ذلك أيضًا، ويشعرن بالانزعاج بسبب تلك النظرة.

وتقول امرأة أخرى في منتصف الثلاثينيات من عمرها وتعمل طبيبة نفسية: "لا يزال الناس يخلطون بين الدين والتقاليد". وهي نفسها ترتدي الحجاب، في حين تتساقط بعض خصلات من شعرها على وجهها. وتقول: "لقد كانت النساء هنا في المملكة العربية السعودية محجبات دائمًا، حتى قبل وقت طويل من ظهور النبي محمد، والإسلام. بالنسبة لي، الحجاب ليس جزءًا من ديني فحسب، بل هو أيضًا جزءًا من تقاليدي. ولهذا السبب لا تتوقف النساء عن ارتداء الحجاب لمجرد أنهن لم يعدن مضطرات لذلك”. وتذكرنا بأن حجاب المرأة مذكور في نصوص تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، أي قبل ظهور الإسلام بوقت طويل. ولهذا السبب، فهي ترى من وجهة نظرها، أن الحجاب ليس وصية إسلامية حقيقية، وتقول: "هناك مسلمات في كل مكان في العالم، لكنهن لا تتحجبن في كل مكان. فهل هذا يجعلهن مسلمات أسوأ؟ لا، أنا لا أعتقد هذا."

تظهر الحوارات التي أجريت مع النساء المتعلمات الواثقات من أنفسهن: أن قوانين أي بلد من الممكن أن تتغير بسرعة، ولكن لا يمكن تغيير روح البلد بنفس هذه السرعة. هنا أيضًا يكمن الخطر - ولن يعرف هذا أحد أفضل من أولئك الذين سيكونون أكثر من يخسرون إذا تم الرجوع عن تلك القوانين. تقول إحدى النساء: "هل تعلمين، سأكون صادقة معك". "الأغلبية في هذا البلد محافظين. وحقيقة أن المرأة تتمتع بمزيد من الحقوق لا تتماشى مع روح هذه الأغلبية. إذا عشنا في ظل نظام ديمقراطي، فسيكون ذلك سيئًا بالنسبة لي." ولهذا السبب فهي تدين بالولاء الكامل لولي العهد. "إنه يفهم أن التغيير لابد وأن يحدث في البلاد." وهي لا تخشى من فقدان بعض الحريات المكتسبة حديثًا. "نحن نعيش في بلد شاب للغاية، وولي عهدنا ينتمي إلى جيل الشباب." حيث يبلغ الأمير محمد بن سلمان 35 عامًا فقط. وتتوقع الغالبية العظمى أن يبقى في منصبه للسنوات الستين المقبلة.

والصحفية التي تلتقي بنساء سعوديات لا تجري مقابلة عادية فقط. بل تجري حوارات، وتتحدث قليلًا عن نفسها، وتبني الثقة بينها وبين السيدات التي تحاورهن. سألتني عالمة النفس الشابة عما إذا كنت لا أزال أعيش مع عائلتي كما تفعل هي. أخبرتها أنني انتقلت إلى مدينة أخرى للدراسة، لكن لا يزال لدي غرفة في منزل أسرتي. وتبقى تلك الغرفة من أجلي حتى أتزوج – وهذا ما يطلقون عليه "الحق في المنزل"، وهو تقليد بافاري. انبهرت الشابة بتلك المعلومة. وقالت: "اعتقدت أن الناس في الغرب، يُطردون جميعًا من المنزل في سن الثامنة عشرة، ثم يضطرون إلى العيش بمفردهم". "لذا من الممكن أن نقول أن والداك محافظين!" وضحكنا سويًا على تلك المزحة، حيث أدركنا أن قيم والدينا متشابهة جدًا.

وفي وقت ما خلال محادثتنا ألقت نظرة على هاتفها الخلوي. أعتقد أنني لاحظت نظرتها الحانية، وابتسامتها التي بالكاد يمكن ملاحظتها.
وعندما سألتها بحذر، تأكدت شكوكي: كانت قد تلقت رسالة من رجل. وأخبرتني أنها كانت تقابله منذ فترة طويلة، وهو أوروبي التقت به في العمل. وهي لا تطلق عليه لفظ صديقها، بل زوجها المحتمل في المستقبل. وتقول أن هناك مشكلة واحدة معه: "أريد الزواج من مسلم".
وهي تؤكد لي برفض قاطع: لا، هي لا تريد أن تفعل ذلك لأن والديها أو القواعد الأخلاقية للمجتمع تجبرها على القيام بذلك. فهي مؤمنة، ولهذا السبب من المهم بالنسبة لها أن يشاركها زوجها في إيمانها.

إنها تتبع بطبيعة الحال القواعد التي ترتبط بهذا الإيمان وبتقاليد البلاد - وإن كانت تقول هذا وتتبعها بغمزة ساخرة قليلاً. "أوه، يجب أن أطلب سيارة أجرة"، قالتها وهي تنظر إلى ساعتها التي بلغت حوالي الحادية عشرة، وقالت: "سندريلا يجب أن تعود إلى المنزل." حيث ينتظر والداها عودتها بحلول منتصف الليل على أقصى تقدير.

Beiträge: El Asfaar