لا يمكن لأي شاب وفتاة من الأقباط أن يتزوج أو يُطلق بالإرادة المنفردة أمام الدولة، فعقد الزواج لا يكون قانونيا وصحيحا إلا إذا تم على يد الكاهن المعتمد لدى الدولة ولديه دفتر توثيق عقود الزواج من قبل وزارة العدل. وحينما يختلف زوجان لا يمكنهما الانفصال حتى لو اتفقا على ذلك إلا بموافقة الكنيسة فهي الجهة الوحيدة التي يمكنها فض الزيجة.
تعاني السيدة ماري مجدي ونيس ولا تجد فرصة للانفصال، وتكمن الأزمة في عدم وجود قانون للزواج المدني في مصر، والجزء الآخر ثقافي مرتبط بالتربية والتعليم الخاص بالدين المسيحي الذي يحث النساء على احتمال علاقة زواج قد تودي بحياتهن لأن كنيسة الإسكندرية (القبطية الأرثوذكسية) تضيق على الطلاق.الزواج أحد حقوق البشر الطبيعية، كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مادة 16)، وتكرر الأمر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (مادة 23)، بالحديث عن الزواج وتكوين الأسرة، وأنه عند انحلال الزواج تضمن الدول المساواة بين الزوجين، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال إن وجدوا.
لا يمكن لأي شاب وفتاة من الأقباط أن يتزوج أو يُطلق بالإرادة المنفردة أمام الدولة، فعقد الزواج لا يكون قانونيا وصحيحا إلا إذا تم على يد الكاهن المعتمد لدى الدولة ولديه دفتر توثيق عقود الزواج من قبل وزارة العدل. وحينما يختلف زوجان لا يمكنهما الانفصال حتى لو اتفقا على ذلك إلا بموافقة الكنيسة فهي الجهة الوحيدة التي يمكنها فض الزيجة.
انسحبت الدولة من أداء دورها تجاه مجموعة من مواطنيها، و ترى الكنيسة كمؤسسة أن الأقباط لا يملكون الأهلية الكاملة للزواج والطلاق بالإرادة المنفردة، خاصة أنها ذهبت في اتجاه التشدد والتعنت تجاه الطلاق والزواج الثاني منذ عهد البابا السابق الأنبا شنودة الثالث البطريرك رقم 117 في عداد بابوات كرسي الإسكندرية الذي يتبعه غالبية عموم المسيحيين في مصر.
تعديل لائحة 1938 وتفاقم أزمات الأحوال الشخصية
خلال التاريخ المعاصر، حكم الأحوال الشخصية للأقباط لائحة 1938 التي صدرت عن المجلس الملي العام في ذات السنة.المجلس الملي منتخب من العلمانيين الأقباط أي من غير رجال الدين، تشَكل لأول مرة في عام 1874، ودوره أشبه بالبرلمان في الرقابة على أمور الكنيسة الإدارية والمالية، ودخل معه البابوات في عداء وصراعات، إلى أن لم يعد له وجود حاليا منذ انتهاء مدة أخر مجلس منتخب في أبريل/ نيسان 2011. وضمت لائحة 1938 للأحوال الشخصية 9 أسباب للطلاق.
أسباب الطلاق التي حددتها اللائحة تشمل الخيانة، ترك أحد الزوجين المسيحية، غياب أحد الزوجين 5 سنوات، السجن 7 سنوات فأكثر، الجنون أو المرض المعدي غير القابل للشفاء، عجز الزوج الجنسي، الاعتداء الجسدي، سوء السلوك، الإساءة المعاشرة، أو الترهبن برضا الطرف الآخر.
في عام 2008 أجرى البابا شنودة الثالث تعديلا على لائحة 1938، بإلغاء جميع بنود الطلاق عدا بند الخيانة أو الزنا، والأمر راجع لرؤيته الشخصية وأصحبت عبارته الشهيرة "لا طلاق إلا لعلة الزنا" نصا شبه مقدس.
ظهرت أزمة جديدة هي "أزمة العائدون للمسيحية"، تسببت في مشكلات طائفية بمصر وهددت السلم والأمن المجتمعي، خاصة في الفترة بين عامي 2008 و2010، لأنه بعد تعديل اللائحة تم تقييد بند تغيير الطائفة المسيحية الذي كان يسهل الحصول على إجراء الطلاق بتحول أحد الزوجين لطائفة أخرى غير القبطية الأرثوذكسية، واضطر وقتها أصحاب مشاكل الطلاق للتحول إلى الدين الإسلامي للحصول على الطلاق وبعدما حصلوا عليه أرادوا العودة للمسيحية لكنهم ووجهوا بالرفض قبل أجهزة الدولة.
كما شاعت ظاهرة أخرى يسميها الأقباط "اختفاء المسيحيات"، حيث تختفي بعض الفتيات والنساء لبعض الوقت بدعوى "الاختطاف القسري"، وتظهر فيما بعد في فيديو تعلن إشهار إسلامها، وغالبا ما يكون السبب هوعلاقة عاطفية بشاب مسلم لغير المتزوجات السبب والرغبة في الانفصال للمتزوجات، الشيء الذي لا تسمح به الكنيسة وصارت ترفضه الأسر بسبب "العار" و"الوصمة" المجتمعية، فتلجأ النساء لهذا الحل كضغط على الكنيسة والأسرة.
أشهر أزمة كانت السيدة وفاء قسطنطين عام 2004، لأنها زوجة كاهن قبطي من محافظة البحيرة شمال مصر، وأعلنت تحولها للإسلام بسبب رغبتها في الانفصال عن زوجها، وبسببها حدث توتر طائفي في المجتمع المصري، وانتهت القصة بتدخل البابا شنودة وعودتها مرة أخرى لأحد الأديرة لفترة من الزمن.
تكرر نفس الأمر بعدما خرجت السيدة ميرنا ماهر من محافظة أسيوط في الصعيد (جنوب مصر) معلنة تحولها للدين الإسلامي، في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2022، لتثير الجدل من جديد حول عدم وجود فرصة للانفصال من زوجها.
عداء كنسي للائحة 1938
كانت لائحة 1938 للأحوال الشخصية بابا لعدم تفاقم أزمة الأحوال الشخصية للأقباط، لكنها لاقت رفضا من الإكليروس -رجال الدين المسيحيين- منذ إقرارها بدعوى أن من أقرها هم العلمانيين -المسيحيين من غير رجال الدين- وحاولت الكنيسة في الأربعينات في عهد البابا مكاريوس الثالث رقم 114 تعديل لائحة 1938 بحجة أنها لا توافق تعاليم الكتاب المقدس ولم تنجح في ذلك. وفي سنة 1955 ، ألغت الدولة المحاكم الملية للمسيحيين والشرعية للمسلمين وتم وضع قانون للأحوال الشخصية استند فيما يخص الأقباط للائحة 1938، ثم في عهد البابا كيرلس السادس رقم 116، حاولت الكنيسة سنة 1962 تعديل قانون الأحوال الشخصية ولم تفلح المحاولة.
جاء البابا شنودة سنة 1971 وأعلن رفضه لأسباب الطلاق التسعة في لائحة 1938، ومن السبعينيات بدأت الكنيسة التضييق على الطلاق، ومع مرور السنين تفاقمت المشاكل إلى أن أجرى البابا شنودة في 2008 تعديل على اللائحة بإلغاء بقية أسباب الطلاق عدا "الزنا/ الخيانة" بشكل غير دستوري، لأن اللائحة صدرت سنة 1938 بعد إقرارها من البرلمان المصري، وبالتالي تعديلها يستوجب أن يتم عبر البرلمان وهو ما لم يحدث، ووصل تفاقم مشاكل الأحوال الشخصية في وجه الكنيسة في أغسطس 2011 عندما اعتصم الأشخاص الذين يواجهون مشكلة الطلاق أمام مقر المجلس الإكلريكي - مجلس كنسي يرأسه أسقف يختص بنظر مشكلات الطلاق ومنح تصاريح الزواج الثاني - في الكاتدرائية المرقسية بوسط القاهرة مقر البابا، وتم إطلاق كلاب الحراسة لتفريقهم وعرفت الحادثة إعلاميا باسم "موقعة الكلب".
انفراجة مع البابا تواضروس لكنها لا تكفي
رحل البابا شنودة في 17 مارس 2012، وجاء البابا تواضروس رقم 118 في 18 نوفمبر 2012، عمل البابا الجديد على تصحيح الوضع فأعاد هيكلة المجلس الإكلريكي المسؤول عن النظر في هذه القضايا، فقد كان مجلسا واحدا ينظر في كل قضايا الطلاق والأحوال الشخصية للتابعين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر وحول العالم.
أعاد البابا تواضروس بعض بنود لائحة 1938 مرة أخرى مثل الهجر بين الزوجين الذين لم ينجبا أطفال لمدة 3 سنوات يمكن الطلاق بعدها و5 سنوات لمن لديهم أطفال، والتوسع في تفسير الزنا والخيانة حكميا، أي وجود رسائل على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي أو الهواتف الذكية أو صور لأحد الزوجين مع شخص أخر يتم الاعتداد بها كدليل للخيانة، وأن يتم نظر القضايا في وقت محدد، والبت فيها بشكل مباشر، ما قلل من حدة المشكلات التي لا تزال قائمة حتى الآن.
بالرغم محاولات البابا تواضروس، أصبح الأمر يتوقف على الفهم الشخصي لنصوص الكتاب المقدس حسب كل بطريرك، وعلى مدى تفتحه أو تشدده، وبالتالي قد يتم التراجع عن تلك الخطوات فيما بعد كما حدث بتعديل لائحة 1938 سابقا وإلغاء 8 من بنود الطلاق باستثناء الخيانة.
فعلى سبيل المثال، ظلت سيرين (اسم مستعار)، وهي حالة من ضمن آلاف الحالات من النساء التي وضعن حياتهن بين قوسين بسبب علاقة زواج سامة أو غير ناجحة، تعاني أكثر من 12 عاما حتى استطاعت الحصول على الطلاق، فقد بدأت مشكلتها وهي بعمر الثلاثين واستطاعت بعد معاناة أن تأتي بورقة تغيير الطائفة المسيحية وهي شهادة تتكلف آلاف الجنيهات للحصول عليها، بعدما امتنعت الطوائف المسيحية في مصر عن إصدارها من اجل الحصول على حكم بالطلاق من المحكمة.
قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين خطوة للخلف
منذ عام 2014 اجتمعت الكنائس الثلاث الرئيسية في مصر (القبطية الأرثوذكسية، الكاثوليكية، البروتستانتية/ الإنجيلية) مع وزير العدل من أجل إعداد مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين، حيث واجه بعض العراقيل لعدم اتفاق الكنائس على مواد موحدة فيما يخص الزواج والطلاق، فأصبح القانون عبارة عن جمع لائحة كل كنيسة وشروطها في باب خاص بها داخل القانون، لأن الكنيسة الكاثوليكية في مصر تتبع الفاتيكان ولا يوجد في قانونهم طلاق، بينما القبطية الأرثوذكسية والإنجيلية تسمحان بالطلاق والسبب الرئيسي لدى كل كنيسة هو "الزنا".
واجه القانون مشكلة أخرى في بداية إعداده، فقد اقترحت الدولة وجود باب للزواج المدني بالنسبة للمواطنين المسيحيين، لكن ممثلي الكنائس رفضوا الأمر وحجتهم أنه قانون يخص الكنائس، وعرضوا على الدولة أن تشرع قانون للزواج المدني لكل المواطنين المصريين بغض النظر عن دينهم بعيدا عن القانون الذي يخص الكنائس فتم التراجع عن تلك الفكرة.
ولكن في ديسمبر 2024 ، وقعت وزارة العدل والطوائف المسيحية الخمس على قانون أحوال شخصية جديد للمسيحيين، حيث لم يعد يقتصر طلب الطلاق على حالات المرض و الزنا فحسب، بل يسمح القانون الجديد بالطلاق في حالات أخرى، مثل خداع أحدى الزوجين للآخر وإخفاء الإصابة بمرض مزمن (بما في ذلك العقم) أو انفصال يستمر ثلاث سنوات أو أكثر، هذا وفقًا لما ذكره منصف نجيب لسليمان وهو مستشار الكنيسة الأرثوذكسية و عضو مجلس النواب. وهذا يعني أن الطلاق سيخضع لقوانين الطائفة التي تم فيها الزواج. علاوة على ذلك، يتضمن القانون الجديد إجراءات تمنع التلاعب بالنظام القانوني من خلال تقييد تغيير الملة للحصول على الطلاق.
المواطنين بحاجة لجهة تنظم الزواج والطلاق
رغم الجدل الدائر على ملف الأحوال الشخصية للأقباط، إلا أن هذا لا ينفي أنهم بحاجة إلى جهة تنظم أمور الزواج والطلاق بينهم، وإذا كانت الكنيسة صاحبة هذا الحق الوحيد في الوقت الحالي فعليها أن تؤدي دورها بشكل أفضل يسهل على الناس حياتهم.
وبتعاون وزارة العدل المصرية مع ممثلو الطوائف الكنائسية في صياغة قانون الأحوال الشخصية الجديد، يأمل العديد من الأقباط المصريين أن يكون هذا القانون بمثابة انفراجة لحل مُعضلة مشكلات طلاق المسيحيين فى مصر وانهاء العداء الكنسي لقرارات محكمة الاسرة المصرية.