على بعد رحلة بحرية قصيرة من مدينة أسوان الصاخبة، يبدأ عالم مختلف كليًا. في هذه المنطقة يبدأ نهر النيل في التدفق بهدوء في حوض مرصع بالجزر الصغرى لا يتعدى عرضه الكيلومتر الواحد، وتختفي السفن السياحية الراسية عند وسط المدينة بينما تحلق الطيور عاليًا في عنان السماء.
تترائى أمامنا من بعيد الألوان المبهجة لمنازل قرية غرب سهيل المبنية من الطوب اللبن والمطلة على الضفة الغربية للنيل. إنها مساكن فسيحة، يتكون معظمها من عدة أجزاء، ويتميز طرازها بالأعمدة والأقواس والقبب والشرفات الكبرى المفتوحة في الهواء الطلق. تتألق جدرانها بألوان متنوعة، أزرق فاتح ووردي وأصفر، وبأشكال زخرفية تارة، وهندسية، من مثلثات ومربعات ودوائر، تارة أخرى، أو برسومات لدجاج ونخيل وتماسيح مقدسة من شأنها أن تطرح البركة في المحاصيل وتطرد الأرواح الشريرة من المكان.
تقع غرب سهيل على الضفة الغربية لنهر النيل قبالة مدينة أسوان الكبرى | © Adobe Stock
وسكان أرض الذهب هم من أصحاب بشرة أكثر سمارًا من سكان شمال مصر. واشتهر أهل النوبة قديمًا ببراعتهم في البناء والتجارة والملاحة على نهر النيل. وفي القرن الثامن قبل الميلاد، اعتلى ملوك كوش الأثرياء عرش مصر، واستمر حكم الفراعنة السمر للبلاد على مدى ٩٠ عامًا.
ولا يزال النوبيون حتى يومنا هذا مختلفين عن معظم المصريين، ليس فقط من حيث الشكل، ولكن من حيث اللغة والعادات والتقاليد والثقافة أيضًا.
يتحدث سكان النوبة بلغتهم الخاصة، وفي هذه المنطقة تحديدًا باللهجة "الكنزية". ولديهم موسيقاهم الخاصة، التي عادة ما تكون مصحوبة بالعزف على الدفوف النوبية التقليدية وبغناء مطرب منفرد يكرر وراءه الحاضرون كلمات الأغنية ويصفقون. ويشتهر المطبخ النوبي ببعض المأكولات المميزة، كمربى البلح، وكذلك بالأصناف المعدة في أوانٍ فخارية، كطاجن الأرز بالحليب واللحم (الأرز المُعمَّر) وطاجن البامية المجففة؛ والمعروفة باسم الويكا.
بيت نوبي تقليدي بالمتحف النوبي بأسوان. | © Adobe Stock
وفي غرب سهيل، أو "القرية النوبية"، وهو الوصف المحبب لسكانها، يعيش نحو ٣٠٠٠ نوبي يحرصون على إثراء وتعزيز وإعادة إحياء الثقافة النوبية العتيقة وتعريف السائحين بها.
وهذا أيضًا هو حال النوبيين القاطنين على جزيرتيّ فيلة الصغيرة المقابلة لمدينة أسوان القديمة وهيسا. أما جزيرة هيسا، فهي أكبر قليلًا من جزيرة فيلة، وتقع على بعد مرمى حجر من ميناء أسوان، ما بين سد أسوان القديم الذي تم تشغيله في عام ١٩٠٢، ومبنى السد العالي الضخم الذي يبعد عن السد القديم بحوالي ستة كيلومترات جنوبًا وتم افتتاحه في عام ١٩٧١.
بدأ اتجاه النوبيين إلى السياحة في غرب سهيل والتي تعد اليوم أشهر قرية نوبية في مصر. في عام ٢٠٠٨ أنشأ أحد المستثمرين القاهريين أول دار ضيافة على الطراز المعماري النوبي التقليدي هنا في القرية النوبية. واكتسب المكان منذ ذلك الحين شهرة كبيرة، وسمعة سيئة، في الوقت نفسه؛ حيث كتب أحد منظمي الرحلات المحليين تقييمًا للمكان على موقعه الإلكتروني ينصح فيه السائحين بعدم زيارته محذرًا إياهم من الـ "نهب" وواصفًا المكان بالـ "المزيف".
تجذب غرب سهيل أو "القرية النوبية" العديد من السائحين الراسين بقواربهم على الضفة الغربية للنيل. | © Adobe Stock
شوارع مليئة بالبازارات في غرب سهيل. ولكنّ بعض التجار لا يحرصون كثيرًا على توفير منتجات نوبية أصلية للحرف اليدوية التقليدية. | © Adobe Stock
لكنهم سعداء في الوقت نفسه باحتفاظ هذه المنطقة بشيء من الثقافة النوبية، لاسيما بعد ما شهده القرن الـ ٢٠ من أحداث ودمار.
وقد بدأ الدمار ببناء سد أسوان المعروف حاليًا بـ "السد القديم" في أواخر القرن الـ ١٩ ومطلع القرن الـ ٢٠. واحتدمت الأزمة مرة أخرى مع بناء السد العالي في نهاية الستينيات من القرن الماضي، والذي تمثَّل الهدف من بنائه في التحكم في تدفق المياه وإنقاذ الأراضي الزراعية المحيطة من الغرق بسبب الفيضان السنوي، وفي تعزيز الملاحة في نهر النيل وتخزين المياه وتوليد الطاقة الكهربائية.
ولكنّ المياه المخزَّنة وراء السد ابتلعت أكثر من ٤٠ قرية نوبية، واختفت مساحات شاسعة كان تُستخدم كأراض زراعية منذ آلاف السنين. بالإضافة إلى ذلك، تسبب بناء السد العالي، بحسب التقارير الرسمية، في إعادة توطين عشرات الآلاف من النوبيين، الذين يصفون ما حدث بـ "التشريد والاقتلاع من الجذور".
لماذا قادونا إلى هذا المكان الجاف المهجور؟ أين قريتنا القديمة؟ أين نيلنا؟ أين أشجار النخيل وبيوتنا الفسيحة؟ وأين السواقي؟ أين ولائم الزفاف العامرة بالطعام والشراب وأنغام الدفوف؟ إلى أين ولت أيام الفيضان وأيام الحصاد؟ أين قريتنا القديمة؟
في إحدى مجموعاته القصصية، وصف الكاتب النوبي، حجاج حسن أدول، وضع النوبيين قائلًا
أما سكان قرية غرب سهيل، فقد حالفهم الحظ.، وأُعيد توطين أسلافهم في هذه المنطقة على ضفاف النيل في عام ١٩٠٢. وتسنى لهم المكوث في هذا المكان والاحتفاظ ولو بجزء من ثقافتهم، والتربُّح ولو بالقليل من السياحة.
شيماء غالب هي فتاة نوبية وواحدة من أولئك الذين قامت السياحة على أكتافهم في غرب سهيل. جلست في هذا الصباح الخريفي الحار على بعد ثلاثة أمتار من منطقة البناء، على شرفة فسيحة بدار ضيافة "نوب إن"، بين مجموعة من الأعمدة الملونة بالأبيض والأزرق. فالعمال في الجوار يقومون بتوسيع مساحة الشرفة بناءً على رغبة شيماء.
درست شيماء غالب الآثار في القاهرة، ثم عادت إلى أسوان مرة أخرى لتتولى شؤون خدمة العملاء والحجز في دار الضيافة النوبي الذي كان قد افتُتِح حديثًا في ذلك الوقت.
شاركت شيماء غالب في تأسيس السياحة في غرب سهيل، ووصل الأمر أن اصطدمت هذه الفتاة النوبية بالممولين الأجانب. | © Frederik Mittendorf
في نهاية العام الأول سار المشروع بشكل جيد، لدرجة أنه توسَّع ليشمل ثلاثة منازل من ٢٤ غرفة، بدلًا من منزل واحد بثلاث غرف فقط. وتتذكر شيماء أنه لم يكن هناك آنذاك سوى متجرين أو ثلاثة في المنطقة بأكملها، وأن كل هذه البازارات الموجودة اليوم تم افتتاحها على مدار العامين الماضيين فقط.
كادت الاضطرابات التي صاحبت الثورة المصرية بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٣، أن تقضي على السياحة تمامًا، ليس فقط في غرب سهيل، بل وفي جميع أنحاء مصر. ولكن العديد من الأسر النوبية القاطنة في المنطقة استغلَّت هذه الفترة في توسيع منازلها وتحويلها إلى دور ضيافة. وعرض المستثمرون على المضيفين، الذين افتقروا آنذاك إلى الخبرة الكافية، أن يتولوا عنهم التنظيم والحجوزات. وتولَّت شيماء غالب منذ عام ٢٠١٦ إدارة ٧٥ غرفة إقامة وتمت ترقيتها في هذه الأثناء إلى منصب مديرة.
ولكن، مع نجاح المشروع تزايدت وتراكمت الأزمات أيضًا. فمنذ ذلك الحين، تشتت شيماء على نحو متزايد بين المستثمرين والسكان المحليين. تقول شيماء: "رغبة منهم في كسب المزيد من المال، حاول المستثمرون تعديل العقود المُبرَمة بينهم وبين النوبيين دون إخطارهم." ولم ينزعج أهل القرية من مسألة المال، بقدر ما استاؤوا من موقف المستثمرين المتعالي. "لقد شعروا أنهم يعاملونهم بدونية وهو ما تسبب في جرح شعور الكثيرين منهم."
وعلى ذلك، قدَّمت شيماء استقالتها في عام ٢٠١٩، لأنها لم تحتمل رؤية أهل قريتها يتعرضون لسوء المعاملة. وبعدها بفترة قصيرة سنحت لها فرصة إدارة دار ضيافة "نوب إنّ"، ذلك الذي جلست تحدثني من على شرفته الفسيحة في ذلك اليوم.
لقد جلبت السياحة الخير لغرب سهيل. وفرَّت فرص عمل للمزيد من النساء وزوَّدت الأسر بالمزيد من الموارد المالية. لا يزال أهل القرية يتحدَّثون اللغة النوبية ويقيمون أعراسهم الفخمة، ويحافظون على نمط حياتهم الذي لم يطرأ عليه أي تغيير يُذكَر.
وبالرغم من ذلك، يخشى سكان القرية الأكبر سنًا أن يؤثر الأجانب على الجيل الأصغر بملابسهم وسلوكياتهم. وبعضهم، لاسيما هؤلاء الذين ليس لهم أية علاقة بقطاع السياحة، لا يرحب بوجود هذا العدد الهائل من الأجانب.
ولكنّ إيجابيات السياحة لا تزال تتفوَّق على سلبياتها حتى الآن. إذ أن أقبال السائحين على بعض الحرف اليدوية، كنسج السلال وصناعة الخزف التراثية، هو ما يعيد إحياء هذه الفنون، وينقذها من الانقراض.
وترى شيماء أن وجود البازارات في حد ذاته له تأثير إيجابي على غرب سهيل، لأنه يجعل المنطقة أكثر جذبًا للسائحين. لكنها تقرّ في الوقت نفسه بضرورة الحد من المنتجات المصنوعة في الصين، واستبدالها بالمنتجات المحلية.
وتؤكد أنه لا يمكن للمرء أن يقبل في النهاية بتقويض الثقافة النوبية لأجل المكسب التجاري: "لو فقدنا ثقافتنا، سنفقد السياحة أيضًا. لأنهم سيكتفون عندئذ بزيارة القاهرة."
لوحة ترحيب متواضعة على مشارف جزيرة هيسا. فالنشاط السياحي هنا لا يزال في بداية عهده. | © Frederik Mittendorf
ولذلك احتفظت جزيرة هيسا حتى يومنا هذا بطابعها الأصيل. لا يزال سكان الجزيرة يتحدثون باللهجة الكنزية المحلية ويمارسون عاداتهم وتقاليدهم. يوجد على متن الجزيرة كشكان صغيران فقط، وبها شارع واحد كبير مرصوف. ولذلك، لا بد وأن يتمتع المارين من هنا بقدر لا بأس به من الثبات.
تقع جزيرة هيسا في وسط النيل ونجحت حتى يومنا هذا في الوقوف في مواجهة الحداثة بتحدي. | © Frederik Mittendorf
لقطة لمحمد خيري في قاربه. هنا، يشرب النوبيون من نهر النيل مباشرة لشدة نقائه. | © Frederik Mittendorf
شهدت الجزيرة تحولًا كبيرًا في هذه الأثناء، وعادت لتستقبل سكانها الذين نزحوا يومًا ما إلى المدينة بحثًا عن فرص العمل، وتدفقت الأموال إلى خزائن الأسر مرة أخرى. وحظيت كذلك بمدرسة ابتدائية وخطوط مياه. ولكنّ سكان الجزيرة يعانون هنا، كما هو الحال في جميع أنحاء مصر، من الانقطاع المتكرر للكهرباء، رغم قربها من السد العالي الذي ينتج من الكهرباء ما يعادل إنتاج محطتين للطاقة النووية. فهو لا يغيب أبدًا عن ناظرهم ويذكرهم بما تسبب لهم فيه من معاناة شديدة.
من المقرر بدء أعمال البناء فوق هذا المرتفع المطل على الجزيرة في المستقبل القريب. يظهر في الخلفية فندق بن بن الفاخر والسد القديم. | © Frederik Mittendorf
عرفت بيوت الضيافة النوبية الطراز طريقها إلى الجزيرة في الآونة الأخيرة، على الرغم من أن منتجع موفنبيك يشغل ثلث مساحة الجزيرة. بُني فندق موفنبيك ذو الخمس نجوم في عام ١٩٧٦ وشهد توسعات في السنوات القليلة الماضية ليضم ما يصل إلى ٤٠٤ غرفة.
يتوج فندق موفنبيك جزيرة فيلة قبالة مدينة أسوان ويشغل نحو ثلث مساحتها. | © Adobe Stock
والمشكلة هنا، على حد قول محمد، لا تتمثل في السياحة بقدر التوسع الحضري، وأن كلاهما قد هدد الثقافة والتقاليد النوبية، كما هو حال العادات والتقاليد في جميع أنحاء العالم كلما ظهر جيل جديد. ما عاد كثير من الأجداد النوبيين يحرصون على تعليم أبنائهم اللغة النوبية، ويكتفون باللغة العربية، لأن فرص العمل متوفرة في المقام الأول في المدن الكبرى حيث يتم التحدث باللغة العربية في المقام الأول. يعلِّق محمد صبحي على هذا الوضع قائلًا: "إن أهل الشمال ينظرون إلى النوبيين بلغتهم الخاصة على أنهم رجعيين وهمجيين".
من خلال متحفه الصغير يحرص محمد صبحي على تعريف السياح بالثقافة النوبية التقليدية. لقطة له وهو يحمل خريطة لجزيرة فيلة. | © Frederik Mittendorf
إنه يحرص على نشر هذه المعارف والمعلومات وعلى تعريف السائحين بها. ولكنه في النهاية لن يسعه إلا الحفاظ على ما هو موجود بالفعل! فكيف سيتسنى للثقافة النوبية العتيقة أن تقف في مواجهة الطابع المصري والمدن الكبرى المجسدة في مدينة أسوان القديمة والتي لا تبعد عن جزيرة فيلة أكثر من خمس دقائق بالقارب؟