ر ودالي رتيمي توأمان متماثلان. لقد نشئا في جنوب تونس، ثم عاشا معًا في تونس العاصمة، وعملا في نفس المنظمة غير الحكومية، وكلاهما ناضل من أجل حقوق مجتمع الميم، وكلاهما استُهدفا من قِبل الشرطة. قصة حياتها هي أيضًا قصة ثورة لم تكتمل بعد.
جيل شاب ممزقبين الاستسلام وإرادة التغيير،
بين الأمل واليأس.
في عام 2019، غادر بدر تونس
وتقدم بطلب لجوء سياسي في مدينة دريسدن.
وترك دالي وراءه.
كيف تبقى كاملاً عندما يكون نصفك مفقودًا؟
وجوه ملتصقة بزجاج النوافذ،
وأصابع القدم أصابها التنميل وتتحرك بملل في النعال.
تمر أشجار الصبار والزيتون أمام النافذة.
مقاعد حافلة فولكس فاجن القديمة تهتز
وهي تسير بسرعة على الطريق المترب.
نحن في منتصف نوفمبر 2023
وما زال الجو دافئًا في تونس.
قبل ساعتين، ركب دالي هذه الحافلة الصغيرة
من مكان كبير لانتظار الحافلات
على أطراف تونس العاصمة.
وبعد خمس ساعات سينزل مرة أخرى في قابس،
مسقط رأسه في جنوب تونس.
سوف يرتمي بين ذراعي والدته،
ويضع ابن أخيه في فراشه.
سوف يقوم بالبحث في صندوق مليء بالكتب،
ليأخذ بعضها إلى تونس.
م. فورستر، بروس بندرسون، راجا راو.
ثلاثة مؤلفين من ثلاث دول يكتبون
عن موضوع واحد: العلاقات بين الرجال.
سوف يرمي دالي الكتب على السرير،
ويتصفحها شارد الذهن.
سوف يتنهد ويقول إنه لم يعد يعرف
ما يفعله هنا بعد الآن.
الهواء في الحافلة من تونس إلى قابس رطب.
كان دالي يقرأ. يحاول بيده اليمنى أن يمسك
بالصفحات السائبة التي انفصلت عن ظهر الكتاب،
والتي ترفرف في مهب الريح. ويدفع بيده اليسرى
علامة القراءة الخاصة به إلى الأمام، سطرًا تلو الآخر. تذكرة قديمة من مسرحية للمخرجة آسيا الجعايبي، التي عُرضت تحت إدارتها مسرحية كويرية، أي عن المثليين، في تونس لأول مرة عام 2022.
الكتاب الموضوع على حِجر دالي:
إيكهارت تول "قوة الآن"، الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم لمؤلف ألماني، يعلمك التخلي عن أفكار الماضي والمستقبل من أجل الوصول إلى الحاضر. في الواقع، دالي جيد في هذا، أي في أن يعيش الحاضر.
على الأقل استمر في محاولة فِعل ذلك.
على سبيل المثال، خلال ثورة 2011، عندما تظاهر
من أجل الديمقراطية مع آلاف آخرين في شارع الحبيب بورقيبة، أحد أهم الطرق في تونس العاصمة.
أو في عام 2014، عندما انضم إلى منظمة "دمج"
غير الحكومية للعمل مع أشخاص ذوي تفكير
مماثل، من أجل تحسين حقوق مجتمع "الميم ـ عين".
وأخيراً في عام 2017، عندما بدأ ببناء
حياة في تونس مع شقيقه التوأم بدر.
في تلك اللحظات، كان دالي
قد وصل بالكامل إلى الحاضر.
بدا وكأنه تخطّى الماضي،
وبدا المستقبل واعدًا جدًا.
لكن حلم الديمقراطية تحول إلى كابوس استبدادي
بعد عشر سنوات فقط من الثورة.
الرئيس قيس سعيد، الذي انتخب عام 2019
لم يكَد الشعب يحتفل به، إلا وجرّد البرلمان
من صلاحياته بعد عامين من توليه منصبه
وركز السلطة في يده.
كما أصبحت منظمة دمج مضطرة إلى القيام
بجزء كبير من عملها سرا،
من أجل حماية الأعضاء. وقرر بدر،
شقيق دالي التوأم، الذي أنهكه النضال
من أجل الحرية، مغادرة البلاد
في عام 2019.
لقد فقد دالي الآن الأمل
في عودة بدر ذات يوم إلى تونس.
جوازا سفر التوأم، وثيقتان رسميتان باللغة العربية عليهما رمز قوس قزح. | © هانا مارا شميت
قابس، في المساء بعد وصوله بالحافلة:
جلس دالي على السرير في غرفة الأطفال
مع والدته وابن أخيه وابنة عمه،
وتصفح بعض الوثائق القديمة وألبومات الصور.
تبدو شهادات ميلاد الأشقاء الآخرين وكأنها جديدة.
أما شهادتا ميلاد بدر ودالي فهما مهترئتان.
الزوايا حادة، والصفحات ممزقة.
وذلك لأن الأم اضطرت إلى إظهارهما مرارًا وتكرارًا.
كما كانت تقول إن التوأم كانا يطرحان الأسئلة باستمرار،
راغبين في معرفة كل شيء:
عن أصولهما، وعن صحتهما، وعن علاقتهما ببعضهما البعض. الكتاب الصغير:
خليط من شهادة الميلاد، وشهادة التطعيم،
ودفتر ملاحظات للأم.
يصدر عن ابنة أخت دالي صوت شخير هادئ
في السرير المقابل.
وبجانبه ابن أخيه يلتقط قطعة من الخبز الفرنسي.
سقط بعض الفتات على البطانية وعلى صورة قديمة للتوأم. كلاهما يرتدي قميص بوكيمون.
قال دالي لابنة عمه: "هذا أنا".
فسألته مرة أخرى "هل أنت متأكد؟".
أجاب دالي: "نعم بالتأكيد".
قالت والدته: "أعطني الصورة"،
وأخذت الألبوم من يديه، ووضعت نظارتها.
"لا، هذا بدر."
فسألها دالي: "هل أنت متأكدة؟".
"بالتأكيد، وجهك أنحف.
ولديك تلك الشامة على ذراعك.
ضحك دالي ورفع ذراعه اليمنى.
وبالفعل توجد تحت مِرفقه بقعة بنية فاتحة،
أكبر قليلًا من حجم إبهام اليد.
والدة التوأم هي الوحيدة،
التي يمكنها التمييز بين الاثنين.
حتى أفراد العائلة والأصدقاء القدامى
يخلطون بينهما أحيانًا.
تفضيلهما للقمصان المصنوعة من الفلانيل،
وحواجبهما الكثيفة، التي تنمو مُتصلةً فوق أنفيهما،
ونبرة صوتيهما. حتى التركيز على مقاطع الكلام
هو نفسه، سواء كانا يتحدثان باللغة العربية،
أو الإنجليزية، أو الفرنسية.
كانا في السابق في فصلين مدرسيين مختلفين،
وكانا يتقاسمان التعلم: كان أحدهما يكتب امتحانَيّ الرياضيات، والآخر امتحانَيّ الأحياء.
ذات مرة، تلقت والدتهما مكالمة هاتفية
من معلمة، اشتبهت في أن التوأم يخدعانها.
لكنها لم تستطع إثبات ذلك. لذا، ومنذ ذلك الحين،
كانت قبل بدء المدرسة ترسم دائمًا علامة X كبيرة
على يد أحدهما، لتمييزهما عن بعضهما البعض.
تحرك ابن أخ دالي بقلق بين ألبومات الصور
وفتات الرغيف الفرنسي. وضع دالي بيجامة عليه،
ووضع وسادة تحت رأسه الصغير وغطاه.
يبلغ الطفل الآن ثلاث سنوات،
ولم يلتق قط بعمه بدر الذي يعيش في ألمانيا.
***
في نهاية شهر نوفمبر، كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة مساءً بقليل، وحل الظلام بالفعل، وكانت درجة الحرارة قد انخفضت منذ فترة طويلة إلى ما دون الصفر. في مدينة دريسدن، كان بدر يقف في موقف للسيارات مرتديًا سترة خفيفة جدًا ويدخن، وينظر للأعلى. تساقطت رقاقات الثلج الصغيرة على حاجبيه الكثيفين، ثم ذابت وسالت على خديه. وبينما كان يرمش، كانت رقاقات الثلج تمتزج بدموعه. ويقول: "أحاول أن أكون قوياً، لكن الأمر صعب للغاية".
يتذكر بدر أنه عندما كان شقيقه في الثامنة،
أو التاسعة من عمره، انفصلا للمرة الأولى.
ولأول مرة، لم يناما في نفس الغرفة،
بل أقاما مع عمات مختلفات في مدن مختلفة.
يقول بدر: "بكيت وصرخت طوال الليل
بأنني أريد الذهاب إلى دالي".
بعد ذلك تشبثا ببعضهما البعض أكثر.
وفي المدرسة نظما اجتماعات
مع الفصول الموازية، وحاولا إنشاء جمعية
تمثل مصالح جميع الطلاب في منطقتهم.
خلال ثورة 2011، سافرا مراراً وتكراراً
لمدة خمس ساعات بالحافلة من قابس
إلى تونس العاصمة للتظاهر
أمام مبنى الحكومة.
وفي مكان ما بين تلك الأحداث،
تعلما المزيد عن نفسيهما،
وتعلم كل منهما أيضًا المزيد عن الآخر.
كلاهما كانا على علم بأنهما مثليين
منذ أن كانا صغيرين. يقول كل منهما
إنه كان دائمًا يشعر بأن توأمه يشعر بنفس الشعور،
لكنهما لم يعبرا عن ذلك إلا بعد سنوات.
لم يكن لديهما الكلمات لوصف ما كانا يشعران به.
اللهجة التونسية لا تحتوي إلا على مصطلحات مُهينة لوصف المثلية الجنسية. فقط عندما عمل بدر ودالي في منظمة دمج غير الحكومية، تعلما مصطلحات جديدة وإيجابية، ومنذ ذلك الحين عرفا نفسيهما بأنهما "كويريان". اليوم حتى والديهما يعرفان ذلك. وهذا أمر نادر في المجتمع التونسي، حيث معظم كبار السن متدينون. كانت والدة بدر ودالي كذلك أيضًا، لكنها اليوم تقول: “أريد أن يكونا سعيدين. يجب أن يعيشا حياتهما كما يرونها مناسبة." أهم شيء هو أمان ابنيها، وهي تخشى على ذلك أحياناً، خاصة هنا في تونس.
شهد التوأم أول انفصال طويل لهما بعد التخرج
من المدرسة الثانوية. درس بدر تكنولوجيا البناء والطاقة في تونس، ودرس دالي الخدمات اللوجستية والنقل في سوسة. لكن حتى لو لم يعيشا في نفس المكان، فقد ظلا دائمًا قريبين. كلاهما كانا ملتزمين بحقوق الأشخاص المثليين. كلاهما يتقاسمان الأمل في التغيير، الأمل في تونس العادلة.
لكن خلال المظاهرات التي شاركا فيها،
وقعت اشتباكات متكررة مع الشرطة.
وقام الضباط أيضًا بتسجيل الأحداث صوتًا وصورة،
حتى يتمكنوا من التعرف على الوجوه المتكررة.
يحكي بدر عن حادثة وقعت أثناء الثورة، ويقول إن الشرطة أطلقت الكلاب على المتظاهرين، وضربتهم، واستخدمت الغاز المسيل للدموع. وتمكن من الفرار قبل أن يتم القبض عليه. لكن في مرة أخرى، انتهى به الأمر بعد مظاهرة
في المستشفى واضطر إلى إجراء غرز في عينه؛ ثم أخذت الشرطة بياناته الشخصية.
وعندما عمل التوأم لاحقًا في منظمة "دمج"
غير الحكومية، وتحدثا علنًا عن حقوق مجتمع المثليين، استمرت الشرطة في استهدافهما،
حتى بدأ بدر يشعر بعدم الأمان في تونس.
رغم أن البلاد قد حققت تقدماً هائلاً منذ الثورة،
خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير والتجمع،
إلا أن القوانين القديمة لا تزال سارية حتى اليوم،
مثل المادة 230، التي تُجرم الجنس المثلي
بين الرجال والنساء وتعاقب عليه
بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
أعلنت الحكومة في عام 2017
أن الفحوصات الشرجية التي أمر بها
المدعون العامون لتحديد ما إذا كان الرجل
قد مارس الجنس مع رجل آخر سيتم إلغاؤها.
ومع ذلك، ومنذ ذلك الحين، وردت تقارير متكررة
عن موافقة المتضررين على إجراء الفحص
خوفًا من العواقب.
في الأشهر التي سبقت قراره بالفرار،
كان بدر يتصل بصديق قبل مغادرة الشقة،
لكي يكون لديه شهود، ليشعر على الأقل
بالقليل من الأمان.
لقد شعر بعدم استقرار الوضع،
ومدى قوة العداء كل يوم تقريبًا.
في إحدى الأمسيات كان عائداً
إلى منزله من إحدى الحانات.
طلب رجل منه سجائر.
فمد له بدر العلبة.
سأله الرجل: "هل تعيش هنا؟".
أجاب بدر: "لماذا تريد أن تعرف؟"
سأله الرجل: "هل أنت متأكد
أنه لا يوجد شيء خاطئ فيك؟"
قال بدر: “ليس هناك ما يعيبني، أنا طبيعي تماماً”.
فلما مد الرجل يده في جيبه ركض بدر.
تبعه الرجل لأكثر من كيلومترين عبر البلدة القديمة،
بينما كان صديق بدر يستمع إليه عبر الهاتف
ويتمنى أن يصل إليه في الوقت المناسب.
وقبل مسافة قصيرة من الشقة، تمكن بدر من
الهرب من الرجل.
وفي مرة أخرى كان يسير إلى المنزل مع شريكه. قام رجلان بتهديدهما بسكين، وأهانوهما، وركلوهما،
وسرقوا الأموال والهواتف المحمولة.
لولا وجود دالي إلى جانبه،
لم يكن بدر لينجو من تلك الفترة.
دالي، الأكبر منهما، الأخ الأكبر،
شعر بالمسؤولية عن بدر.
على الرغم من ذلك. في مرحلة ما،
لم يعد بدر يجرؤ على الخروج من باب البيت،
فقد عانى من الاكتئاب وحاول الانتحار.
عند تلك النقطة، أدرك الشقيقان
أن هناك مخرجًا واحدًا فقط:
اضطر بدر إلى مغادرة تونس.
***
ديسمبر 2019. مطار تونس قرطاج الدولي. هذه هي المرة الأخيرة التي يرى فيها التوأم بعضهما البعض. لقد انفصلا مرة أخرى، ولكن هذه المرة ربما إلى الأبد.
آخر لحظة لهما معًا: وقفا وتحدثا في صالة المغادرة بعد منتصف الليل. كما كانا يمزحان ويضحكان من قبل،
بدا كل شيء كما لو كان لم يتغير شيء، وفي نفس الوقت كان كل شيء مختلفًا تمامًا.
نظر بدر إلى الساعة. "اللعنة، 20 دقيقة فقط."
ركض إلى الباب نحو التفتيش الأمني.
قال ضابط الشرطة عند المدخل: "لقد فات الأوان".
فقال بدر: "من فضلك اسمح لي بالمرور. من فضلك لا تفعل هذا بي".
فقال ضابط الشرطة: "اذهب، ولكن أسرع"، وتركه يذهب.
عانق بدر دالي ثم انطلق. عند نقطة التفتيش الأمنية، ألقى حذائه وحقيبة ظهره في صندوق التفتيش، ثم ركض بسرعة إلى الطائرة ورباط حذائه مفكوك.
كان آخر مَن صعد إلى الطائرة.
ظل دالي ينظر إليه حتى انحنى
إلى طريق جانبي واختفي.
كتب بعد ذلك في مذكراته:
أنا غاضب منك، لا أريد التحدث معك
بعد الآن. لقد تركتني بالفعل مرتين.
في المرة الأولى التي تناولت فيها الكثير
من الأدوية وحاولت الانتحار،
وفي المرة الثانية غادرت.
أخي الحبيب أنا أحبك ولا أريد
أن أحكم عليك... وأعلم أننا إذا تحدثنا
مع بعض مرة أخرى، سوف نفهم
بعضنا البعض مرة أخرى.
يقوم دالي بالمسح على الترتر الملون بألوان قوس قزح في مذكراته بإصبعه السبابة. أصبح يلمع الآن باللون الفضي. هذا الكتاب فقط هو الذي يعرف أفكار دالي، فقد كتب كل الذكريات المؤلمة لتوديع أخيه هنا. | © هانا مارا شميت
***
دريسدن، نوفمبر 2023. انتهى بدر من
سيجارته؛ وضع ولاعته في جيبه، ودخل
إلى المكتب حيث جلس على كرسي. يعمل
في تنظيم احتفالية المثليين، المعروفة بـ
"يوم شارع كريستوفر في دريسدن"،
ويدعم اللاجئين المثليين الذين يصلون إلى ألمانيا،
ويرافقهم عندما يذهبون لإنهاء إجراءات لدى السلطات، ويطلعهم على حقوقهم ويدعمهم في العثور على سكن.
قبل أربع سنوات كان هو الذي يبحث عن
مكان آمن هنا. واليوم يساعد الآخرين
في العثور عليه.
يرغب بدر في الترشح لانتخابات
مجلس إدارة "شارع كريستوفر في دريسدن".
تمامًا كما فعل دالي في ذلك الوقت مع "دمج".
يقول بدر: “ما زلت أفعل نفس الأشياء
التي كنت أفعلها في تونس”. "الأمر المختلف فقط
أنه لم يعد هناك هذا الخوف في رأسي طوال الوقت."
عندما غادر بدر، قرر دالي البقاء.
لقد أراد الاستمرار، والكفاح من أجلهما.
بصفته عضوًا في مجلس إدارة دمج،
شعر أن من مسؤوليته هي حماية مجتمع الكويريين
في تونس. لكنه لم يكن لديه أي فكرة
عن مقدار القوة التي سيخسرها بسبب خسارة أخيه.
***
بينما غادر بدر تونس ليترك مخاوفه خلفه،
فإن تلك المخاوف بالنسبة لدالي قد بدأت للتو.
بعد خسارة بدر انطوى دالي على نفسه.
كتب في مذكراته:
هل أرفع صوتي، أم أتوقف عن الكلام؟
لقد علقت في حلقة مفرغة،
لم يعد هناك أي معنى منطقي...
لأول مرة أشعر وكأنني فقدت كل شيء.
وبعد قليل أضاف:
لم أعد أقابل أحداً، لم أعد أرغب في
التحدث مع أحد، لأني فقدت الأمل...
ماذا حدث لي؟ كيف أصبحت هكذا؟
هل هذا أنا؟
قميص الفلانيل ذو المربعات الحمراء،
الذي كان يرتديه بدر دائمًا
أصبح دالي يرتديه الآن.
بدأ العمل في نفس المقهى،
الذي كان يعمل فيه بدر قبل مغادرته تونس.
يقول أحد أصدقاء التوأم:
"عندما أتيت إلى مقهى "ريو" لطلب القهوة،
اعتقدت أن بدر قد عاد".
وكان من الصعب على الأصدقاء
أن يروا بدراً دون أن يروا بدراً فعلاً.
لكن بدا أن دالي كان في وضع أفضل
عندما تمكن من الحياة على طريقة بدر.
وكأن دالي يريد أن يسير على خطى أخيه،
وكأنه يحاول ملء الفراغ الذي تركه بدر.
وكأنه يحاول أن يكون كلا التوأمين في الوقت نفسه:
بدر ودالي، دالي وبدر.
الحياة الثانية التي اكتسبها دالي
سمحت له بالتكيُّف مع فقدان أخيه.
مع مرور الوقت، شعر بالتحسن،
وكتب عن مشاعره وهو يحاول التعامل معها.
كان دالي كلما غلبته مشاعره يكتب، عادةً باللغة العربية، وأحيانًا بالفرنسية أيضًا. لقد قام بالفعل بملء خمسة دفاتر ملاحظات في السنوات الأربع الماضية. كتب في أحدثها: لا ينبغي التسامح مع التعذيب تحت أي ظرف من الظروف! | © هانا مارا شميت
***
في 13 يوليو 2021، كتب دالي
في مذكراته:
لقد نجوت... وهذه هي المرة الأولى،
التي أقرر فيها العيش بشكل صحيح.
يريد أن يعرف من هو. من يكون دون أخيه.
لفترة طويلة تمنى عودة بدر،
وفكر فيما إذا كان يجب عليه أيضًا
الذهاب إلى ألمانيا، وقرر عدم القيام بذلك،
لأن لديه مهمة هنا في تونس، ويمكنه
أن يحدث فرقًا هنا. كان لدى دالي أمل مرة أخرى.
لكن هذا الأمل مات بعد اثني عشر يومًا فقط،
عندما أقال الرئيس قيس سعيّد، في 25 يوليو 2021،
رئيس الوزراء هشام المشيشي، ودعا البرلمان
إلى وقف عمله.
وفي شارع الحبيب بورقيبة، وهو نفس الشارع
الذي تظاهر فيه قبل عشر سنوات من أجل الديمقراطية
مع شقيقه، انفجر دالي في البكاء.
وبعد بضعة أشهر، فرض قيس سعيد أيضًا
سيطرته على القضاء.
***
كان بدر يجلس على أريكة في نويشتات في دريسدن
مع صديقه الجديد يوناس، الذي عاد للتو من الإجازة.
يريدان قريبا السفر معا، بمجرد حصول بدر
على جواز سفره الأزرق،
أي وثيقة سفر اللاجئين.
وضع يوناس ذراعه حول بدر. قال بدر
إن علاقتهما أعطته الدعم، وابتسم. يبدو أنه
وصل أخيرًا إلى السلام مع نفسه. ولكن عندما كان
يتحدث عن دالي، كان التوتر يمتزج بصوته الهادئ.
قال، وهو يسند رأسه على كتف يوناس:
"جزء مني لا يزال في تونس".
على الرغم من أن بدر بنى حياة لنفسه
في دريسدن، إلا أن هذا الفراغ موجود دائمًا.
عندما يفتح هاتفه الخلوي، ويرى المنشورات،
التي يشاركها الأصدقاء على وسائل
التواصل الاجتماعي، يشعر بالعزلة
والعجز في كثير من الأحيان.
الخوف من الأخبار السيئة يرافقه باستمرار.
وكان قد علم عبر فيسبوك باعتقال شقيقه
عدة مرات. وكان عمر تلك المنشورات آنذاك
أربع أو خمس ساعات. وحاول الوصول
إلى الأصدقاء لمعرفة ما حدث بالضبط،
لكن لم يرد أحد على الهاتف.
وبعد أيام فقط تمكن أخيرًا من التحدث إلى دالي.
كانت الاعتقالات تعسفية، ولا أساس لها
من الناحية القانونية، لذلك كان يُسمح لدالي
عادةً بالمغادرة، بعد وصول محاميه.
ومع ذلك، فهو الآن في حالة استعداد دائم،
في حالة تأهب دائم - مثل جميع الرجال الكويريين
تقريبًا في تونس. أصبح نظام الإدراك يعمل كنظام الإنذار،
الذي يبدأ في الرنين بصوت عالٍ، حتى
عند هبوب أدنى رياح. ويجب عليه فعلًا أن يفعل ذلك.
لأن كل قطعة ملابس ملفتة للنظر، أو كل حركة،
يمكن أن تجذب الانتباه، أو يمكن أن يُنظر إليها
على أنها أنثوية للغاية، يمكن أن تتسبب في تعرضك للمضايقة - وفي أسوأ الحالات، حتى إلى الاعتقال.
لعبة الغميضة المستمرة هذه مرهقة.
***
كان يدخن سيجارته الثالثة، في حين ضربت
أشعة الشمس الأسفلت، وتناثر الغبار في الهواء.
لم يستطع النظر بسبب قوة الضوء،
فحول عينيه، ونظر إلى الشارع،
شارع محمد علي، الذي سُمِّي على اسم الناشط
المولود في قابس، والذي طور أول
نموذج نقابي تونسي،
وناضل من أجل حقوق العمال.
هنا في هذا الشارع ألقى بدر خطابًا
خلال ثورة 2011. وهنا انعقد أول تجمع عام
لمجتمع الميم في جنوب تونس،
في هذا الشارع في عام 2017.
هنا في هذا الشارع ألقت الشرطة
القبض على رئيس مجلس إدارة منظمة دمج.
يقول دالي إن تونس كانت دائما فوضوية،
وخاصة في فترة الثورة. ويبتسم قائلا:
"لكن في ذلك الوقت كانت هناك فوضى رائعة".
لكن منذ 25 يوليو 2021، عندما بدأ
الرئيس قيس سعيد في خنق الأمل
في الديمقراطية شيئا فشيئا،
عمت الفوضى التي يخاف منها.
منذ ذلك الحين وهو يفكر فيما
إذا كان من الأفضل له أن يغادر أيضًا.
لقد فكر فيما يعنيه ذلك لفترة طويلة.
تعيش شقيقتاه في قطر، كما أن شقيقيه الآخرين
لا يأتيان إلى قابس كثيرًا أيضًا.
من سيعتني بالوالدين عندما يكون دالي بعيدًا؟
لا يستطيع أن يتخيل الذهاب إلى ألمانيا،
ولكن ربما إلى فرنسا أو بلجيكا. يمكنه أن يبني
حياته الخاصة هناك ويظل قريبًا من بدر.
أو يدرس مرة أخرى، الفن والموسيقى،
وربما التمثيل. يقول ويضحك:
"أنا أجيد اللعب، وأن أكون شخصًا آخر".
***
"تونس، سوسة، صفاقس"، ينادي الرجال
أمام حافلات من ماركة فولكس فاجن.
"تونس"، قال دالي وهو يسلم أحدهم تذكرة الحافلة،
ويلقي حقيبته على المقعد.
لقد حل الظلام بالفعل في قابس،
والرياح تذري المناديل المستعملة
وعلب البسكويت الفارغة في الشوارع.
لقد أصبح الجو أكثر برودة.
سوف يستغرق الأمر ساعتين أخريين
حتى تغادر الحافلة إلى تونس العاصمة.
يقوم السائق بتشغيل المحرك فقط عندما
تكون جميع المقاعد العشرة مشغولة.
عندما تحركت السيارة أخيرًا،
كان الظلام دامِس بالخارج.
ترك السائق النافذة مفتوحة قليلاً،
وتدفق الهواء البارد إلى الداخل.
ومع ذلك، كان هناك رائحة الكثير من الأشخاص،
الذين يجلسون هناك منذ فترة طويلة جدًا.
كانت النجوم تلمع في الخارج،
وسيجارة دالي تتوهج في الداخل.
أمال رأسه إلى الأمام واستمع إلى الموسيقى.
ظل صامتًا تمامًا لمدة خمس ساعات تقريبًا.
وعندما عاد إلى تونس، استقل سيارة أجرة
إلى وسط المدينة. عندما انعطف السائق
إلى شارع جانبي من شارع الحبيب بورقيبة،
نظر دالي إلى الخارج وقال في نفسه وهو ينزل من السيارة:
"لا أستطيع الانتظار حتى أترك كل شيء هنا خلفي".
لقد تأخر الوقت في قابس. انتظر دالي بالفعل لمدة ساعتين حتى انطلقت الحافلة أخيرًا عائدةً إلى تونس. | © هانا مارا شميت