كثير من الشباب في المغرب غاضبون. فانتقاد الحكومة غير مسموح به. ويعد الملعب هو الملاذ الأخير الذي يمكنهم إطلاق العنان فيه لمشاعرهم للتعبير عنها.
وقف الآلاف من المتشحين باللونين الأسود والأخضر، جنبًا إلى جنب، قريبين من بعضهم البعض، بل يمكننا القول أنهم يحتضنون بعضهم البعض. وفي المنتصف تقريبًا على طول المدرج الجنوبي، علق العشرات منهم الأعلام فوق رؤوسهم. وإذا قمت بتكبير تلك النقطة تحديدًا، فسيمكنك تحديد مكان عمر. بعيونه المتلألئة، وضحكته التي تشع حيوية، وانطلاق.أما عمر، الذي وقف يعرض صورته على هاتفه الخلوي، فهو شخص مختلف تمامًا. جلس في إحدى ليالي يوم الاثنين في الطابق الثاني من مقهى على أطراف حي درب سلطان، الذي تسكنه الطبقة العاملة في الدار البيضاء. بدا أنه صبي خجول يصافحك بلطف، وجلس واضعًا حقيبة ظهره فوق كتفيه. ويجعله شعر شاربه الخفيف الموجود فوق شفاته العليا يبدو أصغر كثيرًا من عمره الفعلي، حيث يبلغ 19 عامًا. يترك عمر زمام الحديث لصديقه المقرب ماليك، 20 عامًا، الذي يجلس بجانبه وهو يرتدي "سويت شيرت له غطاء رأس" لفريق الروك "رامونيس".(وقد تم تغيير الاسمين هنا للحفاظ على الخصوصية) أما عمر فلا يجيبك، إلا إذا وجهت إليه الحديث مباشرة.
الأولاد 05: منطقة الطبقة العاملة في درب سلطان مليئة بالجرافيتي. حيث يعيش هنا عدد كبير من ألتراس "جرين بويز" Green Boys أو مشجعي الفريق. | © Janina Bauer
ويتصدر بطل المغرب لاثني عشرة مرة البطولة للموسم الحالي أيضًا، ويتولى تدريبه الألماني جوزيف زينباور. جدير بالذكر أن نادي الرجاء الرياضي قد تأسس في أواخر الأربعينيات على يد قوميين مغاربة. وهو اتحاد مغربي من أجل المغاربة، وتم تأسيسه احتجاجًا على الحكام الاستعماري الفرنسي.
لم يتواجد عمر وماليك في الملعب منذ أربعة أسابيع، حيث كانوا هناك لآخر مرة يوم 8 أكتوبر. تُظهر مقاطع الفيديو الموجودة لذلك اليوم المدرج الجنوبي محاطًا بالضباب الأحمر وسحب الدخان الرمادي. كانت كثيفة جدًا لدرجة أنه لم يعد من الممكن رؤية الألتراس الذين أطلقوا الألعاب النارية وقنابل الدخان. وتردد صدى غنائهم وتشجيعهم في جميع أرجاء الملعب. يخضع الملعب لقوانينهم. هذه هو الرأي الذي يتبناه مجموعتا الألتراس -لجرين بويز وألترا إيجلز- من مشجعي الرجاء الرياضي أثناء وضع الخطة لعروضهما. وهذا بغض النظر عن أية عواقب. فمثلًا إشعال الشماريخ محظور طبقًا لقانون الانضباط المنبثق عن الجمعية الملكية المغربية لكرة القدم. مثله في هذا مثل إلقاء الأجسام الصلبة، وتعليق اللافتات التي تحمل نصوصًا سياسية أو مسيئة.
عواقب 8 أكتوبر: غرامة مالية على النادي، ومنع جماهير نادي الرجاء الرياضي من حضور المباراتين المقبلتين من الموسم الحالي.
يعد هذا الإجراء معتادًا، ويرمز في الواقع كمقياس للقوة بين الألتراس والسلطات. فأي شخص ينتقد الملك في المغرب يخاطر بأن ينتهي به الحال إلى السجن. وتتعرض الاحتجاجات السلمية للقمع بشكل متكرر. كما تحتل المغرب المركز 144 من أصل 180 دولة في حرية الصحافة. ففي الاستاد لا يتعلق الأمر بكرة القدم فقط. ربما يكون هذا هو المكان الأخير الذي قد يكون فيه بعضًا من حرية للتعبير عما يجول بخاطر المرئ. حيث يُسمح بأن يكون المرئ على طبيعته. وأن يترك الغضب والإحباط لينطلقوا خارجًا. فهو جزء من الحرية الفردية تحت ستار الجماعية.
يمكنك سماع الهتافات تنطلق في مقهى الدار البيضاء. الرجاء يسجل في الدقيقة الثالثة. عمر وماليك يحدقان في الشاشة تحت السقف بعيون لامعة وأفواه مفتوحة. فهم غالبًا لا يشاهدون الأهداف بسبب الهتاف والغناء والقفز في الاستاد. أما في المقهى فهم يشاهدون الأهداف وهي تُعاد بالتصوير البطيئ في سعادة وهدوء.
الألتراس الآخرون يغادرون الاستاد عندما يلعب فريقهم بشكل سيئ. أما ألتراس Green Boys فلا يفعلون ذلك أبدًا.
اقتباس
وانضم عمر إلى ألتراس Green Boys عندما بلغ سن الثامنة عشر، لأن هذا هو السن القانوني، الذي يعد شرطًا للعضوية. فهم يقومون بتقسيم الدار البيضاء إلى مناطق. وفي يوم انضمامه، التقى عمر بالمسؤول عن المنطقة (ج)، وقال له: “عليك أن تكون منظمًا ومنضبطًا، وعلينا أن نكون قادرين على الاعتماد عليك. يجب عليك إظهار السلوك الجيد، وعدم تعاطي المخدرات. وافق عمر على تلك الشروط، ودفع رسوم العضوية.
ألتراس Green Boys هم الآن عائلة عمر وماليك. فقواعدهم الخاصة بهم تسري عليهم مثل القانون. وهناك ثلاثة قواعد أساسية لدى Green Boys ذات أهمية خاصة لماليك.
القاعدة الأولى: ادعم فريقك، مهما حدث. داخل وخارج الحدود.
يقول ماليك: "المشجعون العاديون يغادرون الاستاد، أو لا يأتون على الإطلاق عندما يلعب فريقهم بشكل سيء". "أما ألتراس Green Boys فلن يفعلوا ذلك أبدًا. بل على العكس من ذلك، نحن نبتكر ونجد طرقًا جديدة لدعم الرجاء."في مباراة الديربي ضد الغريم التقليدي الوداد البيضاوي في نوفمبر 2019، حمل جميع أعضاء الألتراس رقائق ملونة في الهواء. وشكلوا معًا حروفًا امتدت عبر المدرج الجنوبي بأكمله. كانت الغرفة رقم 101 مكتوبة على خلفية خضراء. الغرفة 101 هي غرفة التعذيب في رواية جورج أورويل 1984، حيث تتحقق فيها أسوأ مخاوف أي سجين. كان تصميم الرقصات والهتافات بمثابة إشارة للمنافسين كما لو كانوا يقولون: نحن كابوسكم.
القاعدة الثانية: كن شجاعاً وقل، ما يجب أن يقال، بغض النظر عن العواقب التي ستترتب على ذلك.
يقول ماليك، إن الجمعية الملكية المغربية لكرة القدم "FRMF" قامت ذات مرة بتأجيل مباراة للرجاء الرياضي. وبدلًا من ذلك، أقيمت مباراة في بطولة على مستوى أفريقيا. واحتج الألتراس في المدرجات. وتمت كتابة "FRMF" على "تيفو"، وهم الاسم الذي يطلقونه على لافتاتهم. "Allez vous faire encouler" - اللعنة عليك. وتم رسم الإصبع الأوسط بجانب اسم "FRMF" الذي يعتبر أحد أقرب الجمعيات الملكية إلى قلب العاهل المغربي.يقول ماليك: "نحن لا نهتم بالمخاطر". "نحن نقول ما نريد. حتى وإن كان رئيس الجمعية الملك
مشكلتنا ليست مع البلد، بل مع أولئك الذين يديرونه
ويقول ماليك
"لقد أهدرتم المواهب
وحطمتموهم بالمخدرات
لقد نهبتم كل ثروات هذا البلد
وأعطيتموها للأجانب
لقد قهرتم هذا الجيل"
تلك هي الطريقة التي يعالج بها الألتراس الوضع غير المستقر لجيل ميؤوس منه. إن مثل هذا النقد للسلطة غير ممكن خارج الاستاد. فبينما ينمو الاقتصاد المغربي، فإن البطالة بين الشباب في مدن مثل الدار البيضاء تزيد عن 40 في المائة.
يقول ماليك: "لا يوجد مستقبل هنا". من يريد تحقيق شيء ما، عليه أن يغادر المغرب.
ويعتقد عمر أنه "في أوروبا هناك حقوق ورؤية، حتى بالنسبة للمهاجرين". ويقول: "في المغرب، يمكنني أن أحصل على أفضل تعليم، لكن ينتهي بي الأمر إلى قيادة سيارة أجرة، لأتمكن من تغطية نفقاتي".
نحن نحب بلدنا.
يقول عمر
يقول عمر: "نحن نحب بلدنا". إذا كان الأمر يتعلق بما يريدون، فهم لا يريدون أن يتركوا أوطانهم ومنازلهم وعائلاتهم وأصدقائهم وراءهم. ولو كان الأمر بأيدهم، لما خرجوا من بلادهم إلا كسائحين.
يقول ماليك: “مشكلتنا ليست مع البلد، بل مع أولئك الذين يديرونه”. جميع الشباب يريدون الذهاب، بما في ذلك العديد من أصدقائهم في ألتراس Green Boys. إحدى أغانيهم اسمها "تعبت من الذهاب":
"العيش بعيدًا عن الوطن أمر مؤلم للغاية
مثل النار في القلب
الفقر مؤلم، هذه هي حقيقة مشجعي الرجاء"
وفي مقهى كرة القدم بالدار البيضاء، لم يخلع عمر حقيبته بعد مرور 60 دقيقة من بداية المباراة. وسيحتفظ بها أيضًا فوق كتفيه حتى نهاية المباراة، ليكون جاهزًا للمغادرة في أي وقت.
القاعدة الثالثة: الحب والأخوة والأسرة.
يفتح ماليك صورة على هاتفه الذكي، تم التقاطها في منطقة المدرج الجنوبي. وكان يمكن رؤية شابين من الخلف يرتديان ملابس خضراء وسوداء. يقف أحدهما على ساق واحدة فقط، بينما كانت الأخرى مبتورة. أما صديقه فيلف ذراعه حوله بإحكام ليسنده.يقول ماليك: "لكل فرد منا مكانه الخاص في منطقة المدرج الجنوبي". عندما يدخل أحد أعضاء ألتراس Green Boys إلى المدرجات، فهو يعرف جيدًا إلى أين يتجه. ويعرف مكانه، الذي يقف فيه أسبوعًا بعد أسبوع، ويعرف النص الذي يجب أن يغنيه، وأي جزء من الصورة يشكله، كما يعرف من يقف أمامه، أو خلفه، أو بجواره. كما يتعرف على زملائه الناشطين في الشارع. عن طريق إشارة معينة بالأيدي. ويقوم عمر وماليك بتمثيل تلك الإشارة: فيقبضان أيديهما وينشران إصبعيهما الإبهام والسبابة. يمكن أيضًا للأشخاص الذين لا علاقة لهم بكرة القدم الاعتماد على دعم فريق Green Boys لهم. يقول عمر: "بعد الزلزال الذي وقع في سبتمبر، تبرع العديد من أعضاء ألتراس Green Boys بالدم للضحايا، وقدمت إحدى المجموعات عبوات الإغاثة المكونة من الملابس والطعام إلى جبال الأطلس".
وبعد أيام قليلة كان يجلس في مقهى بالرباط. هذه المرة بدون صديقه المفضل إلى جانبه، وبدلاً من ذلك يرتدي سترة فريق "رامونيس" مثلما كان يرتديها ماليك. إنه لا يعرف من هم الـ "رامونيس". هذه المرة، يخلع حقيبة ظهره، لكنه يتمسك بها بقوة فوق حجره، وتعبث أصابعه بالقفل.
يتحدث عمر عن حياته بتردد ويتجنب التواصل البصري. ويبدو أنه لم يعتد على الحديث عن نفسه كثيرًا. عندما يتحدث عن شقيقتيه الكبيرتين، يبدو مرتاحًا ويقول أنهما تتعاملان معه بلطف. الكبرى ستقيم حفل خطوبتها في الرباط بنهاية هذا الأسبوع؛ وبعد زفافها ستعيش في تولوز.
جاءت فكرة أنه يمكنه أيضًا الذهاب إلى تولوز من والديه. فقد وعداه بتمويل دراسته هناك، إذا تمكن من التخرج من المدرسة، هذه هي الصفقة.
وسيشتري له أعمامه دراجة نارية، إذا ما أتم دراسته الثانوية هذا العام.
هذه هي المحاولة الثالثة لعمر لاجتياز شهادة الدراسة الثانوية المغربية. وهو يحتاج من أجل الدراسة في تولوز، بالإضافة إلى شهادته، إلى تأشيرة شنجن لفرنسا. وهذا يتطلب الحصول موافقة من إحدى الجامعات أو الكليات الفرنسية. وأدت التوترات الدبلوماسية بين باريس والرباط إلى تشديد إجراءات إصدار التأشيرات للمغاربة في السنوات الأخيرة. ففي عام 2022، رفضت فرنسا حوالي 30 بالمئة من جميع الطلبات المغربية للحصول على تأشيرة لفرنسا. وقبل نحو شهر، أعلنت الحكومة الفرنسية رفع القيود المفروضة على المواطنين المغاربة.
اقتباس غير مباشر: يعتقد والده أن الألتراس مجرمون. كان يخشى أن يكون ابنه في خطر، أو ينتهي به الأمر إلى السجن.
وكان والداه في البداية ضد انضمامه إلى الألتراس. يعتقد والده أن الألتراس مجرمون. وكان يخشى أن يكون ابنه في خطر أو ينتهي به الأمر إلى السجن.
ومخاوف الأب هذه ليست بلا أساس على الإطلاق. ففي الماضي، كانت هناك أعمال تخريب متكررة وعنف صريح بين الجماعات المتطرفة أو الألتراس والسلطات. وبلغت ذروة العنف عام 2016 خلال مباراة الرجاء الرياضي. مات اثنان من الألتراس هناك بعد مشاجرات.
الألتراس يريدون تمييز أنفسهم عن المجموعات الأخرى. لقد أظهروا قوتهم من خلال عروض الألعاب النارية "البايرو". | © Mosa'ab Elshamy
أما المصدر الثاني للعنف فهو يأتي من المجتمع. وُلد بورقية نفسه في الدار البيضاء، ونشأ في حي تسكنه الطبقة العاملة. ويقول إنه يعرف الوضع الذي يجد الشباب أنفسهم فيه جيدًا. فقد شعر الكثير منهم بالإقصاء، والحرمان الاجتماعي والاقتصادي. لهذا يعتبر التخريب والعنف ضد السلطات وسيلة للتعبير عن هذا الإحباط الذي يشعرون به. وكتب عالم الاجتماع في كتابه: "غالباً ما يفسر الألتراس سلوكهم العنيف بأنه نوع من أنواع ردود الفعل تجاه المجتمع ومؤسساته وسلطاته، التي ترمز إلى الدولة القمعية".
يظن الكثير من الشباب بأنه لا أحد يشعر بهم أو يراهم. يقول بورقية إنه ليس من السهل العثور على مكان لك في المجتمع في ظل هذه الظروف. ولهذا السبب أيضًا شعر الشباب المغاربة بالانجذاب نحو الألتراس. "مجرد كونه من مشجعي الرجاء يجعله مميزًا عن الآخرين."
مجرد كونه من مشجعي الرجاء يجعله مميزًا عن الآخرين.
اقتباس
يقول عمر إن والديه أصبحا الآن أكثر ارتياحًا بشأن ألتراس Green Boys. لقد أقنعهم بذلك من خلال عودته إلى المنزل في الوقت المحدد له، بعد حضور الاجتماعات، أو زيارات الاستاد.
هناك، في المدرج الجنوبي، لملعب محمد الخامس، كل فرد له كيان خاص، بغض النظر عن المكان الذي جاء منه. يقول عمر: "كلنا متساوون". ويضيف: "لا أشعر بالحرية الحقيقية إلا في الملعب، والمسجد". ويستطرد مضيفًا بإخلاص بعد لحظات قليلة: "ومع والداي".
وبعد يوم واحد، يلعب الرجاء الرياضي أمام نادي الشباب الرياضي السالمي. وتقام المباراة في مدينة المحمدية التي تبعد ساعة عن الدار البيضاء. في استاد صغير، لأن استاد محمد الخامس الكبير يجري تجديده.
آلاف الشباب يملأون مدرجات ملعب المحمدية، ويقفون فوق الأسوار غير المؤمنة، وعلى أسطح المنازل المقابلة للاستاد. يقوم بعض المشجعين بخلع الأوشحة والسترات الصوفية على العشب خلف المدرجات للسجود فوقها أثناء أداء الصلاة. وقام آخرون بإلقاء زجاجات المياه من المدرجات على ضباط الشرطة والمصورين. والبعض قام بإشعال سيجارة ملفوفة بالحشيش. الجميع جاء لدعم فريق الرجاء الرياضي، في حين لم يأت مشجعو السوالم.
عمر وماليك ليسا هناك. فالبنسبة لعمر، فالأسرة تأتي في المقدمة قبل ناديه، حيث أن عليه أن يذهب لحضور خطبة أخته. أما ماليك فأرسل صورة تذكرته قبل المباراة. وكتب أنه لا يستطيع الحضور. حيث أنه ليس لديه ما يكفي من المال لشراء تذكرة القطار إلى المحمدية.